القدير

يقول قاضي القضاة رحمه الله في “المختصر”:

(هو قادرٌ لصحة الفعلِ منه، والفعلُ لا يصحُّ إلا من قادر على ما نعقله في الشاهد)

أما قوله (هو قادرٌ) فجملة اسمية خبرية تتكون من مبتدإ وخبر مرفوعين، ولفظ (قادر) اسم فاعل مشتق من الفعل الماضي الثلاثي المجرد “قَدِرَ” ومضارعه هو “يقدِر” ومصدرة هو “قدرة”. أما (القدير) فهو اسم الفعل الدال على المبالغة واللامحدودية والإتساع والشمول في القدرة، فهو القدير، سبحانه وتعالى. أما اللام في قوله (لصحة) فهي لام السبب / التعليل، أي أن العقل حكم بأن الباري سبحانه قادرٌ بسبب ما نراه من الأفعال التي صحَّت منه، ونعلم أن الفعل لا يصح إلا من قادر.

(فإن قيل: هو لم يزل قادرا أم لا؟ قيل له: نعم، لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يقدرُ بأن يجعل نفسه قادراً، ومن ليس بقادر لا يصح منه الفعل، وهذا يتناقض، فهو إذاً قادرٌ فيما لم يزل ولا يزال، لأنه لذاته قادرٌ)

أما التساؤل (هو لم يزل قادرا أم لا؟) فمعناه: أقادرٌ هو منذ الأزل أم لا؟ والجواب: نعم، هو قادر منذ الأزل، لأنه قادرٌ لذاته، لا لمعنى ولا لعلة اقتضت اقتضى من أجلها أن يكون قادراً، ومن كان هذا حاله فإنه يظلُ قادراً فيما لم يزل، أي: منذ الأزل، ولا يزال، أي: إلى الأبد، بمعنى أن صفة القدرة لما كانت صفة ذات، لزم من ذلك أن يكون قادراً وقديراً منذ الأزل وإلى الأبد.

(فإن قيل: يُجَوَّزُ على الله تعالى العجزُ؟ قيل له: لا، لأنه قد ثبتَ أنه قادرٌ على كل مقدور يصح أن يقدر عليه، حتى لا جنس ولا قُدَرَ لا وهو قادر عليه، فمحال أن يعجز)

أما (العجز) فهو عكس (القدرة)، ولما كان الله تعالى قادرا لذاته، امتنع عليه أن يكون عاجزا، فهو القادر الذي لا يعجز، وهو القدير على كل مقدور يصح أن يقدر عليه. أما قوله (كل مقدور يصح أن يقدر عليه) ففيه احتراز عما لا يدخل في جنس المقدورات، أي احتراز عما لا يصح أن يتعلق به قدرة، مثل الاستحالات العقلية كتزاحم الضدين في محل واحد، فإنه لا يصح أن يقال: أيقدر عليها أم لا، لكونها مما لا يصح أن تتعلق به قدرة القادر.

يقول العلامة السلفي المستنير السيد محمد رشيد رضا الحسيني رحمه الله في رسالة (أحكام العقل):

(يشترك الواجبُ والمستحيل العقليان في أنهما لا تتعلق بهما قدرة الله تعالى، لأن وظيفة القدرة الإيجاد والإعدام، والواجب وجوده لذاته فهو قديم ويستحيل عدمه، والمستحيل منتفٍ لذاته، ولو أمكن أن يوجد لما كان مستحيلاً، فلا يقال: إن الله تعالى قادرٌ على إعدام الواجب، كذاته تعالى وتقدس، أو إيجاد المحال كجعل الشيئ موجوداً ومعدوماً، أو ساكناً ومتحركاً في آنٍ واحد، ولا يقال: إنه ليس بقادر، إذ ليس هذا من وظيفة القدرة فيثبت لها أو ينفى عنها) (انتهى)

أقول: هذا تقريرٌ جليل ونفيس، فإن الواجب لذاته، والممتنع لذاته لا تتعلق بهما قدرة، أي بتعبير قاضي القضاة رحمه الله: ليست من المقدورات التي يصحُّ أن يُقدَرَ عليها. لذلك فعندما يقول الله تعالى:

(…. إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 20)

فإننا نعلم أن المقصود هنا هو الشيئ الذي يصح أن تتعلق به قدرة الله تعالى. يمكننا تعميم النتيجة السابقة من وحي كلام قاضي القضاة رحمه الله فنقول: الله يقدر على كل مقدور يَصِّحُّ أن يُقدَرَ عليه، ويسمع كل مسموع  يَصِّحُّ أن يُسمَع، ويبصر كل مُبصَر  يَصِّحُّ أن يُبصَر، ويدرك كل مُدرَك  يَصِّحُّ أن يُدرَك، ويعلم كل معلوم  يَصِّحُّ أن يُعلَم، فكل تلك الصفات المتقدمة من (القدرة) إلى (العلم) مرورا بالسمع والبصر والإدراك هي صفات ذات يستحقها الله لذاته، لا لعلة، ولا لمعنى، بل هو لذاته قادر، وهو لذاته سميع، وهو لذاته بصير وهكذا. أما ما لا يَصِّحُّ أن يُقدَرَ عليه فلا تتعلق به قدرة، وما لا يَصِّحُّ أن يُسمَع فلا يتعلق به سمع، وما لا يَصِّحُّ أن يُبصَر فلا يتعلق به بصر، وما لا يَصِّحُّ أن يُدرَك فلا يتعلق به إدراك، وما لا يَصِّحُّ أن يُعلَم فلا يتعلق به علم.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 26, 2008 at 11:54 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/08/26/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b1/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: