الكمون والطفرة وإبراهيم النَّظَّام

يتحدث بعضُ الفلاسفة وعلماء الأديان واللاهوت عن قضيتين ربما يكون لأحدهما أو كلاهما علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعلم المادة الحية (البيولوجي) وعلم المادة الميتة (الفيزياء) وربما بالكيمياء أيضاً. القضية الأولى هي (الكمون)  أما القضية الثانية فهي (الطفرة).

[الكمون]
يزعم بعض الفلاسفة – وقد نسب هذا القول لأبي اسحق النَّظَّام [هو الإمام المعتزلي الكبير أبو إسحق إبراهيم بن سيَّار بن هانيء النَّظّام المولود عام 160 والمتوفى عام 231 للهجرة] رحمه الله- أن النار مثلاً كامنةٌ في الحجر بدليل تولد شرر عند قدح حجرين. لا خلاف أن (الزيت) مثلا كامنٌ في (الزيتون) وأن (العصير) كامن في (العنب) وقد استدل الفلاسفة على ذلك بدليل ملموس هو ضمور تلك الأشياء بعد خروج ما هو كامن فيها. لكن فيما يتعلق بالحجر ألا يلزم القول بكمون النار فيه أن يكون الحجر حاراً بحرارة النار، وأن يضمر بعد خروج النار منه؟ يعترض الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه الموسوعي “الفِصَل” على نظرية كمون النار في الحجر ويفسر ذلك بنظرية أخرى هي الإستحالة أي: التحول، فيقول:

(… ومن الأشياء ما ليس كامناً كالنار في الحجر والحديد، ولكن فيهما قوة إذا تضاغطا احتدم ما بينهما من الهواء فاستحال ناراً، وهكذا يعرض لكل شيئ منحرق فإن رطوباته تستحيلُ ناراً ثم دخان ثم هواء …) (انتهى بتصرف يسير)

أقول: يرى ابن حزم أن الشرر ناتج عن استحالة الهواءِ ناراً بسبب الإحتكاك، لكنه لم يفسر لنا يكون الإحتكاك سبباً في توليد تلك الإستحالة. أما النظرية الذرية المعاصرة في علم الكيمياء فإنها تقدم  تفسيراً حديثاً لتولد الشرر خلاصته أن الإلكترونات التي تدور في مدار طاقتها تغادر مدارها ذاك عند ضرب الحجرين فيتولد شرر، وأظن أن ذلك الشرر المبعث لا يتولد فقط عند اصطكاك حجرين أو حديدتين بل يتولد أيضا عند احتكاك قطعتي خشب جافتين. في هذا السياق لفت نظري قول الله تعالى:

(الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) (يس : 80)

حيث أظن أن كلمة (الأخضر) هنا – والله أعلم – ربما تكون إشارة إلى مادة (الكلوروفيل) لذلك أود أن أسئل حضراتكم مرة أخرى: ما هي العلاقة بين الكلوروفيل والنار؟ بمعنى آخر: كيف تتولد النار عن مادة الكلوروفيل؟ أم أن كلمة (الأخضر) لها هنا مدلول آخر؟

[الطفرة]
أما الطفرة فهي انتقال الجسم من انقطة a إلى نقطة c دون المرور على النقطة b الواقعة بينهما. تلك القضية الثانية ذكرتني بحالة التسامي عندما يتحول الصلب لغاز دون مرور على الحالة السائلة. جدير بالذكر مفهوم الطفرة في البيولوجيا الحديثة يختلف عن مفهوم الطفرة في الفلسفة. الطفرة بيولوجياً تعني الحيود والتنحي عن التسلسل الطبيعي نتيجة خلل وتغير في تتابع القواعد النيتروجينية لجين أو جزيء من الدي إن إيه D N A كما يقول البيولوجيون. أما التعريف الذي كتبتُه أعلاه هو تعريف الفلاسفة والمتكلمين للطفرة كما قال بها مثلاً العالم الكبير أبو اسحق إبراهيم بن سيَّار النَّظَّام المتكلم المعتزلي الكبير. ونتيجة غرابة مفهوم الطفرة عند النَّظَّام قالوا: عجائب علم الكلام ثلاثة:

– الكسبُ عند الأشعري

– والحالُ عند البهشمي (أبو هاشم الجُبَّائي)

– وطفرةُ النَّظَّامِ.

قال الإمام أبو محمد عليّ بن حزم الأندلسي الفقيه الظاهري المشهور في كتاب: (الفِصل في الملل والأهواء والنحل) في فصل بعنوان: (الكلام في الطفرة) ما يلي بتصرف يسير:

(…. نسب قوم من المتكلمين إلى إبراهيم النَّظَّام أنه قال:

إن المار على سطح الجسم يسير من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها هذا المار ولا مر عليها ولا حاذاها ولا حل فيها‏.‏

قال الإمام أبو محمد عليّ بن حزم الأندلسي:‏ وهذا عين المحال … لأن هذا الذي ذكرنا ليس موجود البتة خلا حاسة البصر فقط وكذلك إذا أطبقت بصرك ثم فتحته لاقى نظرك خضرة السماء والكواكب التي في الأفلاك البعيدة بلا زمان كما يقع على أقرب ما يلاصقه من الألوان لا تفاضل بين الأدراكين في المدة أصلاً فصح ضرورة أن خلا البصر لو قطع المسافة التي بين الناظر وبين الكواكب ومر عليها لكان ضرورة بلوغه إليها في مدة أطول من مدة مروره على المسافة التي ليس بينه وبين من يراه فيها إلا يسير أو أقل فصح يقيناً أن البصر يخرج من الناظر ويقع على كل مرئي قرب أو بعد دون أن يمر في شيء من المسافة التي بينهام ولا يحلها ولا يحازيها ولا يقطعها وأما في سائر الأجسام فهذا محال ألا ترى أنك تنظر إلى الهدم وإلى ضرب القصَّار بالثوب في الحجر من بعد فتراه ثم يقيم سويعة وحينئذ تسمع صوت ذلك الهدم وذلك الضرب فصح يقيناً أن الصوت يقطع الأماكن وينتقل فيها وأن البصر لا يقطعها ولا ينتقل فيها ….) (انتهى كلام ابن حزم بتصرف يسير).

أقول:
[1] فُقدت جميع كتب الإمام النَّظَّام ضمن ما فقد أو أحرق أو دمر من كتب المعتزلة على يد مخالفيهم من أصحاب السلطان وفقهاء بلاطهم، لذلك فإننا لا نعرف على وجهٍ مؤكد ما هي أطروحة النَّظَّام فيما يتعلق بالطفرة وإنما يكون التعويل هنا على ما نُسِب إليه – وربما ليس كل ما نُسب إليه صحيحاً – لذلك قال إبن حزم في مقدمة الفقرة: (نسب قوم من المتكلمين إلى إبراهيم النظام …).

[2] اختصرتُ القول المنسوب للنظام وهو: (أن المار على سطح الجسم يسير من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها هذا المار ولا مر عليها ولا حاذاها ولا حل فيها) بالصورة الرمزية التي ذكرتُها أعلاه  للتسهيل على القارئ وهي تتفق تماماً مع المقصود.

[3] قول ابن حزم (البصر يخرج من الناظر ويقع على كل مرئي …) ينطلق من النظرية القديمة وهي أن شعاع البصر يخرج من العين فيسقط على المَرئِي فتبصره العين، والتي برهن العالم الكبير الحسن بن الهيثم بعد ذلك بزمن طويل على بطلانها وأوضح أن شعاع الضوء يخرج من مصدر الضوء – كالشمس مثلاً – فيسقط على الجسم فينعكس عنه إلى داخل شبكية العين فينقله العصب البصري للمخ حيث يتم ترجمته فيحدث الإدراك البصري له كما هو معروف في علم البصريات Optik.

[4] بناءً على ذلك يسقط إستدلال ابن حزم على الطفرة في مجال الإبصار، لأن الضوء ينعكس من كافة الأجرام فإذا فتح الإنسان بصره سقطت جميع تلك الأشعة على شبكية العين، ومن المعروف أن الضوء – سواء كان فوتونات أو غير ذلك – لا ينتقل من النقطة a إلى النقطة c إلا بعد مروره على النقطة b إلا إذا كان عند الفيزيائيين غير ذلك من نتائج الفيزياء الحديثة التي ربما لم تصل بعد لغير المتخصصين من أمثالي. ومن هنا يمكن الإطمئنان إلى أن طفرة النَّظَّام بتلك الصورة لا تتحقق في عالمنا الحي ولا الميت، أما وصف ابن حزم لها بأنها (عين المحال …) فلا أتفق مع فيه لكون الطفرة – هذه – ممكنة عقلاً وليس في العقل ما يحيلها، بيد أنها غير ممكنة ضرورة (برجاء الإنتباه إلى الفارق بين: الإحالة العقلية والإحالة الضرورية).

خلاصة القول:
ليس فيما بين أيدينا من نتائج العلم الحديث ما يجعلنا نطمئن لقضية طفرة النَّظَّام، تلك الطفرة التي ربما تكون غير ممتنعة عقلاً، إلا أنها ممتنعة عادةً، كما لا تدل عليها النتائج المعاصرة للعلوم الطبيعية.

تحياتي الأخوية

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2008 at 9:30 ص  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/08/17/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%85%d9%88%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%81%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%91%d9%8e%d8%b8%d9%91%d9%8e%d8%a7%d9%85/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. من الغريب ان يكون اسمك الحسينى , ويكون اسمى الحسين , وتكون انت الكاتب واكون انا اول من يعلق على هذا الموضوع , اظن انه القدر :D . على اية حال

    ليس فيما بين أيدينا من نتائج العلم الحديث ما يجعلنا نطمئن لقضية طفرة النَّظَّام، تلك الطفرة التي ربما تكون غير ممتنعة عقلاً، إلا أنها ممتنعة عادةً، كما لا تدل عليها النتائج المعاصرة للعلوم الطبيعية.
    هذا الكلام غير صحيح , اذا قرات فعلا فى الفيزياء الحديثة ستجد ان فى فيزياء الكم او ميكانيكا الكم اجسام تنتقل بين مكانين دون ان تمر بنقطة فى الخط الواصل بينهما , والاصح اننا يمكننا القول انها تختفى ثم تظهر فى النقطة الثانية , لانها لا تمر باى نقطة فى الخط الواصل بينهما.


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: