أبو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد (210 – 285 هجرية)

جرت عادة الكوفيين والأشاعرة – خصوم المبرد – على ضبط لفظ “المبرد” بفتح الراء أي هكذا: (المبرَّد)، حيث يزعمون أنه اختبأ في البرد حتى تبرَّد فلحقه الوصف بصيغة اسم المفعول. أما نحاة البصرة، والمبرد نفسه منهم، فإنهم يضبطون الإسم بخفض الراء أي هكذا: (المُبرِّد) أي بصيغة اسم الفاعل وهذا هو الذي أميل اليه. جدير بالذكر أن أبا عثمان المازني هو من أطلق على شيخنا أبي العباس لقب (المُبرِّد) لأنه كان يُسكت مخالفه بالحجة الدامغة، فكأن الحيرة والجهل نار تشتعل في صاحبها فإذا جاءه برد اليقين والعلم تبرَّد به. إمامنا المُبرِّد رحمه الله كان من أولئك الذين يبرِّدون الآخرين بغزارة علمهم وقوة حجتهم فلحقه هذا اللقب. هناك إذاً رأيان في سبب تسميته:

[1] … قال له المازني: قم فأنت المبرِّد -بكسر الراء- أي المثبت للحق، فحرفه الكوفيون، وفتحوا الراء. (المنادمة) هي مفاعلة من (الندم) أي اللوم شديد اللهجة الذي يجعل صاحبه يندم على ما فعل. و(المذاكرة) فهي مذكرة أو دعوى مرفوعة ضده تطلب التحقيق معه بشأن واقعة ما !!!.

[2] والرواية – المشكوك في أمرها كالتالي:

(كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فكرهت الذهاب إليه، فدخلت على أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني، فجاء رسول الوالي يطلبني فقال لي أبو حاتم: ادخل في هذا – يعني غلاف مزملة فارغًا – فدخلت فيه وغطى رأسه، ثم خرج إلى الرسول فقال ليس هو عندي، فقال: أخبرت أنه دخل إليك. قال: فادخل الدار وفتشها، فدخل وطاف في كل موضع من الدار، ولم يفطن لغلاف المزملة، ثم خرج، فجعل أبو حاتم يصفق وينادي على المزملة: المبرَّد المبرَّد!! وتسامع الناس بذلك فلهجوا به)

أما الرواية الأولى فهي الأقرب للواقع والمنطق، حيث تناظر المبرد مع أحد النحاة بين يدي شيخه المازني رحمه الله، فأفحم المبرد مناظرَه، فأعجب الشيخ بتلميذه، فسماه المبرِّد. أقول: لقد كان المبرد شهيراً بإفحام خصومه، ولا ينسى النحاة مناظرته الكبيرة مع الإمام ثعلب، صاحب كتاب “الفصيح” في فقه اللغة، وكبير نحاة الكوفة آنذاك. لقد استطاع أبو العباس رحمه الله أن يبرِّد ثعلباً رحمه الله، فما بالك بمن هو دون ثعلب!!!

أما الرواية الثانية فأثر الصنعة ظاهر فيها، ولا سيما أنها لا تبرز سبب ملاحقة الشرطة له. فإن أعملنا مقص الجرح والتعديل هنا، فاعلم أن الثابت عند علماء ذلك الفن هو رد الدعوى ما لم تكن مسببة بسبب ظاهر. لذلك نرد – مطمئنين – تلك القصة التي تفوح منها رائحة الإختلاق المذهبي بشقيه: النحوي والعقدي.

أما عن “إعتزالية” المبرِّد رحمه الله، ليست واضحة بشكل قطعي إلا من خلال نسبة الآخرين إياه للفكر الإعتزالي. أقول: الإعتزال في عصر المبرد لم يكن بطبيعة الحال إعتزالاً مذهبياً فلسفياً كالإعتزال في عصر القاضي مثلاً، لكنه كان اعتزالاً فطرياً ناطقاً بتنزيه الله عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله وهذا تجده بين ثنايا موضوعات كتاب “الكامل”. علاوة على ذلك أود إضافة نقطة حول المذهب النقلي والعقلي في النحو: هناك نحاة نقليون يرون مثلاً أن حصر الكلمة في أقسامها الثلاثة المعروفة (الإسم والفعل والحرف) جاء من تتبع كلام العرب المنقول، وهؤلاء هم النحاة النقليون ومعظمهم من أهل السنة. وهناك نحاة عقليون – كالمبرد مثلاً – يرون أن تلك القسمة إنما هي قسمة عقلية لا علاقة لها بالمنقول. إضافة إلى ذلك يكثر النحاة النقليون من المشتقات السماعية حتى لو خالفت القياس بينما يكثر النحاة العقليون من الأقيسة النحوية ومشتقاتها. ربما لا يلاحظ البعض في كلام المبرِّد في “الكامل” ما يدل على إعتزاليته بشكل يجعلنا مطمئنين تماماً لصحة نسبته تلك، بيد أني لاحظت عدة أمور:

[1] يكثر المبرِّد من الإستشهاد بأقوال أمير المؤمنين عليه السلام اللسانية وكذلك بأقوال آل بيته، ونحن لم نعتد من غير العدلية – عادة – على هذا الأمر.

[2] امتدح المبرِّد واصلاً  وأصحابَ النَّظَّام رحمهم الله في سياق الإستشهاد بالبلاغة واللسانيات. بيد أنه ذكر شعراً فيه ذمٌ للمتكلمين لكنه ربما يكون منحولاً أو محمولاً على متكلمي الجبرية كما فعل الشافعي رحمه الله حينما ذم المتكلمين وكان يقصد حفصاً الفرد الجبري. أي أن ذلك ربما يدخل في باب العام الذي يراد به الخاص وتلك قضية مشهورة عند الأصوليين والنُّحاة.

[3] يكثر المبرِّد من الإستشهاد بأقوال العدليين كأبي الأسود والحسن وابن المسيب والخليل وسيبويه وابن عبد العزيز وغيرهم بصورة ملحوظة جداً.

[4] قال ابنُ جني المعتزلي في “سر الصناعة” (1 / 13) ما يلي: “يعد المبرِّد جبلاً في العلم، وإليه أفضت مقالاتُ أصحابِنا، وهو الذي نقلها وقررها، وأجرى الفروع َ والعللَ والمقاييسَ عليها”. أقول: إن كان قصد ابن جني بقوله عن المبرِّد “إليه أفضت مقالاتُ أصحابِنا” المقالات الكلامية فربما يكون قوله ذاك دليلاً قوياً على إعتزالية المبرِّد، إلا أنه ربما يقصد المقالات النحوية للبصريين.

أقول: يؤخذ على ذلك أن ابن جني ما كان ينتمي إلى مدرسة نحاة البصرة التي ينتمي إليها إمامنا المبرد، بل إلى مدرسة نحاة بغداد والتي ينتمى لها عددُ من المعتزلة كأبي علي الفارسي والزمخشري رحمهم الله جميعاً. لذلك أعدل عن الترجيح السابق إلى غلبة الظن بأن لفظ “أصحابنا” في قول ابن جني إن المبرد “إليه أفضت مقالاتُ أصحابِنا” ينصرف إلى أصحابه من المعتزلة وليس من النحاة لاختلاف مدرسة كل منهما النحوية عن الآخر.

والسلام

الحسيني

 

Published in: on أغسطس 21, 2008 at 10:21 ص  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/08/21/%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%b3-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a8%d9%86-%d9%8a%d8%b2%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8f%d8%a8%d9%8e%d8%b1%d9%91%d9%90%d8%af-210-285-%d9%87/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. خير الكلام ما قل ودل


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: