أخت هارون .. قراءة توراتية

من الأسئلة التي يطرحها النصارى كثيراً: لماذا نسب القرآن الكريم مريمَ عليها السلام إلى هارون في قوله تعالى حكاية عن قوم مريم (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم : 28]؟ قبل البدء في الإجابة على هذا السؤال أود تقديم المعلومات التالية كما جاءت في القرآن الكريم و أسفار التوراة التي بين أيدينا والإنجيل معزوة إلى مصدرها بين القوسين.
أولا: مقدمة قرآنية
[1] لم يذكر القرآن الإسم العلمي لأم مريم لكنه وصفها بأنها إمرأة عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران : 35)

[2] نسب القرآن مريمَ إلى عمران: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم : 12).

ثانيا: مقدمة توراتية
[1] ولد إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام اسماعيلَ واسحقَ وربما غيرهما، وولد إسحقُ عليه السلام عيسو ويعقوبَ وربما غيرهما، وولد يعقوبُ عليه السلام اثني عشر سبطاً منهم يوسف ولاوي ويهوذا وآخرين.

[2] ولد لاويُ قِهَات وغيره، وولد قهاتُ عمرامَ (عمران) وغيره، وولد عمرامُ موسى وهارون (خروج 6 : 20).

[3] هارون بن عمران عليه السلام على هذا هو من نسل لاوي بن يعقوب، وفي اللاويين انحصرت الكهانة في بني اسرائيل (عدد 3 : 41).

[4] داود عليه السلام ليس من نسل لاوي بن يعقوب لكنه من نسل أخيه يهوذا بن يعقوب (صموئيل الأول 17 : 12).

ثالثاً: مقدمة إنجيلية
يصمت الإنجيل الذي بين يدينا فيما يتعلق باسم والد مريم فلا نرى له أثراً، أما الزعم بأنها إبنة هالي فهو كذب، لأن هالي هذا هو والد يوسف النجار وليس مريم (لوقا 3 : 23)، وبفرض نسبتها نسبت إليه فإنما على أساس أنه أبوها وليس والدها.

نتيجة المقدمات الثلاث
لم يرد إسم مريم أم المسيح منسوباً لوالدها إلا في القرآن الكريم فقط، وقد ذكر القرآن أن اسمه هو عمران. أما التوراة فلم تذكر مريم لكونها دونت في عصر سابق لم تكن مريم ضمن معاصريه، وأما الإنجيل فلم يذكر لها نسباً مما دفع بعض النصارى لنسبتها لرجل لا علاقة بيولوجية بينه وبينها وهو هالي والد يوسف النجار.

لماذا (أخت هارون)؟

ذكر المفسرون وجوهاً كثيرة أعرضها فيما يلي ثم أتبعها بثلاثة وجوه أنفرد بهما.

أقوال المفسرين
[1] لأنها كانت من نسل هارون اللاوي عليه السلام. أقول: قد يستشكل النصارى هذا الوجه لأن الثابت عندهم أنها من نسل داود النبي عليه السلام أي من نسل يهوذا (صموئيل الأول 17 : 12). لكن ربما يصح هذا الوجه من جهة أمها حيث أن زكريا عليه السلام كان زوج خالة مريم واسمها اليزابيث (الياصبات) وكانت تلك من نسل هارون اللاوي.

[2] لأنه كان في عصرها رجل صالح اسمه هارون كانوا يشبهونها به لتقواها وورعها. أقول: وجه ممكن عقلا لكن لا دليل تاريخي عليه.

[3] لأنه كان في عصرها رجل طالح اسمه هارون فشبهوها به لظنهم بها ظن السوء. أقول: وجه ممكن عقلا لكن لا دليل تاريخي عليه كذلك.

الترجيح بين أقوال المفسرين
إن صح تاريخياً أن مريم من نسل هارون اللاوي يرتفع الإشكال، لأن وصفها بأنها أخت هارون يأتي على غرار قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا …) (الأعراف : 65)، وقوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا …) (الأعراف : 73)، وقوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا …) (الأعراف : 85) من حيث جاءوا من نسلهم. لكن الثابت عند النصارى – كما أسلفت – أنها من نسل داود أي من نسل يهوذا وليس لاوي. أقول: برغم ذلك تصح النسبة بإعتبار لاوي أخاً ليهوذا أي عماً لمريم، كما يوصف العرب مثلا بأنهم إخوة اليهود لكون هؤلاء من نسل اسحق، وأولئك من نسل إسماعيل ولديّ إبراهيم عليه السلام. برغم ذلك فإني أقدم وجوهاً ثلاثة أنفرد بها لكني أرجح ثالثها.

أقوالي في المسألة

[1] ربما كان لمريم أخاً شقيقاً يدعى هارون لكنه توفي قبل مولد مريم فنذرت أمها إن وهبها الله حملاً فستجعله خالصاً لله. أقول: هذا الوجه وإن كان ممكن عقلا إلا أنه كذلك لا دلالة تاريخية عليه لذلك لا أعول عليه كثيرا.

[2] ربما كانت مريم أخت هارون اللاوي فعلا. أقول: هذا الوجه وإن كان ممكن عقلا إلا أنه سيقلب التاريخ رأساً على عقب، لأن ذلك معناه أن موسى سيصير خالاً للمسيح، وسندخل بذلك في متاهات تاريخية لن تنتهي لذلك لا أعول علي هذا الوجه أيضاً.

[3] أما ما أراه أقوى الأراء في المسألة هو أن قوم مريم عليها السلام لما ظنوا بها ظن السوء أرادوا أن يصفوها بأنه ملعونة ومغضوب عليها فشببهوها بمريم أخرى سابقة عليها بآلاف السنين وكانت أختاً لهارون اللاوي. لقد ذكرت التوراة التي بين يدينا وتحديداً سفر العدد قصة مريم الأخرى على النحو التالي:

(وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ الْكُوشِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً. 2 فَقَالاَ: «هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضًا؟» فَسَمِعَ الرَّبُّ. 3 وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. 4 فَقَالَ الرَّبُّ حَالاً لِمُوسَى وَهَارُونَ وَمَرْيَمَ: «اخْرُجُوا أَنْتُمُ الثَّلاَثَةُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». فَخَرَجُوا هُمُ الثَّلاَثَةُ. 5 فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ، وَدَعَا هَارُونَ وَمَرْيَمَ فَخَرَجَا كِلاَهُمَا. 6 فَقَالَ: «اسْمَعَا كَلاَمِي. إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. 7 وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. 8 فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟». 9 فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِمَا وَمَضَى. 10 فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ إِذَا مَرْيَمُ بَرْصَاءُ كَالثَّلْجِ. فَالْتَفَتَ هَارُونُ إِلَى مَرْيَمَ وَإِذَا هِيَ بَرْصَاءُ. 11 فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، لاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا الْخَطِيَّةَ الَّتِي حَمِقْنَا وَأَخْطَأْنَا بِهَا. 12 فَلاَ تَكُنْ كَالْمَيْتِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ قَدْ أُكِلَ نِصْفُ لَحْمِهِ». 13 فَصَرَخَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: «أَيُّهَا الإِلهُ اشْفِهَا». 14 فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «وَلَوْ بَصَقَ أَبُوهَا بَصْقًا فِي وَجْهِهَا، أَمَا كَانَتْ تَخْجَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؟ تُحْجَزُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَبَعْدَ ذلِكَ تُرْجَعُ». 15 فَحُجِزَتْ مَرْيَمُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَرْتَحِلِ الشَّعْبُ حَتَّى أُرْجِعَتْ مَرْيَمُ. 16 وَبَعْدَ ذلِكَ ارْتَحَلَ الشَّعْبُ مِنْ حَضَيْرُوتَ وَنَزَلُوا فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.) (العدد 12 : 1 – 16)

من خلال النص التوراتي السابق نرى أن مريم تلك تكلمت على موسى عليه السلام كلاماً لا يليق لما تزوج من المرأة الكوشية، وتلسنت عليه بما لا يصح، وحاولت جر هارون لوجهة نظرها على ما يبدو، فغضب الرب عليها غضباً شديداً وأصابتها لعنة تمثلت في البرص الذي لزمها إسبوعا واحداً فقط لاستجابة الرب دعاء موسى لها بالشفاء. أقول: لن أقف على ما في القصة تلك من تجسيم وغير ذلك من الخرافات لكني أقف عند نقطة واحدة هي أنه وجدت إمرأة شريرة – قيل أنها أخت هارون – باسم مريم في التاريخ اليهودي، فأراد اليهود المعاصرون لمريم الطاهرة أم المسيح استمطار غضب الله عليها ولعنته ظناً منهم أنها أنجبت مولوداً عن طريق الفاحشة فدعوها بلقب “أخت هارون” لوجود مشترك بينهما هو الإسم والإنتماء لأسرة دينية، فسجل الله تعالى في كتابه قول اليهود حكاية عنهم.

إن هذا الوجه الأخير هو أقوى الوجوه فيما أرى لأنه يعتمد على وثيقة تاريخية معتمدة عند اليهود والنصارى وهي توراة العهد القديم، وهي من هذا الوجه ملزمة لهم في كون أن اليهود شبهوا مريم أم المسيح لظنهم أنها أذنبت بمريم أخت هارون لكونها أذنبت وإن كان ذنب تلك الأخيرة من نوع مختلف، لكن الذنب في النهاية كبيره وصغيره واحد لكونه خطيئة أمام الله.

ابنة عمران
بقيت نقطة واحدة أخيره وهي تتعلق بنسبة أم المسيح إلى عمران، فأقول: ليس في كتاب النصارى ما يعارض ذلك، كما أنه لا يمتنع عقلا أن يتكرر إسم عمران في الأسر اليهودية، فتكون هناك مريم ابنة عمران أخت هارون وموسى، ومريم إبنة عمران أم المسيح، فنحن نجد أن أسماءً مثل “موشيه” أي: موسى تتكرر كثيرا في أسر اليهود حتى يومنا هذا، وأسماءً مثل “ماركوس” أي: مرقص تتكرر كثيرا في أسر النصارى حتى يومنا هذا، وهكذا يمكن أن يتكرر إسم عمران وإسم مريم بين أسر اليهود جيلا بعد جيل.

أكتفي بهذا القدر ولله الفضل والمنة.

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 6, 2008 at 1:42 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/08/06/%d8%a3%d8%ae%d8%aa-%d9%87%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%86-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: