الجواب الهادي في الرد على النصراني عبد الفادي

جلست بجواري في القطار وهي تمسك بين يديها كتابا عنوانه (هل القرآن معصوم؟) لرجل دين نصراني اسمه (عبد الله عبد الفادي) وأخذت تحوارني حول “أخطاء” مزعومة في القرآن الكريم، فقلت لها هاتي ما لديك، فوجدتها تسأل عن أشياء منها ما يلي:

(1) لماذا تم رفع الفاعل بدلا من نصبه؟

(2) لماذا خلط القرآن بين مريم ابنة عمران ومريم بنت هالي؟

ولما أجبتها نكست رأسها ودونت بعض الملاحظات مما قلته لها بالقلم الرصاص على صفحة كتابها المشبوه، ثم توقف القطار وانصرف كل واحد منا إلى غايته.

والآن قبل أن أدون ملاحظاتي على سؤاليها أود التنبيه على أن الشبهات لن تنتهي، فها هي الأفهام تنغلق أمام ضوء الحقيقة، وها هي الألسن تستعجم أمام بلاغة القرآن، وصدق القائل:

قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدِ *** وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

لكني رأيت أن أقدم بين يدي الرد مقدمة ذلك الكاتب الغافل لنقف على مبلغ علمه. يقول “عبد الفادي” في مقدمه كتابه ذاك:

رغبتُ منذ حداثتي أن أقوم بخدمةٍ منتِجة دائمة الأثر للجنس البشري. وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي. ولكنني كرجل دين رأيت أن أدرس القرآن. وبما أن الله واحد ودينه واحد وكتابه المقدس واحد، الذي ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسد، وقال إن من يزيد على هذا الكتاب يزيد الله عليه الضربات المكتوبة فيه. وبما أن القرآن يقول إنه وحي، أخذتُ على عاتقي دراسته ودراسة تفاسيره، فدرسته مراراً عديدة ووقفتُ على ما جاء به، ووضعت تعليقاتي في قالب 243 سؤالاً، خدمةً للحق وتبصِرةً لأولي الألباب، وشعاري قول بولس الرسول: “إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاءِ” (رومية 1: 14). ونحن نشعر بنفس هذا الدَّين من نحو البشر جميعا لنقدم لهم إنجيل المسيح المبارك فنفرح بحصولهم على الحياة الأبدية، فيتم الوعد الإلهي: “وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاصَ اللّهِ” (لوقا 3: 6).

والآن لنأخذ ستة أمثلة من تلك الأسئلة التي وجهها ذلك الكاتب الذي يريد أن يسدي معروفاً للجنس البشري لنرى علمه وشأنه، ولولا المحاورة التي تمت مع قارءة الكتاب لما شغلت نفسي بالرد على ترهات الجهلاء، فلدينا ما هو أهم من واجبات.

س 16: جاء في سورة الأنعام 6: 74 “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِين”. والصواب في التاريخ كما يشهد الكتاب المقدس أن والد إبراهيم اسمه تارح كما جاء في تكوين 11: 27.

الجواب: نرى هنا الخلط واضحاً بين لفظي (الأب) و(الوالد)، فإذا كان العهد القديم ينص على أن تارح ولد إبرام (إبراهيم) ، “وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ …” “تكوين 11 : 27″، فإن ذلك – بفرض صحته – لا يناقض القرآن الكريم لأن القرآن يتحدث عن آزر بصفته أباً لإبراهيم وليس والداً له على النحو الذي شرحته في مقالي السابق. ، وإلا فليأتنا الكاتب بآية قرآنية تدل على أن آزر هو “والد” إبراهيم إذا أراد أن يكون كلامه ملزماً.

س 17: جاء في سورة التحريم 66: 12 “وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ”. وجاء في سورة مريم1:2و”فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّا”. ونحن نسأل: يقول الإنجيل إن مريم العذراء هي بنت هالي (لوقا 3: 23). “فكيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبي موسى النبي وإنها أخت هارون، مع أن بينها وبين عمران وهارون وموسى ألف وستمائة سنة؟!

الجواب: لم يكتفي عبد الفادي النصراني بأنه جاهل بل زاد على ذلك أنه كذاب، لا يكذب على القرآن فقط، بل يكذب على إنجيله الذي بين يديه، وذلك بقوله: (يقول الإنجيل إن مريم العذراء هي بنت هالي) ويعزي ذلك إلى (لوقا 3: 23). لنرجع معاً إلى لوقا ونقرأ معاً:

(وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ بْنِ هَالِي …) (لوقا 3 : 23)

لنرى كيف يأخذ ذلك الكاتب المشبوه نسب يوسف النجار ويزعم أنه نسب مريم! أم تراه يرى أن مريم تلك كان اسمها يوسف؟!! أما قوله: (فكيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبي موسى النبي) فهو كذب على القرآن لأن القرآن نسب مريم بأنها إبنة عمران لكنه لم يقل: إنها بنت عمران أبي موسى النبي، فمن أين جاء ذلك الدجال بعبارة (أبي موسى النبي)؟ أما عن (أخت هارون) فيبدو أن لسان ذلك الأعجمي لم يسعفه لفقه لسان العرب فخلط مرة أخرى بين لفظي (أخ) و(شقيق) كما خلط من قبل بين لفظي (أب) و(والد). إن كان الإنسان من قوم العرب يحق أن ينادى بلفظ “أخي العرب” كما جاء غير مرة في القرآن مثل قوله تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ …) (الأحقاف : 21)، كذلك كانت مريم من قوم هارون أي: اليهود لذلك نادها بهذا النداء.

س 107: جاء في سورة البقرة 2: 124 لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول الظالمون .

الجواب: لقد ظن ذلك الأعجمي أن الفاعل هو (الظالمين) بينما الصواب أن الفاعل هو (عهد) أما (الظالمين) فهي المفعول به، وإعراب الآية كالتالي: (لا) حرف نفي مبني على السكون. (ينالُ) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. (عهد) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها إشتغال المحل بحركة المناسبة لياء المتكلم، وياء المتكلم ضمير بارز متصل في محل جر مضاف إليه. (الظالمين) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم. إن معنى الآية الكريمة هي: عهدي لن ينال [هو] الظالمين أي: لن يصل عهدُ الله إلي الظالمين، فالعهد هو الذي يصل للمعهود له وليس العكس، فالعهد فاعل والمعهود له هو المفعول به، لكن عجمة الألسنة وإعياء العقل لا علاج لهما إلا بالعلم والذي يفتقده كاتبنا الهمام، وصدق الشاعر حين قال:

لكلِ داءٍ دواءٌ يُستَطبُ به *** إلا الحماقة أعيت من يداويها

س 106: جاء في سورة المائدة 5: 69 إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ . وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول والصابئين كما فعل هذا في سورة البقرة 2: 62 والحج 22: 17.

الجواب: إعراب قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة : 69)

- إن: حرف نسخ ونصب مبني على الفتح

-الَّذِينَ: إسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره ، اسم إن.

- آمنوا: آمن فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

- والذين: الواو حرف عطف، و الذين اسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره معطوف.

- هادوا: هاد فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

- والنصارى: الواو حرف عطف والنصارى اسم معطوف على ما قبله

- من: بدل من (الذين آمنوا) وما بعده في محل نصب

- آمن: فعل ماضي مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

- بالله: الباء حرف جر، و لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره.

- واليوم الآخر: الواو حرف عطف واليوم اسم مجرور معطوف على لفظ الجلالة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره، والآخر صفة لليوم مجرورة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخرها.

- وعمل: الواو حرف عطف و عمل فعل ماضي معطوف على (آمن) مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

- صالحا: مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة الظاهرة على آخره.

- فلا خوف: الفاء حرف ربط، و (لا) حرف نفي، و خوف خبر إن مرفوع وعلامه رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

- عليهم: على حرف جر والضمير (هم) مجرور وعلامة الجر الكسرة المقدره على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون لكونه مبنيا، متعلق بـ (خوف) و بـ (لا).

- ولا هم: الواو حرف عطف و (لا) زائدة بين العاطف والمعطوف، وهم ضمير في محل رفع مبتداء.

- يحزنون: يحزن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة و واو الجماعة فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على (خوف).

اعراب (الصابؤون)

[1] الواو للإستئناف (استئنافية). الصابؤون مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والخبر محذوف وتقديره (كذلك)، فيكون تقدير الآية كلها هو:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِؤُونَ [كذلك].

[2] قوله تعالى (إن الذين آمنوا) مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ تقديره (المؤمنون). الصابؤون اسم معطوف على محل (إن الذين آمنوا) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم فيكون تقدير الآية هو:

[المؤمنون] وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

[3] قوله تعالى (الذين آمنوا) في محل رفع مبتدأ وما يأتى وراءه ـ ومنه الصابؤون ـ معطوف على مرفوع فيكون مرفوعا كذلك، وتكون (إن) هنا غير عاملة، أي ليست الناسخة ولكنها بمعنى نعم، ويكون تقدير الآية هو:

[نعم] الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

[2]

يتسائل عبد الفادي النصراني:

س 178: جاء في سورة الأعراف 7: 148 وَا تَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ . وجاء في سورة طه 20: 87-88 وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ . ونحن نسأل: من أين استقى القرآن هذا الخبر الذي ليسله أساس تاريخي؟ وهل من المعقول أن العجل الذهبي يخور كالعجلالطبيعي؟ وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم!

الجواب:
يقول الله سبحانه مخبرا حكاية قوم موسى عليه السلام: (… حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) (طه : 87)ثم يقول: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه : 88]، ويقول في موضع آخر: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) (الأعراف : 148). ألقى السامري إلى بعض بني إسرائيل ـ في فترة غياب موسى ـ أن انبذوا حليكم مما حملتموه من زينة القوم ففعلوا. كان السامري فيما أظن من ذوي البصائر فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية، ولعله تعلم ذلك في مصر أو في حضارته التي انحدر منها. لذلك يقول الله على لسانه: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ …) (طه : 96) أي أنه كان ذا علم في مجال لم يبرع فيه بنو إسرائيل وهو مجال الصناعات اليدوية والتقنية والفيزياء – وفق السقف العلمي لذلك العصر – فعمد للحلي فصهرها ثم قام بتشكيلها على صورة عجل ـ يبدو أنه جعله مجوفا وكثير التلافيف والالتواءات – ثم قال وأتباعه لبني إسرائيل كما أخبر الله عنهم: (… فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى …) [طه : 88].

خوار العجل
لم يكن خوار ذلك العجل إلا من جنس الصدى الصوتي Echo، فالسامري ـ كما أشرت ـ كان بارعا في الفيزياء والصناعة فجعل الزينة عجلا ذهبيا أي قام بتغيير صيرورتها الشكلية من صورة الخواتيم والأساور والخلاخيل والسلاسل وما إلى ذلك من صور المصنوعات الذهبية إلى صورة عجل أجوف ذي التواءات بحيث يرجع صدى أي صوت، فلو صاح أحد قائلا مثلا “هالووو” لردد نفس الصوت بفعل الصدى، ولو قلد أحد خوار العجول مثلا لردد نفس صوت الخوار بفعل الصدى، وهي ظاهرة فيزيائية كان السامري يعلم أسرارها جيدا بينما يجهلها بنو اسرائيل. يبدو أن بني إسرائيل فتنوا بصوت الخوار الناتج عن ظاهرة الصدى، فلم ينتبهوا إلى أن العجل الذهبي “يردد” الصوت لكنه “لا يحاور”، بمعنى لو صحت مثلا قائلا: من أنت؟ لردد الصدى صوتك في التواءات العجل الذهبي المجوف بنفس الطريقة: من أنت .. من أنت .. من أنت … وهكذا، إلا أنه لن يجيب أبدا لأنه جماد، لذلك ينبه الله تعالى على ذلك بالقول: (… أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) (الأعراف : 148).

موقف هارون عليه السلام
لم يقصر هارون عليه السلام في دوره الرسالي بل عارض ذلك الشرك وتصدى للذين أشركوا بحزم سجله القرآن بدقة تامة ليكون شاهدا ببراءة هارون عليه السلام: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طه : 90)، إلا أنهم استضعفوه وكادوا يقتلوه، وهذا ما سجله القرآن أيضا: (… إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي …) (الأعراف : 150).

ورجع موسى عليه السلام
قال الله تعالى لموسى مخبرا إياه بما فعله السامري: (قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (طه : 85) [فتنا: امتحنا] فرجع لقومه غضبان أسفا، وألقى الألواح: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ …) (الأعراف : 150)، واتجه لهارون ـ خليفته على قومه ـ ولم تكن عنده معطيات نصح هارون قومه وتصديه لفعلتهم الشنعاء فانقض بقبضته الفولاذية التي لو وكز بها أحدا لصرعه قتيلا، انقض على هارون وهو بتلك الحالة من فورة الغضب ـ لله سبحانه وليس لمصلحة شخصية ـ وجرجره من رأسه: (… وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ …) (الأعراف : 150). لكن عندما استمع موسى للمعطيات التي أخبره بها هارون عليه السلام ورجاء أخيه له: (… قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف : 150) حينئذ هدأت سورة الغضب لما علم بعدم تقصير أخيه في الرسالة فاستغفر الله لنفسه ولأخيه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف : 151). وبعد استجواب السامري واقراره بالذنب عاقبه موسى ونسف إلهه الشركي في اليم نسفا، بعد ذلك كله، هدأت نفس موسى الأبية فأخذ الألواح التي ألقاها في أثناء غضبه: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الأعراف : 154)، تلك الألواح التي قال الله عنها من قبل: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف : 145).

من هنا نعلم أن الله تعالى وموسى وهارون بريئون من تخرصات ذلك المدعي. وفي الوقت الذي يبرئ فيه القرآن هارون النبي من تهمة صنع العجل، ينسب كتاب عبد الفادي المقدس ذلك الإثم ليس للسامري لكن لهارون النبي نفسه، ولنقرأ معاً ما جاء في هذا:

(وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ». 2 فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا». 3 فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. 4 فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلاً مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». 5 فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ بَنَى مَذْبَحًا أَمَامَهُ، وَنَادَى هَارُونُ وَقَالَ: «غَدًا عِيدٌ لِلرَّبِّ». 6 فَبَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ.) (خروج 32 : 1 – 6)

( وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «مَاذَا صَنَعَ بِكَ هذَا الشَّعْبُ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيْهِ خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟» 22 فَقَالَ هَارُونُ: «لاَ يَحْمَ غَضَبُ سَيِّدِي. أَنْتَ تَعْرِفُ الشَّعْبَ أَنَّهُ فِي شَرّ. 23 فَقَالُوا لِيَ: اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ. 24 فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ذَهَبٌ فَلْيَنْزِعْهُ وَيُعْطِنِي. فَطَرَحْتُهُ فِي النَّارِ فَخَرَجَ هذَا الْعِجْلُ») (خروج 32 : 21 – 24)

إن عبد الفادي الأفاك يتخرص متهكماً فيقول: (وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم؟) في الوقت الذي ينسب كتابه المقدس إثم تلك الخطيئة للنبي هارون!!!

[3]

يتسائل عبد الفادي النصراني:

س 10: جاء في سورة يس 36: 38 “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ”. … ونحن نسأل: الشمس ثابتة تدور حول نفسها ولا تنتقل من مكانها، والأرض هي التي تدور حولها. فكيف يقول القرآن إن الشمس تجري، وإن لها مستقراً تسير إليه؟

للإخوة الكرام أن يحكموا على مبلغ علم هذا الرجل الذي يدعي أن (الشمس ثابتة)! لقد ذكر كاتبنا الهمام في المقدمة أن العلوم الطبيعية ليست من مجال تخصصه بقوله في المقدمة: (… وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي) فما باله يقتحم الآن مجال الطبيعيات؟ لكن جميل منه أن اقتحم هذا لمجال حيث انكشف لكل ذي عينين. أرأيتم كيف يجهل أمر الحركة الكونية للشمس حول مركز المجرة وغيرها ويظن أنها ثابتة؟ لن أطيل الوقوف كثيرا عند هذه النقطة فإجابتها لا تخفى على حضراتكم.

وعلى نفس المنوال من خيوط الظلام والجهل والعجمة ينسج عبد الفادي خيوط كتابه العنكبوتي المشبوه، والذي أردتُ التنبيه على ترُّهاته من خلال النماذج التي سقتها مع مع بعض ردودي عليها.

تحياتي القلبية

والسلام

الحسيني

About these ads
Published in: on أغسطس 6, 2008 at 2:02 م  تعليق واحد  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/08/06/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b9%d8%a8%d8%af/trackback/

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه المقالة.

تعليق واحدأضف تعليقا

  1. جزاك الله خيرا ^_^ ( <3 إنا نحن أنزلنا الذكر و إنا له لحافظون <3 )


أضف تعليق

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: