في أصول الفقه

يفرق القاضي عبد الجبار بين العلة والسبب، حيث يقول: “السبب في الأفعال الإنسانية ( بصفة خاصة) يعود إلى ذات الفاعل، حيث تتعلق به ( أي الفاعل) الأسباب والمسببات على السواء، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى العلة،إذ لا تعلق للمعلول بالفاعل لوجوبة عند وجود العلة، بينما لا يجب المسبب عند حصول السبب، إلا إذا انتفت الموانع.” المرجع: السببية عند القاضي عبد الجبار. صفحة 43. أرجو شرح هذا الكلام، وضرب أمثلة؟

لا يوجد ترادف بين مفهوم (السبب) ومفهوم (العلة) عند نفاة الترادف من مشايخنا كأبي علي الفارسي والمُبَرِّد وغيرهما. لذلك كان كلام القاضي دقيقاً جداً في وجوب التفرقة بين اللفظين. أما قوله: “السبب في الأفعال الإنسانية ( بصفة خاصة) يعود إلى ذات الفاعل، حيث تتعلق به ( أي الفاعل) الأسباب والمسببات على السواء وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى العلة، إذ لا تعلق للمعلول بالفاعل لوجوبة عند وجود العلة، بينما لا يجب المسبب عند حصول السبب، إلا إذا انتفت الموانع” فمفهوم السبب يدلُ على كل شيئٍ يُتَوصَّلُ به إلى غيره، فعندما أقول مثلاً: جلستُ لأستريحَ، فإن اللام هنا تكون للسبب، أي أنني أتوصَّلُ إلى الراحة بالجلوس، والباء هنا للإستعانة، فأنا أستعين بالجلوس لكي أصل إلى الراحة، وبهذا يكون الجلوسُ هو سبب الراحة، والراحة هي مسبب الجلوس، وواضح تأثير السببُ في مسببه، وتأثر المسبب بسببه. وكما ترى فإن السبب (الجلوس) والمسبب (الراحة) يتعلقان على السواء بنفس الفاعل الذي جلس لكي يستريح، وهذا هو ما يقصده القاضي بقوله “حيث تتعلق به ( أي الفاعل) الأسباب والمسببات على السواء”. أما العلة فهي كل ما يكون طريقاً للوصول إلي شيئٍ غير مؤثرٍ فيه، كرؤية الهلال والصوم في قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة : 185) أو قوله صلى الله عليه (صوموا لرؤيته) فاللام هنا ليست لام السبب ولكنها لام التعليل، لماذا؟ لأن طلوع الهلال ليس له تأثير ذاتي في الصوم، بعكس الجلوس الذي له تأثير ذاتي في الراحة، محلّه ذات الفاعل، لذلك يقول القاضي: “وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى العلة، إذ لا تعلق للمعلول بالفاعل”. وهكذا نجد فارقاً دقيقاً بين مفهوم السبب والمسبب من ناحية، ومفهوم العلة والمعلول من ناحية أخرى. أما قوله “لوجوبة عند وجود العلة” فلا يحتاج لفضل بيان، فالصوم يجب شرعاً عند وجودِ علته،  بينما لا يجب المسبب عند حصول السبب، فربما يجلس الإنسان لكنه لا يرتاح برغم ذلك، لمانع ما كأن يكون جلوسه على كرسيٍ غير مريح، فإن انتفى المانع وجب.

ما الفرق بين العلة “الغائية” والباعث؟

يمكن تعريف (السبب) بأنه كل ما يكون طريقاً للوصول إلي شيئٍ مؤثرٍ فيه، بينما (العلة) هي كل ما يكون طريقاً للوصول إلي شيئٍ غير مؤثرٍ فيه، فيكون الفارق بينهما هو “التأثير” في حالة السبب وعدمه في حالة العلة. أما مصطلح العلة “الغائية” فأرى أنه اطنابٌ لساني، لأن كلمة “غاية” تدل في لسان العرب على “الطريق”، و”الطريق” مُتَضَمن فعلاً في تعريف العلة فلا توجد حاجة لتكراره. أما “الباعث” فهو الدافع – النفسي أو الإيماني – لفعل شيئ معين، فرؤية الهلال الوليد هي علة وجوب الصوم بينما الرغبة في الإمتثال لأمر الله التكليفي هي الباعث لكي نصوم.

نسمع عن التحسين والتقبيح العقليين كاصل عند المعتزلة ونعلم انه يستقل بإنشاء الاحكام كالقران او السنة ولكن كيف يمكن الاستفادة من هذا الاصل في عصرنا ؟ بمعنى هل بالامكان ان يحرم شئ بالتقبيح العقلي مما طرا على الساحة من سلبيات ، أو أن يصبح واجبا بالتحسين ان كان ايجابيا كمحاولة حيازة القنبلة الذرية او الاستفادة من التكنلوجيا الحديثة فمثلا عند غير المعتزلة تعد هذه الامور من فروض الكفاية ولكن ليس لذاتها وإنما لمنافعها فهل هي كذلك عند المعتزلة ام أنها واجبة بذاتها بالتحسين العقلي

العقل – في منهجنا – هو أول الأدلة، وهو مقدَّمٌ على غيره من الأدلة في جميع أبواب الدين كالإيمانيات والشرعيات وغير ذلك. فيما يتعلق بأحكام الشريعة يناط بالعقل إصدار الأحكام الكلية الضابطة للفروع المختلفة، فالعدل مثلاً يحسُن عقلاً، والظلم بالتالي يقبُح عقلاً. إنطلاقاً من تلك القاعدة العقلية نقول: إن لم يتحقق الأمر بالعدل والنهي عن الظلم إلا بتملك وسائل الدفاع الحديثة، يصبح امتلاكها – لذلك الغرض – من الفروع المتولدة عن ذلك الأصل الذي قرره العقل، وحكمه في هذه الحالة “الوجوب”. بعد أن يقرر العقل ذلك الحكم ننظر في أدلة النقل فنجد الكتاب العزيز يقرر نفس الحكم، وذلك بقول الله سبحانه: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال : 60) فنجد انسجاماً تطابقياً كاملاً بين ما قرره العقل من “وجوب” امتلاك أسباب القوة وما قرره الكتاب. إنطلاقاً من ذلك المبدأ يحسِّن العقل استخدام الطاقة الذرية مثلاً فيما ينفع الناس كإقامة الحق ودحض الباطل وتخفيف المعاناة وغير ذلك، أي أنه يكشف عن وجوه من المحاسن العقلية تتمخض عن استخدام تلك التكنولوجيا ترجح كفة استخدامها على كفة العزوف عنها لبعض الأضرار التي ربما تنتج في سبيل ذلك.

أليست قاعدة المصالح المرسلة تندرج تحت التحسين والتقبيح العقليين؟

بلى تندرج وغيرها تحت ذلك،  فالعقل يمثل إطار عمل عريض للمنهج تندرج تحته فروعٌ كثيرة.

دليل النقل الذي استشهدت به “وأعدوا” هو فعل أمر وربطت ذلك بحالة الوجوب وهذا أمر مختلف عليه: أن الأمر في اللغة يفيد الوجوب أم يفيد الطلب؟

أقول: وضع علماء أصول الفقه قاعدة أصولية – أرجو الإنتباه للفارق الكبير بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية – تقول إن “الأمرَ يقتضي الوجوب”. أما دليلهم وعمدتهم في ذلك التقعيد فهو اللسان العربي، وبيان ذلك كما يلي: الأمر في لسان العرب – وفي علم أصول النحو خصوصاً – جزءٌ من الطلب، فكل أمر هو طلب، لكن ليس كلُ طلبٍ أمراً، لأن الطلب يشمل ثمانية أشياء هي: الأمر والدعاء والنهي والاستفهام والعرض والحض والتمني والرجاء. فالأمر – كما ترى – يمثل جزءاً من ثمانية أجزاء من الطلب. أما “الواجب” فهو ببساطة شديدة ما  يُمدحُ المرءُ على فعله ويُذمُّ على تركه. أما “الأمر” فهو طلبٌ يقتضي الوجوب على الفور وليس على التراخي، فلو أن سيداً قال لخادمه مثلاً “احضرْ لي كوباً من الماء” فلم يُحضرْهُ الخادمُ للحقه الذم واللوم والعقاب. من هنا نرى أن لسان العرب يدلُّ على أن الأمرَ طلبٌ واجب فعله على الفور، ومن هنا استنبط الأصوليون قاعدتهم الأصولية الشهيرة “الأمر يقتضي الوجوب” مبرهنين عليها من لسان العرب على النحوِ الذي بينتُه.

تحياتي الأخوية

الحسيني

Published in: on سبتمبر 10, 2008 at 1:32 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/09/10/%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d9%87/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: