في الأسماء والصفات

[1] السميع

قال القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني الأسد أبادي المعتزلي البصري الشهير (415 هجرية) في كتابه “المختصر” ما يلي بتصرف يسير وإضافة التشكيل والخطوط:

(وهو سميعٌ بصيرٌ مدركٌ للمدرَكات إذا وُجِدت، لأنه حيٌ لا آفةَ به، فيجبٌ أن يكون مختصاً بهذه الصفات إذا وُجِدت المسموعَات والمُبصَرات والمدرَكات).

أقول: إختصاراً للأمر أركز تعليقي على صفة (السميع)، وما يجري عليها من كلام يلحق كذلك بصفتي (بصير) و(مُدرِك). لفظ (سميع) هو صيغة مبالغة من اسم الفاعل (سامع) للدلالة على الإحاطة التامة بالمسموع، والمسموع مفعول أي: اسم المفعول. أما الأصل لتلك الإشتقاقات فهو الفعل الماضي المجرد الثلاثي (سَمِعَ)، ومضارعه هو (يسْمَعُ)، ومصدره هو (سمْعَاً). عبارة (الله سميع) عبارة عن جملة اسمية خبرية تتكون من مبتدأ وخبر مرفوعان، والسميع هو – كما ذكرت للتو – اسم فاعل بصيغة المبالغة. وكلمة (المسموعات) جمع للفظ (المسموع) وهو اسم مفعول. تعبير (إذا وُجِدت المسموعات) هو تعبير شرطي يحترز به عن انعدام المسموعات. مقتضى ذلك الشرط هو أن الباري سبحانه يسمع كلَ مسموع على وجه الإحاطة إذا وُجِدَ ذلك المسموع، فإن لم يوجد المسموع فلا يوجد محل للقول بالسمع أو عدمه في هذا المقام. جدير بالذكر أن تلك الحالة الأخيرة لا تعتبر منقصة ولا مسلبة (من السلب) لصفة (السميع)، وإلا للزمنا أن نذم الواحدَ منا على عدم سماع غير المسموع، ولا يفعل ذلك إلا فاقد العقل. إن معيار المدح والذم إنما هو سماع المسموعات حال وجودها وليس حال إنعدامها، فإن وجد المسموع ولم يسمعه السامع كان ذلك في هذه الحالة نقصاً ومسلبة وهو ما يتنزه الله سبحانه عنه. يدل كلام القاضي رحمه الله على أن الباري سبحانه سميعٌ بكل مسموع أو بكل ما يصح أن يُسمَع حال وجود ذلك المسموع. أما المجبرة ومن يدور في فلكهم فيلزمهم أن يكون الله سميعاً بالمسموعات منذ الأزل وهذا ضلال عن الصراط المستقيم، وهنا ينبغي أن نلزمهم بقول الله تعالى:

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة : 1)

بسؤالهم: هل سمع الله تعالى قول تلك المرأة منذ الأزل أم بعدما تحاورت؟ فإن قالوا: (منذ الأزل) خالفوا القرآن وسقطوا في الشرك بإثبات أزلي آخر مع الله، وإن قالوا: (بعدما تحاورت) فارقوا مذهبهم الجبري وقالوا بما نقول به كأهل تنزيه واختيار.

قال القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني الأسد أبادي المعتزلي البصري الشهير (415 هجرية) في كتابه “المختصر” ما يلي بتصرف يسير وإضافة التشكيل والخطوط:

(فإن قال: إنما يسمعُ أحدُنا ويدركُ بالآلات، فإذا استحالت على الله تعالى فكيف يوصف بذلك؟ قيل له: إننا نحتاج إلى الآلات لأنَّا لأجلِ الحياةِ نسمع ونرى، لا كما يفعل لا بآلة، من حيث كان قادراً لذاته).

أقول: الله سبحانه حيٌ لذاته، وليس لمعنى زائد عن الذات، بينما نحنُ لسنا أحياءً بذواتنا، وإنما بمعنى خلقه الله فينا، لذلك تحتاج حياتنا إلى محالٍّ لتلك الحياة، فنحتاج مثلاً إلى آلة (الأذن)  وما  يلحق بها من جهاز سمعي داخلي لكي تكون محلاً للسمع، وإلى آلة (العين) وما يلحق بها من جهاز بصري  داخلي لكي تكون محلاً للبصر وهكذا. الإنسان عاجز ومفتقر لتلك الآلات التي تصح أن تكون محلاً لحياتنا، أما الباري سبحانه، فهو قادر لذاته فلا يعجز، وغنيٌ لذاته فلا يفتقر لشيئ، وحيٌ لذاته فلا يحتاج لآلات تكون محلاً لحياته لذلك يفارق الواحد منا ويبين عنه بينونه تامه، وصدق سبحانه إذ يقول:

(…. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى : 11)

خلاصة ما قاله القاضي رحمه الله هو أن الله تعالى سميع بكل مسموع إذا وُجِد ذلك المسموع، بصيرٌ بكل مبصَر إذا وُجِد ذلك المبصَر، مدركٌ لكل مدرَك إذا وُجِد ذلك المدرَك، وهو يستحق كل ذلك لذاته وليس لأي معنى زائد عن الذات، وهو كلام نفيس حقاً نتفق مع القاضي رحمه الله فيه. في النهاية يطيب لي تقديم الإحصائية القرآنية التالية:

إحصائية قرآنية

(1) ورد تركيب (السميع العليم) في الكتاب في 15 موضعاً، وورد تركيب (سميع عليم) كذلك في 15 موضعاً، فيصير مجموع المرات التي ارتبط فيها صفتا السمع والعلم 30 موضعاً.

(2) ورد تركيب (السميع البصير) في الكتاب في 4 مواضع، وورد تركيب (سميع بصير)  في 3 مواضع، فيصير مجموع المرات التي ارتبط فيها صفتا السمع والبصر 7 مواضع.

(3) ورد تركيب (سميع الدعاء)  في موضع واحد فقط.

(4)  ورد تركيب (سميع  قريب)  في موضع واحد فقط.

[2] القدير

يقول قاضي القضاة رحمه الله في “المختصر”:

(هو قادرٌ لصحة الفعلِ منه، والفعلُ لا يصحُّ إلا من قادر على ما نعقله في الشاهد)

أما قوله (هو قادرٌ) فجملة اسمية خبرية تتكون من مبتدإ وخبر مرفوعين، ولفظ (قادر) اسم فاعل مشتق من الفعل الماضي الثلاثي المجرد “قَدِرَ” ومضارعه هو “يقدِر” ومصدرة هو “قدرة”. أما (القدير) فهو اسم الفعل الدال على المبالغة واللامحدودية والإتساع والشمول في القدرة، فهو القدير، سبحانه وتعالى. أما اللام في قوله (لصحة) فهي لام السبب / التعليل، أي أن العقل حكم بأن الباري سبحانه قادرٌ بسبب ما نراه من الأفعال التي صحَّت منه، ونعلم أن الفعل لا يصح إلا من قادر.

(فإن قيل: هو لم يزل قادرا أم لا؟ قيل له: نعم، لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يقدرُ بأن يجعل نفسه قادراً، ومن ليس بقادر لا يصح منه الفعل، وهذا يتناقض، فهو إذاً قادرٌ فيما لم يزل ولا يزال، لأنه لذاته قادرٌ)

أما التساؤل (هو لم يزل قادرا أم لا؟) فمعناه: أقادرٌ هو منذ الأزل أم لا؟ والجواب: نعم، هو قادر منذ الأزل، لأنه قادرٌ لذاته، لا لمعنى ولا لعلة اقتضت اقتضى من أجلها أن يكون قادراً، ومن كان هذا حاله فإنه يظلُ قادراً فيما لم يزل، أي: منذ الأزل، ولا يزال، أي: إلى الأبد، بمعنى أن صفة القدرة لما كانت صفة ذات، لزم من ذلك أن يكون قادراً وقديراً منذ الأزل وإلى الأبد.

(فإن قيل: يُجَوَّزُ على الله تعالى العجزُ؟ قيل له: لا، لأنه قد ثبتَ أنه قادرٌ على كل مقدور يصح أن يقدر عليه، حتى لا جنس ولا قُدَرَ لا وهو قادر عليه، فمحال أن يعجز)

أما (العجز) فهو عكس (القدرة)، ولما كان الله تعالى قادرا لذاته، امتنع عليه أن يكون عاجزا، فهو القادر الذي لا يعجز، وهو القدير على كل مقدور يصح أن يقدر عليه. أما قوله (كل مقدور يصح أن يقدر عليه) ففيه احتراز عما لا يدخل في جنس المقدورات، أي احتراز عما لا يصح أن يتعلق به قدرة، مثل الاستحالات العقلية كتزاحم الضدين في محل واحد، فإنه لا يصح أن يقال: أيقدر عليها أم لا، لكونها مما لا يصح أن تتعلق به قدرة القادر.

يقول العلامة السلفي المستنير السيد محمد رشيد رضا الحسيني رحمه الله في رسالة (أحكام العقل):

(يشترك الواجبُ والمستحيل العقليان في أنهما لا تتعلق بهما قدرة الله تعالى، لأن وظيفة القدرة الإيجاد والإعدام، والواجب وجوده لذاته فهو قديم ويستحيل عدمه، والمستحيل منتفٍ لذاته، ولو أمكن أن يوجد لما كان مستحيلاً، فلا يقال: إن الله تعالى قادرٌ على إعدام الواجب، كذاته تعالى وتقدس، أو إيجاد المحال كجعل الشيئ موجوداً ومعدوماً، أو ساكناً ومتحركاً في آنٍ واحد، ولا يقال: إنه ليس بقادر، إذ ليس هذا من وظيفة القدرة فيثبت لها أو ينفى عنها) (انتهى)

أقول: هذا تقريرٌ جليل ونفيس، فإن الواجب لذاته، والممتنع لذاته لا تتعلق بهما قدرة، أي بتعبير قاضي القضاة رحمه الله: ليست من المقدورات التي يصحُّ أن يُقدَرَ عليها. لذلك فعندما يقول الله تعالى:

(…. إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 20)

فإننا نعلم أن المقصود هنا هو الشيئ الذي يصح أن تتعلق به قدرة الله تعالى. يمكننا تعميم النتيجة السابقة من وحي كلام قاضي القضاة رحمه الله فنقول: الله يقدر على كل مقدور يَصِّحُّ أن يُقدَرَ عليه، ويسمع كل مسموع  يَصِّحُّ أن يُسمَع، ويبصر كل مُبصَر  يَصِّحُّ أن يُبصَر، ويدرك كل مُدرَك  يَصِّحُّ أن يُدرَك، ويعلم كل معلوم  يَصِّحُّ أن يُعلَم، فكل تلك الصفات المتقدمة من (القدرة) إلى (العلم) مرورا بالسمع والبصر والإدراك هي صفات ذات يستحقها الله لذاته، لا لعلة، ولا لمعنى، بل هو لذاته قادر، وهو لذاته سميع، وهو لذاته بصير وهكذا. أما ما لا يَصِّحُّ أن يُقدَرَ عليه فلا تتعلق به قدرة، وما لا يَصِّحُّ أن يُسمَع فلا يتعلق به سمع، وما لا يَصِّحُّ أن يُبصَر فلا يتعلق به بصر، وما لا يَصِّحُّ أن يُدرَك فلا يتعلق به إدراك، وما لا يَصِّحُّ أن يُعلَم فلا يتعلق به علم.

[3] العليم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ثم أما بعد. إستكمالاً لما بدأتُه من شرحٍ وجيز لكلام القاضي أبي الحسن عبد الجبار رحمه الله حول الأسماء والصفات، أسطر فيما يلي شرحاً وجيزاً لكلامه رحمه الله حول جليل الكلام فيما يتعلق باسمه تعالى “العليم” سائلاً المولى تعالى التوفيق، وأبدأ بمقدمة وجيزة في بضعة أسطر، فأقول: يختلف (العلم) عن (التعلم) من حيث أن (التعلم) يعني اكتساب العلم وتحصيله، أما (العلم) فهو إدراك المعلوم سواء بتعلم أم بغير تعلم كالرؤى والإلهام والشهود وغير ذلك. بديهي ألا يوصف الله سبحانه بأنه (متعلم) بل يوصف بأنه (عليم) أو (عالم). أما لفظ (عالم) فهو اسم فاعل من (عَلِم)، وفعل (عَلِم) معناه إدراك العلم، أما فعل (تعلَّم) معناه اكتساب العلم. أما لفظ (عليم) فهو صيغة مبالغة من (عالم). هناك إذا مستويان. مستوى أدنى: تعلَّم / يتعلَّم / تعلُّماً / متعلِّم، ومستوى أعلى: عَلِم / يعلم / علماً / عالِم / عليم. أما المستوى الأدنى فلا يصح أن يوصف به الله لكنه يوصف بالمستوى الأعلى: (عَلِم) الله المعلوم أي أدركه وأحاط به وأحصاه، و(يعلم) الله المعلوم أي يدركه ويحيط به ويحصيه، لذلك فإن الله تعالى هو (عالم) لا يجهل وهو بكل شيئ (عليم) وهو (علاَّم) الغيوب.  والآن إلى متن كلام القاضي رحمه الله – باللون الأحمر – من خلال كتابيه “المختصر” و”الشرح” وتعليقي الوجيز عليه.

(1) كتب قاضي القضاة عماد الدين أبو الحسن رحمه الله في ” المختصر في أصول الدين” ما يلي (الكلمات بين القوسين المعكوفين […] من وضعي):

وهو [الباري عز وجل] عالمٌ، لأن في الشاهد [الفعل] المحكم لا يصحُ إلا من عالم، كالكتابة والبناء والصياغة، وما خلقه اللهُ تعالى أبلغُ في الإحكام من قِبَل ذلك، نحوُ خلقه الإنسان على عجائب ما فيه من الصنعة والأعضاء والآلات ومجاري الطعام والشراب وغير ذلك، فيجب أن يُحكَم بأنه عالمٌ.

تعرِّف المعتزلة (العالِمَ) بأنه: من صح منه الفعل المحكم. فدليل أن شخصاً ما عالمٌ بهندسة البناء هو قيامه بتصميم وإنشاء مبنى على وجه صحيح محكم، وهكذا. إذا نظرنا إلى الكون المُشاهَد من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة وجدناه فعلاً صحيحاً محكماً يدل على أن فاعله، الله تعالى، عالمٌ لا يجهل. نلاحظ من خلال التعريف السابق ربط وصف (عالِمَ) بما صدر عنه هو من فعل صحيح محكم وليس بما صدر عن غيره، فلو أن الفعل المحكم صدر عن x لم نحكم بأن y هو عالِمَ ولكنا نحكم بأن x هو العالِمَ. فيما يتعلق بالبشر نجد أن صحة صدور الفعل المحكم كالبناء مثلاً تستلزم وجود معلومات يتم توظيفها لإحداث ذلك الفعل المحكم، أما فيما يتعلق بالله، فلا يُجوَّز ذلك، لأن الله عالم لذاته وليس لمعلومات ولا بمعلومات. أي أن وصف الله تعالى بكونه (عالماً) لا يستلزم أنه يعلم بمعلومات، ولا بعلم، بل يعلم بذاته، ولذاته.

فإن قيل: أليس العالم منا يعلم شيئاً دون شيئ، وفي وقتٍ دون وقت، فما أنكرتم من هذا في الله تعالى؟ قيل له: هو عالم لذاته لا بتعلم ولا بأن جعله غيرُه عالماً.

تركيب “عالم لذاته” يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية: “عالم” وهو اسم فاعل من الفعل الماضي الثلاثي المجرد “عَلِمَ”. “اللام” وهي للإستحقاق. “ذاته” أو “ذات الله” أي: الله نفسه بما له من وجود حقيقي. تدل عبارة “عالم  لذاته” أن الله تعالى مستحقٌ لصفة “عالم” بسبب ذاته وليس بسبب زائد عن الذات علماً كان أم معنىً أم صفةً أم أي مسمى آخر. أما قوله “لا بتعلم” فنفي، والباء للإستعانة، فيكون المقصود نفي أن يكون الله عالماً بواسطة أو بسبب التعلم ولا مستعيناً بأي معلومات أو علومً مكتسبة، فعلمه حضوري لا حصولي.

فإن قال: فما الدليل على ما قلتم [أي: أن الله عالم لذاته لا بعلم]؟ قيل له: لأنه لو كان يعلم بعلم لكان علمه … إما أن يكون محدثاً أو قديماً، ولو كان علمه محدثاً لأدى إلى أن يكون أحدثه من قبل أن يعلمه ومن ليس بعالم لا يجوز أن يفعل العلم، وهذا فاسد. ولو كان علمه قديماً لوجب أن يكون وجوده واجباً يستغني عن موجد وفاعل، وهذا موجب إنه مساوٍ لله في الإلهية، وأن لا يكون الله عز وجل بأن يكون إلهاً أولى من علمه وقدرته القديمين، وفساد ذلك يبين إنه تعالى عالم لذاته وقادر لذاته على ما قلناه.

هناك قولان في المسألة، أولهما: الله عالم لذاته وليس لمعنى ولا لصفة ولا لأي شيئ زائد عن الذات، وهي المقولة الصائبة. ثانيهما: الله عالم بعلم أو عالم بمعلومات وهي مقولة فاسدة تستلزم أحد إحتمالين: إما أنه علم حادث وهو احتمال فاسد، وإما أنه علم قديم وهو كذلك احتمال فاسد للأسباب التي بينها القاضي رحمه الله في كلامه.

(2) كتب قاضي القضاة عماد الدين أبو الحسن رحمه الله في “شرح الأصول الخمسة” ما يلي (الكلمات بين القوسين المعكوفين […] من وضعي):

يلزم [المكلف] أن يعلم أنه تعالى كان عالماً فيما [لم يزل]، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بجهل أو سهو، وأنه عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصحّ أن تُعلم عليه.

أما قوله أن الله تعالى (كان عالماً فيما لم يزل) فمعناه أن اللهَ سبحانه عالمٌ أزلاً، أي أنه كان على هذه الصفة منذ الأزل، فتعبير “لم يزل” يدل على الماضي لأن فعل “يزل” وإن كان مضارعاً، إلا أنه قد سُبِق بحرف نفي وجزم وقلب، ومعنى كونه حرفَ قلبٍ أي يقلب زمن الفعل المضارع فيصير زمناً ماضياً. ومعنى كونه حرفَ نفي أي ينفي زوال صفة العلم عن الله سبحانه فيما لم يزل إذ هي صفةُ ذات. وأما قوله أن الله تعالى “لا يجوز خروجه عن هذه الصفة بجهل أو سهو” فمعناه أنه سبحانه يكون عالماً فيما لايزال، بمعنى أن اللهَ سبحانه عالمٌ أبداً، أي أنه يكون على هذه الصفة إلى الأبد، فتعبير “لا يزال”  يدل على الحاضر والآتي لأن فعلَ “يزال” فعلٌ مضارعٌ لم يسبقه حرف قلب بل سبقه حرف نفي.  ومعنى كونه حرفَ نفي أي ينفي زوال صفة العلم عن الله سبحانه فيما لا يزال إذ هي صفةُ ذات، فلا يلحقه جهلٌ ولا سهوٌ ولا أيُ سالبٍ لتلك الصفة. وأما قوله: “وأنه عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصحّ أن تُعلم عليه” فمعناه أن الله قد أحاط بكل شيئ علماً، ليس على أي وجه، ولكن على الوجه الذي يصحّ أن تُعلم عليه. حرف الباء في لسانِ العرب على أربعة عشر وجهاً من الوجوه هي: الإحاطة والإلصاق والاستعانة والسببية والتعدية والمقابلة والبدل والقسم والظرفية والمصاحبة والتبعيض والتجاوز والتأكيد والإستعلاء. فحينما يقولُ: إنه عالم بجميع المعلومات، تكون دلالة الباء هنا هي الإحاطة، أي شمول العلم بالمعلوم من جميع الوجوه التي يصحُّ أن يُعلم المعلومُ عليها، فلا يفلت وجههٌ من الوجوه، ولا تغيبُ ناحيةٌ من النواحي.

أما الذي يدل على أنه تعالى كان عالماً فيما لم يزل، فهو أنه لو لم يكن عالماً فيما لم يزل وحصل عالماً بَعْدَ إذ لم يَكن، لوجب أن يكون عالماً بعلمٍ متجدد محدث، وذلك فاسد لما نبينه من بعد، إن شاء الله تعالى.

في الفقرة الأولى أشار قاضي القضاة رحمه الله إلى ثلاثة حقائق هامة، أولها: أنه تعالى كان عالماً فيما لم يزل، ثانيها: أنه تعالى يكون عالماً فيما لا يزال، ثالثها: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصحّ أن تُعلم عليه. بعد أن ذكر تلك الحقائق الثلاث أخذ في التدليل – إي إقامة الدليل – على صحتها، وبدأ بالحقيقة الأولى وهي أنه تعالى كان عالماً فيما لم يزل: قوله “وحصل عالماً بَعْدَ إذ لم يَكن …” فمعناه: وصار عالماً بعد أن لم يكن، لوجب أن يكون عالماً بعلمٍ متجدد محدث، لأنه – تعالى عن ذلك – لم يكن عالماً ثم صار عالماً، وهذا قولٌ فاسد، واضح الفساد، ولا يحتاج لفضل بيان، لأن الله تعالى ليس عالماً بمعلومات، والباء هنا للاستعانة، ولكنه عالم بذاته أي لا يستعين بأي علةٍ أو معنىً زائدٍ عن ذاته.

وأما الذي يدل على أنه  جل وعز يكون عالماً فيما لا يزال، هو أنه يستحق هذه الصفة لذاته، والموصوف بصفة من صفات الذات لا يصح خروجه عنها بحال من الأحوال.

ثنَّى القاضي رحمه الله بإقامة الدليل على الحقيقة الثانية، وهي أنه تعالى يكون عالماً فيما لا يزال، فقال: إنه “يستحق هذه الصفة لذاته”. أما اللام في لسان العرب فعلى سبعة عشر وجهاً من الوجوه هي الملك والإختصاص وشبه الملك والتبيين والتعليل والتوكيد والتقوية وانتهاء الغاية والاستغاثة والتعجب والعاقبة والاستعلاء والوقت والمعية والظرفية والجنس والعهد. فحينما يقولُ: إنه يستحق هذه الصفة لذاته، تكون دلالة اللام هنا هي الاستحقاق. ثم يبين بعد ذلك أن “الموصوف بصفة من صفات الذات لا يصح خروجه عنها بحال من الأحوال”.

وأما الذي يدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصحّ أن تُعلم عليه، فهو أن المعلومات غير مقصورة على بعض العالمِين دون بعض، فما من معلوم يصح أن يعلمه عالم، إلا يصحّ أن يعلمه سائر العالمين، فيجب في القديم تعالى صحة أن يعلم جميع المعلومات على الوجوه التي يصح أن تُعلم عليها.

ختم القاضي رحمه الله كلامه في هذا الباب بإقامة الدليل على الحقيقة الثالثة، وهي أنه تعالى عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصحّ أن تُعلم عليه. إذا أبصر إنسانٌ عاقلٌ سليمُ الحواس الشمس مثلاً  وهي تشرق، لعلم أنَ الشمسَ بدأت في الشروق، ولا يختص ذلك الإنسان بمفرده بذلك العلم، بل يصحُّ أن يعلم مثلَ ذلك كلُّ إنسان مثله متمتعٌ بنفس الصفات. إذاً يصحُّ أن يعلمَ كلُّ عالم ما يعلمه غيره من معلومات، وفي هذا يقول القاضي: “المعلومات غير مقصورة على بعض العالمِين دون بعض، فما من معلوم يصح أن يعلمه عالم، إلا يصحّ أن يعلمه سائر العالمين”، فإن كان ذلك كذلك فإن الله تعالى – وله المثل الأعلى – يجب أن يعلم جميع المعلومات على الوجوه التي يصح أن تُعلم عليها، ويكون علمُه بما يصح أن يُعلم إحاطياً ونافذاً لحقيقة المعلوم، فالعلم هو إدراك الشيئ على ما هو عليه من وجه صحيح، والجهل هو عكس ذلك، كأن يدرك جزء من الشيئ وليس كله، أو يدركه كله ولكن على وجهٍ غيرِ صحيح، وكل هذا لا يُجوَّز على الله تعالى، لأنه العالم الذي لا يجعل، العليم الذي  يعلم جميع المعلومات على الوجوه التي يصح أن تُعلم عليها.

[4] الحي

كتب قاضي القضاة عماد الدين أبو الحسن رحمه الله في ” المختصر في أصول الدين” ما يلي:

وهو [الله تعالى] حيُّ، لأن أحدَنا متى خرج من أن يكون حياً استحال أن يعلمَ ويقدرَ، ومتى صار حياً صحَّ ذلك فيه، وأحواله كلها على السلامة، فإذا كان الله تعالى عالماً قادراً فيجب أن يكون حياً لم يزل ولا يزال.

الله سبحانه قادرٌ لأن الفعل قد صحَّ منه، وعالمٌ لأن الفعلَ الذي قد صحَّ منه فعلٌ محكمٌ، ومن كان قادراً عالماً يلزم أن يكون حياً. ولما كانت الحياة صفة ذات لزم أن يستحقها الله لذاته، لا لمعاني زائدة عن الذات، أي أنه ليس حياً بحياة، لكنه حيٌّ بذاته ولذاته، فيما لم يزل، أي أزلاً، وفيما لا يزال، أي أبداً.

[5]، [6] البصير / المدرك

وهو بصير [يُبصرُ المُبصَرَات] مُدرِكٌ للمُدركات إذا وجدت، لأنه حي لا آفة به، فيجب أن يكون مختصاً بهذه الصفات إذا وجدت المبصرات والمدركات

الله تعالى هو البصير الذي يبصرُ كلَ ما يصحُّ أن يبصَرَ، والمُدرِكُ الذي يُدركُ كلَ ما يصحُّ أن يُدرَك. أما قوله “إذا وجدت” فمعناه أنه إذا انعدم كلُّ ما يصحُّ أن يبصَرَ، أو انعدم كلُّ ما يصحُّ أن يُدركُ، فلا يتعلق به بصرٌ ولا إدراك. لتقريب الصورة أقول – ولله المثل الأعلى – إن حجر المغناطيس جاذبٌ بطبعه لبرادة الحديد، فإن وجدت البرادة جذبها، وإن انعدمت فلا يصحُّ أن يتعلق بطبعه جذبٌ لانعدام المجذوب من غير أن يكون في ذلك نقص، لأن النقص معناه وجود المجذوب مع عدم انجذابه، أما انعدام المجذوب مع وجود الجاذب فلا يقدح فيه. لا يصح والحال هكذا أن يلوم المرء حجر المغناطيس إن لم يجذب المعدوم، لأن المعدومَ لا يصحُّ أن يُجذَب، ولذلك احترز قاضي القضاة فقال: “إذا وجدت” وكررها مرتين. على هذا لا يصح عقلاً أن يقال: إنَ الله يبصرُ في حين انعدام المُبصَر، ولا يصح عقلاً أن يقال: إنَ الله يُدركُ في حين انعدام المُدرَك، إنما يبصر الله كل ما يصح أن يُبصَرَ إذا وُجدَ المُبصرُ، ويدرك الله كل ما يصح أن يُدرَكَ إذا وُجدَ المُدركُ، لكونه بصير لذاته، مدركٌ لذاته، لا لعلة ولا لمعنى.

[7] الموجود

وهو جلَّ وعزَّ موجودٌ لأن المعدومَ يتعذرُ فيه أن يكونَ له مقدورٌ يصحُّ أن يفعله

لم يخلُص لفظ “موجود” للقاضي رحمه الله، لأن الموجودَ مفعولٌ، فمن فعله؟ الله ليس مفعولاً حتى يوصف بأنه موجود، بل هو الفاعل فيلزم أن يوصف بأنه الواجِدُ. الأصوب إذاً هو أن يقال: إن اللهَ تعالى “كائنٌ” بدلاً من أن يقال إنه “موجود” حتى تطابق الصياغة اللفظية الدلالةَ اللسانية للفظ متسقةً في ذلك مع الحكم العقلي الدالّ على أن الله تعالى واجدٌ وليس موجوداً.

الخلاصة
تعرضتُ ببعض التعليقات اليسيرة على متن جليل وضعه القاضي رحمه الله للمبتدئين في تحصيل علم الكلام من خلال استعراض بعض النصوص المتعلقة بقضية الأسماء والصفات مع شرحها باقتضاب. شملت تلك النصوص أن الله تعالى كائنٌ، وأنه قادرٌ، عالمٌ، حيٌّ، سميعٌ، بصيرٌ، مدرك. إضافة لما تقدم أقول: وهو أزلٌ أي الأول بلا بداية، وهو الأبدي أي الآخر بلا نهاية، إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال والجمال، أقدمه كتوطئة بين يدي كل مبتدئ ليألف عن طريقه النظر في كتب القاضي عبد الجبار رحمه الله ويعتادَ أسلوبه، وأهديه إلى أخي الحبيب عدلي “باحث في الفكر الإسلامي” صاحب مدونة أهل العدل والتوحيد المجيدة، والذي كان قد اقترح علي هذا الأمر، فأشكره على حسن ظنه بالعبد الضعيف، سائلاً الله تعالى ستر التقصير، راجياً من الإخوة الكرام حسن الظن باالتفسير، وإلى كل من يجد فيه فائدة تذكر.

والسلام

الحسيني

Published in: on سبتمبر 3, 2008 at 9:13 م  اكتب تعليقُا  

القدير

يقول قاضي القضاة رحمه الله في “المختصر”:

(هو قادرٌ لصحة الفعلِ منه، والفعلُ لا يصحُّ إلا من قادر على ما نعقله في الشاهد)

أما قوله (هو قادرٌ) فجملة اسمية خبرية تتكون من مبتدإ وخبر مرفوعين، ولفظ (قادر) اسم فاعل مشتق من الفعل الماضي الثلاثي المجرد “قَدِرَ” ومضارعه هو “يقدِر” ومصدرة هو “قدرة”. أما (القدير) فهو اسم الفعل الدال على المبالغة واللامحدودية والإتساع والشمول في القدرة، فهو القدير، سبحانه وتعالى. أما اللام في قوله (لصحة) فهي لام السبب / التعليل، أي أن العقل حكم بأن الباري سبحانه قادرٌ بسبب ما نراه من الأفعال التي صحَّت منه، ونعلم أن الفعل لا يصح إلا من قادر.

(فإن قيل: هو لم يزل قادرا أم لا؟ قيل له: نعم، لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يقدرُ بأن يجعل نفسه قادراً، ومن ليس بقادر لا يصح منه الفعل، وهذا يتناقض، فهو إذاً قادرٌ فيما لم يزل ولا يزال، لأنه لذاته قادرٌ)

أما التساؤل (هو لم يزل قادرا أم لا؟) فمعناه: أقادرٌ هو منذ الأزل أم لا؟ والجواب: نعم، هو قادر منذ الأزل، لأنه قادرٌ لذاته، لا لمعنى ولا لعلة اقتضت اقتضى من أجلها أن يكون قادراً، ومن كان هذا حاله فإنه يظلُ قادراً فيما لم يزل، أي: منذ الأزل، ولا يزال، أي: إلى الأبد، بمعنى أن صفة القدرة لما كانت صفة ذات، لزم من ذلك أن يكون قادراً وقديراً منذ الأزل وإلى الأبد.

(فإن قيل: يُجَوَّزُ على الله تعالى العجزُ؟ قيل له: لا، لأنه قد ثبتَ أنه قادرٌ على كل مقدور يصح أن يقدر عليه، حتى لا جنس ولا قُدَرَ لا وهو قادر عليه، فمحال أن يعجز)

أما (العجز) فهو عكس (القدرة)، ولما كان الله تعالى قادرا لذاته، امتنع عليه أن يكون عاجزا، فهو القادر الذي لا يعجز، وهو القدير على كل مقدور يصح أن يقدر عليه. أما قوله (كل مقدور يصح أن يقدر عليه) ففيه احتراز عما لا يدخل في جنس المقدورات، أي احتراز عما لا يصح أن يتعلق به قدرة، مثل الاستحالات العقلية كتزاحم الضدين في محل واحد، فإنه لا يصح أن يقال: أيقدر عليها أم لا، لكونها مما لا يصح أن تتعلق به قدرة القادر.

يقول العلامة السلفي المستنير السيد محمد رشيد رضا الحسيني رحمه الله في رسالة (أحكام العقل):

(يشترك الواجبُ والمستحيل العقليان في أنهما لا تتعلق بهما قدرة الله تعالى، لأن وظيفة القدرة الإيجاد والإعدام، والواجب وجوده لذاته فهو قديم ويستحيل عدمه، والمستحيل منتفٍ لذاته، ولو أمكن أن يوجد لما كان مستحيلاً، فلا يقال: إن الله تعالى قادرٌ على إعدام الواجب، كذاته تعالى وتقدس، أو إيجاد المحال كجعل الشيئ موجوداً ومعدوماً، أو ساكناً ومتحركاً في آنٍ واحد، ولا يقال: إنه ليس بقادر، إذ ليس هذا من وظيفة القدرة فيثبت لها أو ينفى عنها) (انتهى)

أقول: هذا تقريرٌ جليل ونفيس، فإن الواجب لذاته، والممتنع لذاته لا تتعلق بهما قدرة، أي بتعبير قاضي القضاة رحمه الله: ليست من المقدورات التي يصحُّ أن يُقدَرَ عليها. لذلك فعندما يقول الله تعالى:

(…. إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 20)

فإننا نعلم أن المقصود هنا هو الشيئ الذي يصح أن تتعلق به قدرة الله تعالى. يمكننا تعميم النتيجة السابقة من وحي كلام قاضي القضاة رحمه الله فنقول: الله يقدر على كل مقدور يَصِّحُّ أن يُقدَرَ عليه، ويسمع كل مسموع  يَصِّحُّ أن يُسمَع، ويبصر كل مُبصَر  يَصِّحُّ أن يُبصَر، ويدرك كل مُدرَك  يَصِّحُّ أن يُدرَك، ويعلم كل معلوم  يَصِّحُّ أن يُعلَم، فكل تلك الصفات المتقدمة من (القدرة) إلى (العلم) مرورا بالسمع والبصر والإدراك هي صفات ذات يستحقها الله لذاته، لا لعلة، ولا لمعنى، بل هو لذاته قادر، وهو لذاته سميع، وهو لذاته بصير وهكذا. أما ما لا يَصِّحُّ أن يُقدَرَ عليه فلا تتعلق به قدرة، وما لا يَصِّحُّ أن يُسمَع فلا يتعلق به سمع، وما لا يَصِّحُّ أن يُبصَر فلا يتعلق به بصر، وما لا يَصِّحُّ أن يُدرَك فلا يتعلق به إدراك، وما لا يَصِّحُّ أن يُعلَم فلا يتعلق به علم.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 26, 2008 at 11:54 ص  اكتب تعليقُا  

السميع

قال القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني الأسد أبادي المعتزلي البصري الشهير (415 هجرية) في كتابه “المختصر” ما يلي بتصرف يسير وإضافة التشكيل والخطوط:

(وهو سميعٌ بصيرٌ مدركٌ للمدرَكات إذا وُجِدت، لأنه حيٌ لا آفةَ به، فيجبٌ أن يكون مختصاً بهذه الصفات إذا وُجِدت المسموعَات والمُبصَرات والمدرَكات).

أقول: إختصاراً للأمر أركز تعليقي على صفة (السميع)، وما يجري عليها من كلام يلحق كذلك بصفتي (بصير) و(مُدرِك). لفظ (سميع) هو صيغة مبالغة من اسم الفاعل (سامع) للدلالة على الإحاطة التامة بالمسموع، والمسموع مفعول أي: اسم المفعول. أما الأصل لتلك الإشتقاقات فهو الفعل الماضي المجرد الثلاثي (سَمِعَ)، ومضارعه هو (يسْمَعُ)، ومصدره هو (سمْعَاً). عبارة (الله سميع) عبارة عن جملة اسمية خبرية تتكون من مبتدأ وخبر مرفوعان، والسميع هو – كما ذكرت للتو – اسم فاعل بصيغة المبالغة. وكلمة (المسموعات) جمع للفظ (المسموع) وهو اسم مفعول. تعبير (إذا وُجِدت المسموعات) هو تعبير شرطي يحترز به عن انعدام المسموعات. مقتضى ذلك الشرط هو أن الباري سبحانه يسمع كلَ مسموع على وجه الإحاطة إذا وُجِدَ ذلك المسموع، فإن لم يوجد المسموع فلا يوجد محل للقول بالسمع أو عدمه في هذا المقام. جدير بالذكر أن تلك الحالة الأخيرة لا تعتبر منقصة ولا مسلبة (من السلب) لصفة (السميع)، وإلا للزمنا أن نذم الواحدَ منا على عدم سماع غير المسموع، ولا يفعل ذلك إلا فاقد العقل. إن معيار المدح والذم إنما هو سماع المسموعات حال وجودها وليس حال إنعدامها، فإن وجد المسموع ولم يسمعه السامع كان ذلك في هذه الحالة نقصاً ومسلبة وهو ما يتنزه الله سبحانه عنه. يدل كلام القاضي رحمه الله على أن الباري سبحانه سميعٌ بكل مسموع أو بكل ما يصح أن يُسمَع حال وجود ذلك المسموع. أما المجبرة ومن يدور في فلكهم فيلزمهم أن يكون الله سميعاً بالمسموعات منذ الأزل وهذا ضلال عن الصراط المستقيم، وهنا ينبغي أن نلزمهم بقول الله تعالى:

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة : 1)

بسؤالهم: هل سمع الله تعالى قول تلك المرأة منذ الأزل أم بعدما تحاورت؟ فإن قالوا: (منذ الأزل) خالفوا القرآن وسقطوا في الشرك بإثبات أزلي آخر مع الله، وإن قالوا: (بعدما تحاورت) فارقوا مذهبهم الجبري وقالوا بما نقول به كأهل تنزيه واختيار.

قال القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني الأسد أبادي المعتزلي البصري الشهير (415 هجرية) في كتابه “المختصر” ما يلي بتصرف يسير وإضافة التشكيل والخطوط:

(فإن قال: إنما يسمعُ أحدُنا ويدركُ بالآلات، فإذا استحالت على الله تعالى فكيف يوصف بذلك؟ قيل له: إننا نحتاج إلى الآلات لأنَّا لأجلِ الحياةِ نسمع ونرى، لا كما يفعل لا بآلة، من حيث كان قادراً لذاته).

أقول: الله سبحانه حيٌ لذاته، وليس لمعنى زائد عن الذات، بينما نحنُ لسنا أحياءً بذواتنا، وإنما بمعنى خلقه الله فينا، لذلك تحتاج حياتنا إلى محالٍّ لتلك الحياة، فنحتاج مثلاً إلى آلة (الأذن)  وما  يلحق بها من جهاز سمعي داخلي لكي تكون محلاً للسمع، وإلى آلة (العين) وما يلحق بها من جهاز بصري  داخلي لكي تكون محلاً للبصر وهكذا. الإنسان عاجز ومفتقر لتلك الآلات التي تصح أن تكون محلاً لحياتنا، أما الباري سبحانه، فهو قادر لذاته فلا يعجز، وغنيٌ لذاته فلا يفتقر لشيئ، وحيٌ لذاته فلا يحتاج لآلات تكون محلاً لحياته لذلك يفارق الواحد منا ويبين عنه بينونه تامه، وصدق سبحانه إذ يقول:

(…. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى : 11)

خلاصة ما قاله القاضي رحمه الله هو أن الله تعالى سميع بكل مسموع إذا وُجِد ذلك المسموع، بصيرٌ بكل مبصَر إذا وُجِد ذلك المبصَر، مدركٌ لكل مدرَك إذا وُجِد ذلك المدرَك، وهو يستحق كل ذلك لذاته وليس لأي معنى زائد عن الذات، وهو كلام نفيس حقاً نتفق مع القاضي رحمه الله فيه. في النهاية يطيب لي تقديم الإحصائية القرآنية التالية:

إحصائية قرآنية

(1) ورد تركيب (السميع العليم) في الكتاب في 15 موضعاً، وورد تركيب (سميع عليم) كذلك في 15 موضعاً، فيصير مجموع المرات التي ارتبط فيها صفتا السمع والعلم 30 موضعاً.

(2) ورد تركيب (السميع البصير) في الكتاب في 4 مواضع، وورد تركيب (سميع بصير)  في 3 مواضع، فيصير مجموع المرات التي ارتبط فيها صفتا السمع والبصر 7 مواضع.

(3) ورد تركيب (سميع الدعاء)  في موضع واحد فقط.

(4)  ورد تركيب (سميع  قريب)  في موضع واحد فقط.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2008 at 8:37 ص  اكتب تعليقُا  

إبليس وعزازيل وعزرائيل

(1) هل (إبليس) و (عزازيل) إسمان لمخلوق واحد أم لمخلوقين مختلفين؟

(2) من هو (عزرائيل) وما الفرق بينه وبين (عزازيل)؟

(3) ما هو الأصل اللغوي لكلمتي (عزازيل) و (عزرائيل)؟

من وجهة النظر الإسلامية أقول ما يلي:

[1] (إبليس) هو إسم علم يطلق على الشيطان واختلفوا هل هو جامد أم مشتق وما أراه هو أنه ليس جامدا وانما مشتق. والأصل اللغوي للإسم هو الجذر (بلس) والذي يعني اليأس من الخير وهو جذر مستخدم في كثير من آي القرآن مثل قوله تعالى:

(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام : 44)

وقد ورد لفظ إبليس في القرآن الكريم في أكثر من موضع منها قوله تعالى:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة : 34)

[2] لفظ (عزازيل) لم يرد في القرآن الكريم وإنما ورد كأثر مروي عن ابن عباس: روى الطبري وابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال:

(كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد).

ولعل هذا الأثر من الإسرائيليات إذ يقال أن كلمة (عزازيل) أصلها عبري قديم ولعل أقرب إشتقاق عربي لها هو الجذر (عزل) قتكون الإشارة هنا لكونه معزول عن رحمة الله فلا تصله. فهل لها نفس المعنى الإشتقاقي العبري؟ ربما نعم إذ لا علم لي بالعبرية ولكنه مجرد فرض كون أن العربية والعبرية تنتميان لنفس الشجرة اللغوية وهي شجرة اللغات السامية فتتشابه لذلك مشتقاتهما في بعض الأحيان.

[3] لم يرد لفظ (عزرائيل) كذلك في القرآن الكريم، وقد ذكر السندي ـ في حاشيته على سنن النسائي ـ ما يلي: ورد عن وهب بن منبه أن اسمه عزرائيل رواه أبو الشيخ في العظمة ذكره السيوطي. ولعل ذلك من الإسرائليات أيضا فوهب بن منبه كان يهوديا روي أنه أسلم. إضافة لهذا أخرج المتقي الهندي في كنز العمال ـ من مظان الضعيف والشديد الضعف ـ أن رسول الله  صلوات الله عليه قال: … حدثني جبرئيل فقال: … حدثني ميكائيل وقال: … حدثني عزرائيل وقال: أشهد بالله وأشهد لله أن الله تعالى قال: (مدمن خمر كعابد وثن). وأخرج إبن حجر في “الأجوبة” ما يلي: سأل إبراهيم عليه السلام ملك الموت واسمه عزرائيل ، وله عينان : عين في وجهه ، وعين في قفاه ، فقال : يا ملك الموت ، ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب ، ووقع الوباء بأرض ، أو التقى الزحفان كيف تصنع ؟ قال : أدعو الأرواح بإذن الله ، فتكون بين أصبعي هاتين ، قال : ورحيت له الأرض فيركب مثل الطست يتناول منها حيث شاء. قال الألباني عن إسناد تلك الرواية: معضل. أقول: هذا من الإسرائيليات كذلك. المهم أن ذلك الإسم ـ في التراث الشعبي ـ علم على الملك الموكل بقبض الأرواح، ولم يطلق عليه القرآن سوى وصف “ملك الموت”:

(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة : 11)

تحياتي

الحسيني

 

 

 

Published in: on أغسطس 6, 2008 at 6:29 م  اكتب تعليقُا  

رؤية جديدة في تفسير سورة الروم

(الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ. وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم : 1 – 6)

أولا: من روايات أسباب النزول
أخرج الترمذي في سننه من رواية نيار بن مكرم الأسلمي: لما نزلت {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذلك قول الله تعالى {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين قال فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين قال: لأن الله تعالى قال: {في بضع سنين} قال : وأسلم عند ذلك ناس كثير. (قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن)

وأخرج الترمذي في سننه من رواية عبدالله بن عباس في قول الله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} قال: … كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل الأوثان وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنهم سيغلبون فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجلا خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا جعلته إلى دون قال: أراه العشر قال: قال سعيد: والبضع ما دون العشر قال ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله تعالى {الم غلبت الروم} إلى قوله {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} قال سفيان سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. (قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح).

ثانيا: تعليق وجيز على الروايتين
لن أتعرض الآن لأسانيد تلك الروايتين وغيرهما ولا لاضطراب متنيهما ولكني سآخذهما كما رواهما أهل الحديث في كتبهم فأقول: تثير تلك الروايات إشكالين عقديين خطيرين، أولهما: من المعلوم أن الحرب بين فارس وبيزنطة كانت حربا بين أمتين وثنيتين، أمة تعبد النار والأوثان، وأمة تعبد الصليب والأيقونات. ويحدثنا التاريخ أن أول ما فعله البيزنطيون بعد ظهورهم على الفرس هو إعادة الصليب الضخم المقدس لديهم إلى بيت المقدس ورفعه وإعلاءه كما كان قبل هزيمتهم، فهل من المعقول أن يفرح المسلمون الموحدون ويهللون لانتصار أهل الصليب الوثنيين على وثنيين أمثالهم؟ أقول: غير معقول، ومن ظن بالمسلمين هكذا فهو مخطئ، فإن أصر على ظنه الخاطئ ذاك فهو آثم، فإن استمر على إثمه فهو مرتكب لكبيرة قلبية وعقدية يخشى عليه منها. ثانيهما: إذا كان ذلك الإنتصار المزعوم سيتحقق مستقبلا بناء على علم سابق ـ كما يزعم الجبريون وهم جميع القائلين بالعلم السابق ـ فإن هذا هو عين الجبر الذي غشانا به أهل الرويات في مروياتهم. هذان هما الإشكالان العقديان الرئيسيان الواردان في متني الروايتين وغيرهما، والإشكال الأول أخطر من الثاني، لكون الأول يتعلق بأصل (التوحيد)، والثاني يتعلق بأصل (العدل)، والتوحيد مقدم بطبيعة الحال على العدل.

ثالثا: من هم الروم؟
يزعم أهل الأخبار والإخبار أن الروم المقصودين في صدر الآية الشريفة هم أهل القسطنطينية وهذا خطأ تاريخي فادح، لأن الروم أي الرومان كانوا أهل روما عاصمة إيطاليا، بينما كانت القسطنطينية عاصمة للدولة البيزنطية، فالمسيحية قد انقسمت في ذلك العصر إلى دولتين: رومانية (لاتينية) غربية وعاصمتها روما، وبيزنطية شرقية وعاصمتها القسطنطينية (في تركيا حاليا). فلم تكن الإمبراطورية الرومية قط متاخمة لبلاد العرب، وإنما الدولة التي كانت متاخمة لبلاد العرب هي الدولة البيزنطية، وعلى هذا فلو كانوا هم المقصودين بالآيات لقيل: (غلبت بيزنطة …) ولم يقال: (غلبت الروم …). أما والحال هكذا فمن هم (الروم) المشار إليهم في صدر الآيات؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نرجع للجذر اللساني لكلمة (ر / و / م) حيث لها مصدران إشتقاقيان هما:

(1) رام / يروم / رَوْما أي: طلب الشيئ.

(2) رام / يريم / رَيْما: أي ثبت في مكانه.

إن الروم المقصودين في تلك الآيات الكريمات ليسوا (البيزنطيين) ولا حتى (الرومان) ولكنهم تلك الثلة المستضعفة في الأرض، المهيضة الجناح، الثابتة على الحق وهم أتباع نبي الهدى محمد صلوات الله عليه من مسلمي مكة الأوائل، الذين طلبوا الحق وحثوا واجتهدوا في ذلك في ثبات لا زحزحة فيه، لكن أهل الأوثان والأصنام من مشركي مكة غلبوهم على الحق لكثرة عدتهم وعددهم، وضخامة قوتهم، ومساندة وثنيي فارس ووثنيي بيزنطة لهم، فجاءت الآيات الكريمة ناطقة ومخبرة بحال تلك الثلة المؤمنة: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ …) (الروم : 1 – 3) ثم حملت بشارة إلهية لهم بنصر قريب: (… وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ…) (الروم : 3 – 4) بلطف من الله وتوفيق وهو ما تحقق فعلا في انتصار المسلمين ببدر بعد الهجرة إلى يثرب.

رابعا: هل تم النصر بناء على العلم السابق؟
المستقبل معدوم، والمعدوم لا كينونة له في حيز الوجود حتى يتعلق به علم أو جهل. لقد نصر الله تعالى الروم المسلمين المستضعفين ببدر وهم أذلة بما أنزله الله من ألطاف ملكوتية استحقها المؤمنون لإيمانهم بتوحيد الله وعدله. يخبر الله سبحانه عن تلك الألطاف الملكوتية بقوله:

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران : 123 – 126)

لدينا بالتالي العناصر التالية، أولا: اللطف الإلهي الذي تمثل في مدد ملكوتي بآلاف من الملائكة. ثانيا: استحقاق المسلمين لتلك الألطاف الملكوتية لإيمانهم الحق بالله وحده. ثالثا: وعد من الله بالنصر بشرى للمؤمنين.

الخلاصة

 

تخبر الآيات الأولى لسورة الروم بحال المسلمين الأوائل من حيث غلبة المشركين عليهم، واستضعافهم، ومحاولات إذلالهم، فجاءتهم بشرى صادقة من الله بنصر قريب يمثل وعدا إلهيا لهم ثوابا لهم ومكافأة على إيمانهم شريطة استمرارهم على هذا الحال وأخذ العدة والإستعداد بطلب الأسباب الكونية والتكوينية. ليس للسورة الكريمة أي علاقة بالرومان الوثنين أصحاب روما، ولا بالبيزنطيين المشركين أصحاب القسطنطينية وإنما تدور الآيات حول وضع داخلي في مكة وتحديدا حول وضع المسلمين المستضعفين في أدنى الأرض ووعد الله لهم بنصر قريب وهذا ما كان ولله الحمد والمنة، وبذلك يتم نسف الإشكالين الذين تسبب في وجودهما خرافات مرويات لأناس يهرفون بما لا يعرفون، وضعها الوضاعون ونسبوها لنبي الهدى وصحبه الكريم وهم منها جميعا براء والحمد لله رب العالمين.

الحسيني

Published in: on مايو 5, 2008 at 8:46 ص  اكتب تعليقُا  

مفهوم الصلاة على نبي الهدى

ينقسم المسلمون إزاء “مناسبة” مولد نبي الهدى إلى قسمين رئيسيين أولهما: قسم مُفرِّط يغالي في تجاهل هذه المناسبة العطرة بل ربما يحارب من ذكرها مستترا بشعار “قمع البدعة” وثانيهما: قسم مُفرِط يغالي في الاحتفال بهذه المناسبة العطرة بل ربما يخصها ببعض صور التعبد الوارد بشأنها مرويات ضعيفة. ولما كان خير الأمور أوسطها فإننا نرى أن الصواب يقع في منطقة متزنة بين الاتجاهين السالفين. إن المسلم الملتزم يردد “الصلاة” على رسول الله خمس مرات حين يسمع قول المؤذن داعيا: أشهد أن محمدا رسول الله، كما يرددها خمس مرات على الأقل في تشهده بالصلوات الابراهيمية وبذلك نجد حضورا متميزا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم وليلة ومع ذلك فإن معظم المسلمين أبعد ما يكونوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا؟ لأن حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يرد – غالبا – على اللسان ولكنه يغيب – غالبا – عن الجوارح والفؤاد والجنان. لذلك فإني أرى ضرورة استثمار مناسبة ذكرى مولده الشريف لتكون مناسبة لتأكيد الولاء له والاقتداء به بصفته رسول الله. بهذه المناسبة أود التذكير بمفهوم الصلاة على رسول الله كما أراه. يقول الله سبحانه في الكتاب:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب : 56)
إن الله سبحانه يأمرنا من خلال ذلك البلاغ القرآني بالصلاة على النبي الأكرم فكيف نصلي عليه؟

تدل مادة (ص / ل / ى) في القرآن الكريم على المحافظة على بعد هام جدا من أبعاد العلاقات وهو بعد “الصلة”. من مشتقات هذه المادة كلمات شهيرة مثل: صلاة ـ صلات ـ صلوات ـ تواصل ـ … الخ. جميع تلك الكلمات وغيرها تشترك في الجذر الثلاثي “ص / ل / ى”. يقول الله تعالى:

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة : 103)

يأمر الله تعالى نبيه الكريم سلام الله عليه أن يكون على “صلة” بالمؤمنين بمعنى أن يتواصل معهم في إطار العمل الدعوي الرسالي وألا تكون علاقته بهم مجرد علاقة مبلغ ـ متلقي بل علاقة أكثر حميمية ودفء في إطار الإخوة والرحمة بين المؤمنين. هذا البعد الدعوي الهام “التواصل” يبعث في قلوب المؤمنين السكون والسكينة. جدير بالذكر أن الشعائر التعبدية المكتوبة سميت “صلاة” لأنها “صلة” و “تواصل” مع الله تعالى. الله تعالى والملائكة يصلون على النبي أي يحافظون على “التواصل” معه وكذلك يجب على المؤمنين “التواصل” مع النبي حيا وميتا. ويكون التواصل معه ميتا بالمحافظة على رسالته والتواصل معها ورعايتها والرقابة عليها حتى لا يحرف منها أي محرف. يصلي الله على المؤمنين بأن يتواصل معهم أي يوصل إليهم ألطافه وتوفيقاته وسكينته ورحمته وثوابه ليخرجهم من الظلمات إلى النور لما رأى منهم الإيمان. صلاة الله على المؤمنين هي صلة مليئة بالرحمة واللطف وهداية المزيد للذين أحسنوا الصلاة والصلة والتواصل مع الله تعالى.

إن الله سبحانه لا يأمرنا بالصلاة لـ النبي ولكنه يأمرنا بالصلاة على النبي وهناك فارق كبير بين الصلاتين واللتين: أما اللام فهي حرف يدل ـ في هذا المقام ـ على الاختصاص. ولما كانت الصلاة شعيرة تعبدية لزم أن نخص بها الله معبودنا وحده سبحانه وتعالى. أما حرف “على” فهو يدل على العلو والارتفاع بما يحقق الشمولية والإحاطة. لدينا هنا ثلاثة مستويات للصلاة على النبي:

[1] صلاة الله سبحانه على النبي بمعنى صلة الله سبحانه بالنبي وتواصله معه من خلال الوحي.

[2] صلاة الملائكة على النبي بمعنى صلة الملائكة بالنبي وتواصلهم معه من خلال نقل الوحي اليه.

[3] صلاة الذين آمنوا على النبي بمعنى صلتهم بالنبي وتواصلهم معه من خلال الاقتداء به.

إن لفظ “على” يوحي وكأن المؤمن يرقب بمجهر دقيق من عل حياة النبي وسلوكه ويحلله للوقوف على كل ما يصح الاقتداء والتأسي به من حياته، لذلك فهي صلة علوية أي إحاطية بدقائق حياته الرسالية لنتخذها منهجا لحياتنا بتوفيق الله.

أكتفي بهذا القدر من خاطرتي حول مفهوم الصلاة على النبي الأكرم.

والسلام

الحسيني

 

 

 

 

 

Published in: on أبريل 12, 2008 at 5:32 م  اكتب تعليقُا  

دروس وعبر من حياة موسى عليه السلام

[1]
موقف طريف و درس حصيف

من المواقف الطريفة التي ربما تدعو للبسمة أحيانا هو التصور أو التخيل الذهني لذلك الموقف حينما رجع نبي الله موسى عليه السلام إلى قومه غضبان أسفا، بعد أن أضلهم السامري، فكان أول ما فعله هو أنه هجم على أخيه هارون عليه السلام وجذبه من لحيته ورأسه جذبا. لقد كان موسى عليه السلام يتميز بقوة جسدية كبيرة ومما لا شك فيه أنه أوجع أخاه وجعا كبيرا حينما فعل ذلك. حينما استحضر ذلك المثل الإيماني المخلص – ما فعله موسى عليه السلام بأخيه هارون عليه السلام وهو الغضب غيرة على الإسلام – أحدث نفسي قائلا: لو أنني التقيت بموسى عليه السلام في الآخرة ـ أسأل الله سبحانه أن يجمعنا به وبنبينا في مكان واحد في مستقر رحمته آمين ـ لقلت له: لقد كنت حقا مثلا أعلى في الإيمان وفي الغيرة على الشريعة الغراء حتى وإن آلمت تلك الغيرة الإيمانية الرائعة أحب الناس إليك لبرهة وجيزة. ولو التقيت بهارون عليه السلام لقلت له: لقد أخلصت نصحك لبني اسرائيل وأديت رسالتك أكمل أداء.

يقول الله سبحانه في تصوير تلك الواقعة ما يلي من كريم الآيات (طه : 83 – 98):

(وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى)؟

(قَالَ: هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)

(قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [فتنا: امتحنا]

(فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا …)

(قَالَ: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا)؟

(أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي)؟

(قَالُوا: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)

(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا. وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى).

(قَالَ: يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا …)؟

(… أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)؟

(قَالَ: يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)

هنا أتوقف لأقول: لم يقصر هارون عليه السلام في الدعوة، وهذا ما أثبته القرآن على لسانه: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) ولم يكن يقدر أن يفعل أكثر من ذلك خشية حدوث فتنة داخلية فرأى الانتظار حتى يرجع موسى من ميقات ربه: (… إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي). وبعد أن فرغ موسى من (الراعي) التفت الى (الرعية) وكأنه يعلمنا وجوب مساءلة الحاكم ومحاسبته قبل مساءلة الشعب. بدأ موسى باستجواب رأس الفتنة:

(قَالَ: فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)؟

(قَالَ: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)

(قَالَ: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)

إذا هناك درس في السياسة الشرعية يتجلى في هذه الواقعة:

– وجود قائد (موسى) ووجود نائب له (هارون) فإن غاب القائد لسبب يتولى النائب تسيير المصالح العامة لحين عودة القائد.

– محاسبة المسؤل الأعلى لأنه صاحب الأمر والنهي ثم مساءلة المتهمين. لقد أخبر الله سبحانه نبيه موسى قائلا: ( … وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) وفي هذا دليل الإدانة اليقيني، إلا أنه بالرغم من ذلك لابد من مساءلة المتهمين وتوفير محاكمة عادلة لهم ومنحهم فرصة الدفاع فإن أقروا بذنبهم عوقبوا).

– اعادة الأمر إلى نصابه وإعلان التوحيد لله المجيد:

(إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).

في كل مرة يطالع فيها المرء سيرة موسى عليه السلام يجد فيها معاني كثيرة جدا منها معاني الرجولة والبطولة والفداء والشجاعة والوضوح والاستقامة والقوامة والشهامة إضافة لمعاني الحب والرحمة والحنان والصبر. إن موسى عليه السلام كإبيه إبراهيم كان أمة ولم يكن فردا، ونتعلم منه كل يوم درس مجيد.

سلام على موسى رسول الله

سلام عليه في الخالدين

سلام عليه في الصالحين

سلام عليه في المقربين

سلام على موسى وهارون.


[2]

عجل السامري

يقول الله سبحانه مخبرا حكاية قوم موسى عليه السلام: (… حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) (طه : 87)ثم يقول: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (طه : 88)، ويقول في موضع آخر: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) (الأعراف : 148). ألقى السامري إلى بعض بني إسرائيل ـ في فترة غياب موسى ـ أن انبذوا حليكم مما حملتموه من زينة القوم ففعلوا. كان السامري فيما أظن من ذوي البصائر فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية، ولعله تعلم ذلك في مصر أو في حضارته التي انحدر منها. لذلك يقول الله على لسانه: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ …) (طه : 96) أي أنه كان ذا علم في مجال لم يبرع فيه بنو إسرائيل وهو مجال الصناعات اليدوية والتقنية والفيزياء – وفق السقف العلمي لذلك العصر – فعمد للحلي فصهرها ثم قام بتشكيلها على صورة عجل ـ يبدو أنه جعله مجوفا وكثير التلافيف والالتواءات – ثم قال وأتباعه لبني إسرائيل كما أخبر الله عنهم: (… فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى …) (طه : 88).

خوار العجل
لم يكن خوار ذلك العجل إلا من جنس الصدى الصوتي Echo، فالسامري ـ كما أشرت ـ كان بارعا في الفيزياء والصناعة فجعل الزينة عجلا ذهبيا أي قام بتغيير صيرورتها الشكلية من صورة الخواتيم والأساور والخلاخيل والسلاسل وما إلى ذلك من صور المصنوعات الذهبية إلى صورة عجل أجوف ذي التواءات بحيث يرجع صدى أي صوت، فلو صاح أحد قائلا مثلا “هالووو” لردد نفس الصوت بفعل الصدى، ولو قلد أحد خوار العجول مثلا لردد نفس صوت الخوار بفعل الصدى، وهي ظاهرة فيزيائية كان السامري يعلم أسرارها جيدا بينما يجهلها بنو اسرائيل. يبدو أن بني إسرائيل فتنوا بصوت الخوار الناتج عن ظاهرة الصدى، فلم ينتبهوا إلى أن العجل الذهبي “يردد” الصوت لكنه “لا يحاور”، بمعنى لو صحت مثلا قائلا: من أنت؟ لردد الصدى صوتك في التواءات العجل الذهبي المجوف بنفس الطريقة: من أنت .. من أنت .. من أنت … وهكذا، إلا أنه لن يجيب أبدا لأنه جماد، لذلك ينبه الله تعالى على ذلك بالقول: (… أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) (الأعراف : 148).

موقف هارون عليه السلام
لم يقصر هارون عليه السلام في دوره الرسالي بل عارض ذلك الشرك وتصدى للذين أشركوا بحزم سجله القرآن بدقة تامة ليكون شاهدا ببراءة هارون عليه السلام: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طه : 90)، إلا أنهم استضعفوه وكادوا يقتلوه، وهذا ما سجله القرآن أيضا: (… إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي …) (الأعراف : 150).

ورجع موسى عليه السلام
قال الله تعالى لموسى مخبرا إياه بما فعله السامري: (قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (طه : 85) [فتنا: امتحنا] فرجع لقومه غضبان أسفا، وألقى الألواح: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ …) (الأعراف : 150)، واتجه لهارون ـ خليفته على قومه ـ ولم تكن عنده معطيات نصح هارون قومه وتصديه لفعلتهم الشنعاء فانقض بقبضته الفولاذية التي لو وكز بها أحدا لصرعه قتيلا، انقض على هارون وهو بتلك الحالة من فورة الغضب ـ لله سبحانه وليس لمصلحة شخصية ـ وجرجره من رأسه: (… وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ …) (الأعراف : 150). لكن عندما استمع موسى للمعطيات التي أخبره بها هارون عليه السلام ورجاء أخيه له: (… قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف : 150) حينئذ هدأت سورة الغضب لما علم بعدم تقصير أخيه في الرسالة فاستغفر الله لنفسه ولأخيه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف : 151). وبعد استجواب السامري واقراره بالذنب عاقبه موسى ونسف إلهه الشركي في اليم نسفا، بعد ذلك كله، هدأت نفس موسى الأبية فأخذ الألواح التي ألقاها في أثناء غضبه: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الأعراف : 154)، تلك الألواح التي قال الله عنها من قبل: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف : 145).

سلام على موسى في الخالدين

سلام على موسى وهارون


[3]

طريق موسى إلى النبوة

النبوة بين الإحقاق والاستحقاق
تتعدد الطرق إلى النبوة، فهناك الإحقاق، ويكون عن طريق الاصطناع أو غيره، وهناك الاستحقاق، ويكون عن طريق الإصطفاء أوالاختيار أو الانتقاء. أما (الاصطناع) فمعناه إرادة الله تكليف إنسان ما لصلاح في اسرته مثلا، كإحقاق نبوة عيسى بن مريم ومن قبله نبوة أمه مريم عليهما السلام لصلاح في آل عمران، أو كإحقاق نبوة موسى عليه السلام لصلاح ما في أسلافه أو لسبب آخر. الإحقاق هنا معناه إرادة الله أن يخلق إنسانا مستحقا للنبوة وتكون لعلة ما ظاهرة كصلاح الأسرة أو غير ظاهرة لا يعلمها إلا الله، والإحقاق نوع من اللطف. في هذا الإطار يبين لنا الباري سبحانه في الكتاب كيف أن صلاح الآباء قد ينعكس أثره على الأبناء فيقول: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ …) (الكهف : 82). أبو الغلامين كان صالحا فلطف الله سبحانه بولديه حتى بلغا أشدهما واستخرجا كنزهما. ويقول أيضا: (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ) (الرعد : 22 – 23) وهكذا يحدث إحقاق للصالحين بصلاح آبائهم وذويهم.

وفيما يتعلق بالنبوة يقول الباري سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران : 33)، فعمران عليه السلام كان صالحا، وكانت امرأته صالحة، فجعل الله سبحانه نبوة في ذريته، جعل ابنته مريم عليها السلام من الأنبياء، وجعل ابن مريم عليهما السلام من الأنبياء. وإبراهيم عليه السلام كان صالحا، بل كان صديقا نبيا، فجعل الله سبحانه نبوة في ذريته، ومن ذريته موسى عليه السلام. أما الاستحقاق فمعناه أن يصل الإنسان بعبادته واخلاصه ـ دون أن تخطر فكرة النبوة عليه ودون أن يرجوها ـ إلى منهى الصفاء أو منتهى الخير أو منتهى النقاء. فأما (الإصطفاء) فمعناه تكليف الأصفى أي الأكثر صفاء، وأما (الاختيار) فمعناه تكليف الأَخْيَر أي الأكثر خيرا، وأما (الإنتقاء) فمعناه تكليف الأنقى أي الأكثر نقاء. ولعل نبوة إبراهيم عليه السلام أو عمران أو غيرهما كانت من نوع (الاستحقاق) اصطفاءا أو اختيارا أو انتقاءا.

إرهاصات النبوة
يقول الله سبحانه: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى. وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (طه : 38 – 41)

ويقول الله سبحانه كذلك: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص : 7 – 13)

كانت نشأة موسى عليه السلام في قصر فرعون آية كبرى، ففرعون علا في الأرض، وقسم أهلها شيعا، واستضعف بني اسرائيل، يذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم. أما موسى وكان من أبناء بني إسرائيل فلم يطله فرعون بأذى ولكن العكس تعهده بالحماية. إلقاء المحبة على موسى عليه السلام هو نوع من اللطف، وكل ذلك يدخل في باب الإصطناع.

ولتصنع على عيني
لفظ (عين) ولفظ (عون) يشتركان في نفس الحروف وبالترتيب، العين، ثم حرف العلة، ثم النون. وتم استخدام لفظ (عين) بدلا من لفظ (عون) للدلالة على فيض ذلك العون، فالياء أكثر حروف العلة إنسيابية وليونه وسهوله في الخروج من مخرجها، وهي تدل بذلك على سيولة عون الله سبحانه لموسى عليه السلام. فكأن عون الله لموسى يسيل سيلا ويفيض فيضا، وهذا ما نلاحظه من خلال الألطاف الكثيرة التي حفت بموسى بدءا بالإيحاء لأمه، مرورا بسلامته أثناء رحلة التابوت في اليم، مرورا برضاء آل فرعون عنه وقبوله وحبه ثم اعادته لأمه كي تكون له ظئرا انتهاءا بنشأته معززا مكرما في القصر الفرعوني. يدل لفظ (عين) من الناحية اللسانية على سيولة وفيضان العون، والعون هو العناية والاعتناء، فكلها ألفاظ تعود لجذر واحد يدل على الإحاطة والرعاية الشاملة التي تدل على عظيم اصطناع الله. ولفظ (اصطناع) يدل على (الصنيع) وهو اسداء الشيئ، أي أن الله أسدى لموسى عليه السلام معروفا جليلا برعايته وعنايته وإعانته التي سالت سيلا وفاضت فيضا حتى غرق ذلك القلب الطاهر فيها، غرق في فيوضات من العناية الربانية، وسيولات من الرعاية الإلهية حتى شب الرضيع عن الطوق واستوى فآتاه الله حكما وعلما:

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص : 14).


[4]

هل إحقاق النبوة يتعارض مع الإختيار؟

علمنا مما سبق أن النبوة تكون بـ (الإحقاق) كما تكون بـ (الاستحقاق). ربما يكون تصور عدم التعارض بين (الاستحقاق) و (الاختيار) أي خلق العباد لأفعالهم الاختيارية واضحا في الأذهان، لأن (مرشح) النبوة يخلق فعل النبوة بإرادته بمعنى أنه يصل لمقام النبوة بالاجتهاد الذاتي والاخلاص والورع والتقوى وغير ذلك من الأفعال الاختيارية. لكن تصور عدم التعارض بين (الإحقاق) و (الاختيار) ليس بنفس الدرجة من الوضوح. قد يقول قائل مثلا إن مبدأ (الإحقاق) أي جعل النبوة مستحقة لشخص ما في مهده أو قبل مولده يؤدي للقول بالجبر وهذا خطأ. سبب هذا الخطأ عدم وضوح مفهوم الاحقاق في الأذهان.

إن إحقاق النبوة هو نوع من اللطف الإلهي، واللطف الإلهي يرتبط إلى حد كبير بالاستحقاق، فكأن التكليف بالنبوة هو نوع من الاستحقاق، لكن لعلة ليست ذاتية للنبي ـ في بادئ الأمر ـ ولكن لعلة أخرى كصلاح أبويه. اللطف معناه تهيئة الظروف المحيطة بالفعل لكن إحداث الفعل يبقى في النهاية في يد الفاعل نفسه. فالأب مثلا قد يهيئ لابنه ظروف الزواج بأن يؤسس له شقة الزوجية، وييسر له سبل الحصول على عمل ما ينفق منه، ويعينه في اختيار الفتاة الصالحة، لكنه لا يجبر ابنه على الزواج بعد كل هذا فيبقى قرار الزواج بيد الإبن. لطف الله لا يعني إذن خلق فعل ما، ولكنه يعني “تهيئة” الأجواء التي إن أحدث الفاعل فعله في ظلها ربح وإن لم يستثمرها فلم يحدث فعله خسر. هناك مثل ألماني شهير أترجمه فيما يلي: (إنك قد تقرر إحضار الماء للحصان، لكن الحصان هو الذي يقرر هل يشرب أم لا). صاحب الحصان قد يحضر للحصان الطعام والشراب وهذا لطف وهو فعل لصاحب الحصان. أما قرار الإقبال على الطعام والشراب أم الإدبار عنهما فهو فعل للحصان نفسه وليس لصاحبه. أقول بعد ذكر المثالين السابقين ـ ولله المثل الأعلى ـ إن الله تعالى أحدث لطفا تجلى مظهره في الرعاية التامة لموسى عليه السلام إلى أن يصل لمرحلة التكليف، فإن وصل لمرحلة التكليف فإن التحكم في النبوة ينتقل من مرحلة (الإحقاق) إلى مرحلة (الاستحقاق). إحقاق النبوة هو إذن بمثابة تهيئة وإعداد لقرار الإنسان بأن يصل بفعله لمقام النبوة أي يصير مستحقا لها. لذلك يقول الله تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام:

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص : 14)

حيث يدلنا على أمور هامة جدا. أما قوله تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) فيدل على أن الله سبحانه منحه (حكما) و(علما) – حينما وصل لمرحلة التكليف واشتد عوده – أي أصبح مرجعا وعالما من لدن الله تعالى وليس ذلك سوى إعلان نبوة موسى عليه السلام. أما قوله تعالى (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) فيدل على أمرين أولهما: أن موسى عليه السلام كان من المحسنين، والإحسان فعل اختياري وليس اضطراري. ثانيهما: أن إيتاءه النبوة ـ الحكم والعلم ـ هو جزاء ذلك الإحسان. أي أن نبوة موسى مرت بمرحلتين: (المرحلة التمهيدية) وهي مرحلة الإحقاق بلطف من الله لعلة ما كصلاح أم موسى وأبيه مثلا ثم جاءت (المرحلة النهائية) وهي مرحلة الاستحقاق لكونه من المحسنين. المرحلة الأولى يمكن تشبيهها بإحضار الطعام للطاعم والمرحلة الثانية بمثابة تناول الطعام من قبل الطاعم. أي أن موسى عليه السلام قدم خلال تلك الفترة مسوغات تعيينه في منصب النبوة. لم تكن تلك المسوغات سوى الصلاح والتقوى والإحسان وعدم رجاء النبوة. رجاء النبوة معناه عدم الإخلاص في الفعل لكن تمام الإخلاص يتحقق بعدم رجاء النبوة. هب أن موسى عليه السلام لم يقدم حيثيات ومبررات استحقاقه للنبوة. في هذه الحالة ما كانت تنفعه الإرهاصات الأولى للنبوة. لذلك يقول الله تعالى عن شخص ما لم يسمه أتته آيات الله فانسلخ منها:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف : 175)

فيدل قوله تعالى (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) على إيتاء ذلك الشخص لطفا من الله بالنبوة. نلاحظ أنه قال (آتيناه) ولم يقل (أتته). لو أنه قال: (أتته آياتنا) لقلنا أنه كبقية البشر، فنحن جميعا أتتنا آيات الله، فالشمس مثلا آية من آيات الله، وعجائب التكوين الفسيولوجي للإنسان مثلا آية من آيات الله، وهكذا، لكنه قال (آتيناه) بما يدل على أنه ليس إنسانا عاديا بل مرشحا لمنصبا ساميا هو منصب النبوة فماذا فعل؟ يقول الله تعالى: (فَانسَلَخَ مِنْهَا …) أي أننا هنا أمام النموذج العكسي لنموذج موسى عليه السلام، فموسى عليه السلام آتاه الله آيات ذكرنا بعضا منها في مقدمة البحث، لكنه قبلها فصار من المحسنين المستحقين لمقام النبوة. أما هذا الشخص المجهول فقد انسلخ من آيات الله أي رفض ألطاف الله أي أن قرر عدم استحقاقه لمنصب النبوة. لو اتبع تلك الآيات لأصبح مستحقا لكنه انسلخ منها (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ).

وإذ كان سؤال البدء في مبحثنا اليوم هو: هل إحقاق النبوة يتعارض مع الإختيار؟ فأرجو أن تكون الإجابة الآن واضحة في الأذهان وهي لا تعارض بين إحقاق النبوة والإختيار لأن إحقاق النبوة يمثل مرحلة تمهيدية على طريق استحقاق النبوة أما استحقاق النبوة نفسه فيكون بفعل إختياري حر قد يفعله المرشح فيستحق حينئذ النبوة وقد لا يفعله فيسقط عندئذ إحقاق النبوة واستحقاقها.

سلام على مستحق النبوة من رب العالمين

سلام على موسى في المحسنين

الحسيني

Published in: on يناير 5, 2008 at 1:02 م  اكتب تعليقُا  

من قتل يوحنا المعمدان؟

ولكن … من قال إنه قُتِلَ من الأصل؟

“يوحنا المعمدان” تسمية يسمي بها أهل العهد الجديد Neues Testament نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام وذلك لتعميده أتباعه وغسلهم بماء نهر الأردن. يصف مَتَّى الإنجيلي يحيى عليه السلام بما يدل على زهده وتقشفه: أما لباسه فكان (مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ) (مَتَّى : 3 : 4)، وأما طعامه فكان (جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا) (مَتَّى : 3 : 4)، وأما صفته في سفر اشعياء فهي (صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً) (مَتَّى : 3 : 3). أما صفته في الكتاب المبين فقد أخبرنا الله عنها بقوله سبحانه: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران : 39) وغير ذلك من الصفات الرائعة فسلام على يحيى في العالمين.

الزعم بقتل يحيى عليه السلام
يقال أن الملك هيرودس كانت له ابنة أخ حسناء فأراد أن يستنكحها، وكانت ـ وكذلك أمها ـ توافق على ذلك وتطلبه. كان القراءون من اليهود لا يرون بأسا في ذلك الزواج ولا يعتبرونه محرما في الشريعة الموسوية، بينما وقف الربانيون من اليهود ضد ذلك الزواج وعلى رأسهم يحيى عليه السلام كبير معلمي الشريعة ومرجعها وعارضه معارضة شديدة. بعد إحدى الرقصات ذات الإيحاءات الجنسية قامت بها سالومي في قصر عمها طلبت منه أن يكون مهرها هو رأس يوحنا المعمدان، فوافق على طلبها وزعموا أنه كان لها ما طلبت، فتم تقديم رأس يوحنا المعمدان لها على طبق من فضة كما تبين هذه اللوحة مثلا:

http://www.uni-leipzig.de/ru/bilder/joh…brit01.jpg

وهكذا تم التخلص من زعيم الربانيين الرافضين لذلك النكاح المحرم وهو أن ينكح الرجل ابنة أخيه. إنها بالفعل قصة مؤثرة وقد صورها الرسامون بطريقة شديدة الإيحاء. لكن ما مدى صحة تلك القصة؟ أو على الأقل ما مدى صحة زعم قتل يحيى عليه السلام سواء أكان بسبب معارضته لذلك النكاح المحرم أم لسبب آخر؟ لنستجلي آيات الذكر الحكيم للوقوف على إجابة نطمئن إليها.

هل قُتِلَ يحيى أم مات؟
يفرق القرآن الكريم بين صورتين من صور الوفاة: الوفاة بالموت وهي الوفاة الطبيعية، والوفاة بالقتل وهي الوفاة الغير طبيعية. لذلك يقول الحق سبحانه في الكتاب: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ …) (آل عمران : 144) حيث فرق بين (القتل) و(الموت). إذا رجعنا مرة أخرى لدراسة الأخبار عن يحيى عليه السلام في الكتاب فإننا نقرأ ـ ضمن ما نقرأ ـ قول الله تعالى مخبرا عن يحيى عليه السلام: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم : 12 – 15) والشاهد فيه قوله تعالى ـ والذي نزل بعد أكثر من خمسة أو ستة قرون على وفاة يحيى عليه السلام: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) والتركيز فيه على (وَيَوْمَ يَمُوتُ) ربط ذلك بقوله تعالى (سَلامٌ عَلَيْهِ) بما يوحي بأمرين، أولهما: أن يحيى عليه السلام توفي وفاة طبيعية بالموت وليس بالقتل. ثانيهما: أنه مات في حالة سلام وبسلام. من خلال استنطاقنا لآيات الكتاب المبين نطمئن إلى أن يحيى عليه السلام مات ولم يقتل ومن ثم فإننا نرفض تلك الأقاصيص والأساطير والأعمال الفنية التي تزعم قتل يحيى عليه السلام.


(… سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران : 39)

يحيى النبي الصالح والعبد الرباني
ميز الله سبحانه عبده يحيى بن زكريا عليهما السلام بمميزات رائعة تبعث في العقل والقلب تيارا من المحبة والاحترام والتبجيل لذلك السيد الجليل سلام الله عليه في الخالدين. من هذه المميزات في قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم : 12 – 15) أن الله سبحانه (آتاه الحكم صبيا) أي أنه وصل لمرحلة الحاكمية الشرعية / المرجعية الشرعية وهو في سن الصبا. يقول الله سبحانه عن تلك (الحاكمية) ما يلي: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء …) (المائدة : 44). فالله سبحانه وتعالى أنزل التوراة على واحد من خيرة المرسلين على الإطلاق، وهو عميد أنبياء بني إسرائيل، وجبل الشريعة ومرجعها وأستاذها، الجبل الأشم والبحر الخضم موسى عليه الصلاة والسلام. أنزلها وفيها هدى ونور ليسير عليها بنو إسرائيل وكان موسى عليه السلام يحكم بها ما حيا، وبعد موته انتقلت الحاكمية إلى النبيين الذين ساروا على هدي إمامهم عليه السلام في الحكم بالشريعة. استمر الأمر هكذا إلى أن وصلت تلك الحاكمية لنبي لم يجتز مرحلة الصبا إلا بعد أن أصبح حاكما بالتوراة ومرجعا إليها ومستفتى فيها ومن حكمائها ومحكميها وهو في تلك السن المبكرة … ذلكم هو يحيى بن زكريا عليهما السلام. إضافة لذلك الجانب النبوي والحاكمي والفكري في شخصية يحيى عليه السلام ميزه الله سبحانه بفيوضات ربانية قدسية، حيث آتاه (… حَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) فسلام الله عليه في الصالحين.

يحيى السيد والحصور
أما لفظ (سيدا) فيدل على السؤدد والسادة وهو الشرف والرئاسة القائمة على نبل الأصل وطيب المنبع ورفعة السلوك وعلو الأخلاق. وأما لفظ (حصورا) على وزن فعولا للمبالغة في (الحصر). يدل مفهوم (حصر) في لسان القرآن على معنى (الإحاطة) بالشيئ، ومنه قوله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ …) (البقرة : 196) أي: فإن أحيط بكم، بمعنى فإن أحاط بكم مرض أو عدو بعد أن شرعتم بالإحرام، فما استيسر من الهدي. فكلمات مثل: حصر، حصار، محصور، … الخ تدل كلها على معنى واحد أصيل هو الإحاطة. لذلك وصف الله سبحانه عبده يحيى عليه السلام بكونه (حصورا) بعد وصفه بكونه (سيدا) فعطف الأول على الثاني عطف خاص على عام لأن المنعة والحماية جزء من السيادة. إضافة للإحاطة والمنعة يدل اللفظ نفسه على الحيطة والحذر وهي الملكة التي تحيط بصاحبها فتحجزه عن الاندفاع والتسرع. امتدح الله سبحانه عبده يحيى عليه السلام بأنه سيد وحصور للدلالة على رئاسته في الخلق القويم، والسلوك المستقيم، والشرف والمنعة، فكأنه كالليث الهزبر يمنع الأذى عن أصحابه ويمنع الشرور عنهم، ويحيط بهم في موضع سؤدده ويمنعهم من الإضرار بالآخرين كما يمنع الآخرين من الإضرار بهم. هذا هو مفهوم (حصورا) كما جاء به الكتاب، وكل معنى آخر يخالف هذا المفهوم الأصيل مما فيه تعريض أو انتقاص فهو وهم من الأوهام إن لم يكن تخرص اللئام، لمخافته خير الكلام، كلام الحكيم العلام.

سلام على يحيى بدر التمام، سلام عليه في الأولين، وسلام عليه في الآخرين، وسلام عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

تحياتي

الحسيني

Published in: on يناير 5, 2008 at 12:58 م  Comments (1)  

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

[1]

النبي:
ورد النداء القرآني لمحمد بن عبد الله عليه صلوات الله بلفظ (أيها النبي) في ثلاثة عشر موضعا منها قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) (الأحزاب : 54 – 46)

الرسول:
ورد النداء القرآني لمحمد بن عبد الله عليه صلوات الله بلفظ (أيها الرسول) في موضعين اثنين منهما قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ …) (المائدة : 41)

رسول الله:
ورد الوصف القرآني لمحمد بن عبد الله عليه صلوات الله بصفة (رسول الله) أو (رسوله) في مواضع كثيرة جدا منها قول الله تعالى:

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ …) (الفتح : 29)

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب : 21)

خاتم النبيين:
ورد الوصف القرآني لمحمد بن عبد الله عليه صلوات الله بصفة (خاتم النبيين) في موضع واحد فقط ـ معطوفا على صفة “رسول الله” ـ هو:

(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب : 40)

عبد الله:
ورد الوصف القرآني لمحمد بن عبد الله عليه صلوات الله بصفة (عبد الله) في موضع واحد و(عبده) في مواضع:

(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) (الجن : 19)

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحديد : 9)


[2]
النبي

ألفاظ مثل (نبي / نبيئ / نبأ / إنباء / أنباء / … ) ورد بعضها في كتاب الله بصورة نحاول أن نستجليها في هذا البحث للوقوف على معناها ومفهومها. الأصل في كلمة “نبأ” هو “الخبر” أي سرد شيئ مطابق للحقيقة. قد يرتبط النبأ بحدث في المستقبل كيوم القيامة مثلا:

(عَمَّ يَتَسَاءلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ. كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) (النبأ : 1 – 5)

وقد يرتبط النبأ بحدث في الماضي كقصص الأنبياء مثلا:

(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران : 44)

وقد يرتبط النبأ بحدث في الحاضر كالذي ورد على لسان عيسى عليه السلام مثلا:

(… وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران : 49)

تدل مادة (ن / ب / ء) في الآية الأولى على خبر قادم وفي الآية الثانية على خبر مضى وفي الآية الثالثة على خبر يحصل في الحاضر. يتم نقل خبر الغيب المستقبلي أو الماضي أو الحاضر إلي النبي بطريق الوحي:

(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (يوسف : 102)

وبذلك نستطيع أن نضع القواعد الآتية بإطمئنان:

(1) النبأ هو خبر صادق عن أمر من أمور الغيب.

(2) لا يرتبط نبأ الغيب بزمن محدد أو مكان معين بل يشمل سائر الأزمنة وكافة الأمكنة.

(3) عناصر الإنباء خمسة هي:

– المُنبِيء وهو مصدر النباء / مرسله

– المُنَبَّئ وهو متلقي النبأ / مُستقبِلُه

– المُنَبَّئ عنه وهو الخبر الصادق الذي يدور يتعلق النبأ به

– المُنَبَّئ به وهو الشيئ المُخبَر به

– وسيلة الإنباء وهي الوحي

لنضرب مثالا، قول الله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) (الحجر : 51 – 52)

– المُنبِيء: رب العزة تبارك وتعالى

– المُنَبَّئ: محمد صلى الله عليه

– المُنَبَّئ عنه: ضيف إبراهيم المكرمين

– المُنَبَّئ به: إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما …

– – وسيلة الإنباء: الوحي القرآني.

نخلص من ذلك إلى أن محمدا بن عبد الله الهاشمي القرشي صلوات الله عليه كان نبيا يوحي الله تعالى إليه من أنباء غيب الماضي والحاضر والمستقبل ـ مما يتعلق بأفعال الله كنهاية العالم أو الآخرة أو ما شابه ذلك ـ لا ليحتفظ لنفسه بتلك الأنباء ولكن ليتلوها على الناس ويبلغهم خبر الغيب.


[3]

النبيون
وردت كلمة (النبيون) في الكتاب في ثلاثة مواضع منها قول الله تعالى:

(قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة : 136)

النبيين
وردت كلمة (النبيين) في الكتاب في ثلاثة عشر مواضع منها قول الله تعالى:

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب : 7)

الأنبياء
وردت كلمة ال(أنبياء) في الكتاب في خمسة مواضع منها قول الله تعالى:

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ) (المائدة : 20).

رؤية لسانية لمفهوم لفظ (أنبياء):
كلمة (نبي) أو (نبيء) لفظ مفرد يجمع جمعا مذكرا سالما حيث يرفع بالواو (نبيون / نبيئون) وينصب ويجر بالياء (نبيين / نبيئين). كلمة (أنبياء) جمع تكسير فما هو مفرده؟ قبل على هذا السؤال يحسن أولا إلقاء شعاعا من الضوء على مفهوم الجامد والمشتق من الأسماء في لسان القرآن.

الأسماء الجامدة والمشتقة:
كلم القرآن على ثلاثة أقسام: الإسم والفعل والحرف. أما الإسم فينقسم ـ من حيث الجمود والإشتقاق ـ إلى قسمين: الجامد والمشتق. الإسم الجامد هو القائم بنفسه ولم يؤخذ من غيره وهو نوعان: اسم ذات (شجرة) واسم معنى (عدل). أما الاسم المشتق فهو ما أخذ من غيره وهو ثمانية أقسام: اسم الفاعل مثل (سامع)، صيغ المبالغة بأقسامها مثل (سمَّاع)، اسم المفعول مثل (مسموع)، الصفات المُشبَّهَة باسم الفاعل مثل (سميع)، اسم التفضيل مثل (أَسْمَعَ)، إسم المكان مثل (مجمع البحرين)، إسم الزمان مثل (مغرب الشمس)، اسم الآلة مثل (مصباح). بعد هذا السرد الموجز لأقسام الاسم المشتق الثمانية لننتقل الآن خطوة للأمام ونلقي شعاعا ضوئيا إضافيا على أحد هذه الأقسام الإشتقاقية الثمانية وبالتحديد على اسم التفضيل.

اسم التفضيل:
اسم التفضيل هو اسم مَصُوغ على وزن (أَفْعَل) كأحمد وأسعد وأشجع للدلالة على أن شيئين أو شخصين اشتركا في صفة ما ولكن زاد أحدهما على الآخر فيها فمثلا: فلان حامد لكن محمدا أحمد. معنى ذلك أن فلان ومحمد كلاهما مشترك مع أخيه في صفة الحمد لله تعالى إلا أن تلك الصفة أظهر وأغزر وأكثر في محمد منها في فلان. ولذلك يدل لفظ (أحمد) قول الله تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6) على إسم التفضيل وليس على إسم العلم. فذلك الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم له اسمان: اسم علم وهو (محمد) وإسم تفضيل وهو (أحمد).

النبيء والأنبئ / الأنبأ
لفظ (نبيء) يدل على الإنسان الذي يتلو على الناس من أنباء الغيب مما تلقاه من الله تعالى بطريق الوحي وجمعه نبيون / نبيين على النحو الذي بينته أعلاه. أما لفظ (أنبأ) فيدل على نفس المعنى السابق مع الزيادة أي أن النبيء والأنبأ يشتركان في صفة الإنباء إلا أن الأنبأ يفوق النبيء في الإنباء نوعا أو كما أو كلاهما. كلمة (أنبياء) هي جمع كلمة (أنبأ). أي أن درجة (الأنبأ) هي أعلى من درجة (النبيء) فكل (أنبأ) هو بالضرورة (نبيء) لكن ليس كل (نبيء) بـ (أنبأ). جدير بالذكر أن هناك سورة قرآنية تسمى سورة (الأنبياء) تضم تسعة عشر اسما ووسما لأنبياء أي لكبار النبيين وأعلاهم درجة وهم على ترتيب الإشارة إليهم ـ بالإسم أو الصفة ـ كالتالي: محمد (إذ هو المتلقي للوحي)، موسى، هارون، ابراهيم، اسحق (اسحاق)، يعقوب، لوط، نوح، داود، سليمان، أيوب، اسماعيل، إدريس، ذو الكفل (إلياس)، ذو النون (يونس)، زكريا، يحيى، مريم، عيسى. تجدر الإشارة هنا إلى ملاحظتين أولهما: مجيء اسم امرأة واحدة ضمن تلك الزمرة من الأنبياء (كبار النبيين)، ثانيهما: عدم مجيئ أسماء بعض الموحى إليهم مثل: آدم، هود، صالح، يوسف، شعيب، لقمان، … برغم أن بعضهم من المرسلين كهود وصالح ويوسف وشعيب. لماذا ذلك؟ الجواب تجدونه عند بحث (الرسل) في موضعه إن شاء الله.

خاتم النبيين
إضافة لكونه رسولا لله تعالى وصف محمد صلى الله عليه وسلم بأنه (خاتم النبيين) كما قال الله تعالى في الكتاب: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب : 40) فهل معنى ذلك أنه ليس خاتما للأنبياء كما هو خاتم النبيين؟ ذكرت آنفا أن النبيين والأنبياء يشتركان في صفة (الإنباء) بأخبار الغيب بيد أن تلك الصفة تزيد في (الأنبياء) عنها في (النبيين) أي بلغة الرياضيات هناك مجموعتان: المجموعة A وهي مجموعة الأنبياء والمجموعة B وهي مجموعة النبيين. نقول في الرياضيات أن A مجموعة جزئية subset من B وأن B مجموعة كلية superset من A إذا كانت B تحتوي كافة عناصر B بداخلها، أي أن كل عنصر في A هو بالضرورة عنصر في B كذلك بينما العكس غير صحيح (إلا في حالة التماثل وهي ليست حالتنا المطروحة). لتقريب المسألة من الأذهان بصورة أوضح نقول مثلا أن لدينا 100 شخص حاصلين على درجة البكالوريوس في تخصص ما وليكن مثلا الفيزياء من ضمنهم 10 أشخاص حاصلين على درجة أعلى وهي مثلا الدكتوراة في الفيزياء. في هذه الحالة تصبح المجموعة الثانية التي تضم 10 أشخاص مجموعة جزئية من مجموعة الحاصلين على بكالوريوس الفيزياء.

قاعدة منطقية رياضية: نفي الأدنى هو بالضرورة نفي للأعلى أما العكس فليس كذلك بالضرورة.

فحينما نقول مثلا أن زيدا لم يحصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء فإن معنى ذلك أنه لم يحصل بالضرورة على درجة الماجستير ولا على درجة الدكتوراة في الفيزياء. لكن حينما نقول أن زيدا لم يحصل على درجة الدكتوراة في الفيزياء فليس معنى ذلك نفي الأدنى إذ قد يكون حاصلا على درجة أقل من الدكتوراة في الفيزياء.

وكذلك الحال بالنسبة لقول الله تعالى (خاتم النبيين) إذ أن ختم الأدنى (النبيون) هو بالضرورة ختم الأعلى (الأنبياء) لكنه لو قال (خاتم الأنبياء) لأصبح المجال مفتوحا لإرسال من هم دون الأنبياء كالنبيين مثلا.

قاعدة رياضية إيمانية: خاتم النبيين معناه خاتم الأنبياء بالضرورة.

لكن ماذا عن الرسل؟ أهو خاتم الرسل كذلك؟ وإن كان خاتما للرسل فهل هو أيضا خاتم المرسلين؟ هذا ما سوف يدور حوله بحث قادم عسى أن يكون قريبا بتوفيق الله تعالى.


[4]

النبيون يتفاضلون
علمنا مما سبق أن (النبيء) يتلو على الناس ما أوحاه الله إليه من أنباء الغير، وأن (الأنبأ) يفعل الشيئ مثله ويفوقه زيادة كما أو كيفا أو كلاهما. مما يدل على وجود ذلك التفاوت في الفضل بين النبيين والأنبياء قول الله تعالى:

(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (الإسراء : 55)

قد تكون تلك الأفضلية بإنزال كتاب ما على أحدهم، أو بإمضاء آية كونية ما على أيدي بعضهم، أو غير ذلك من صور التفضيل. أما الفضلاء فهم (الأنبياء) وأما المفضولين فهم (النبيون) على النحو الذي استفدناه من فقه لسان القرآن.

دور النبيين من غير الأنبياء
القاعدة التي تحكم هذا الدور هي أن الأدنى يحكم بشريعة الأعلى، فإن كانت هناك شريعة ما ضمها كتاب ما، كالتوراة مثلا، فإن دور النبيين يكون محكوما بتلك الشريعة أي أنهم لا يؤتون شريعة جديدة ولكنهم يحكمون بشريعة الأنبياء منهم، لذلك يقول الحق تعالى:

(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة : 44)

التوراة أنزلت على أحد الأنبياء وهو موسى عليه السلام، وبعد أن يتوفاه الله تبقى التوراة حاكمة، والحاكم بها هم النبيون، كيوشع بن نون مثلا ـ إن صحت نبوته ـ الذين يقومون بتفعيلها وتعليمها للناس والحكم بها. ، وطبيعي أن أولئك النبيين يتلقون وحيا من الله في سيرورتهم الحكمية تلك، وهذا هو الفارق الرئيسي بين (النبي) ومن هو دونه من الصالحين. يقول الله تعالى مخبرا عن وحيه للنبيين:

(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ …) (النساء : 163).

إذن هناك (نبيون) ليسوا بأنبياء وهناك (نبيون) أنبياء، والنوع الثاني فضله الله على النوع الأول بما اختصهم به من مزايا إضافية. وكما أن (الأنبياء) يمثلون مجموعة جزئية subset من (النبيين)، فإن (الرسل) يمثلون مجموعة جزئية من (الأنبياء)، إذ ليس جميع الأنبياء رسلا ولكن جميع الرسل أنبياء على النحو الذي سنراه قريبا. لنبقي في الذهن حتى الأن أن هناك مجموعة شاملة A تضم مجموعة جزئية بداخلها B وهذه الأخيرة تضم مجموعة جزئية أرقى C هي مجموعة الرسل بحيث إذا قلنا أن العنصر a هو عنصر منتمي لـ C فإن معنى ذلك أنه ينتمي بالضرورة إلى B وإلى A، وإذا قلنا أن العنصر z لا ينتمي لـ A فهو لا ينتمي بالضرورة لا إلى B ولا إلى C فأرجو ملاحظة تلك العمليات الرياضية للمجموعات.

الحسيني

Published in: on يناير 5, 2008 at 12:54 م  اكتب تعليقُا  

القناعة في فقه الشفاعة


وردت مادة (شفع) في الكتاب في 31 موضعا، منها قول الله تعالى: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) (البقرة : 48) وقوله تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأنعام : 51) وغير ذلك من الآيات. الشفاعة من قضايا الإيمان، وقضايا الإيمان يجب أن تستند على مبدأ (اليقين)، ولا يفيد اليقينَ إلا الإدراكُ الحسي أو الإدراكُ العقلي. ولما كانت الشفاعة من مسائل (المعاد) الغير محسوسة فلا يبقى سوى الإدراك العقلي بشقيه: الإستدلال بالعقل المحض والإستدلال بالكتاب باعتبار أنه وعاء لفروع الإيمان.

[1] العقل والشفاعة

ينقسم البحث في (الشفاعة) إلى قسمين: الشفاعة لأهل القبائح والشفاعة لأهل المحاسن، بمعنى آخر: الشفاعة لأهل الجنة لرفع درجاتهم والشفاعة لأهل النار لعتقهم منها. ولما كان النوع (الثاني) هو محل الخلاف فسأحصر حديثي فيه وسأبدأ بسؤال: هل يدخل أهل النار الجحيمَ استحقاقا أم ظلما؟ أي أدخلهم الله تعالى النار لكونهم مستحقين أم لأنه ـ تعالى عن ذلك ـ ظالم لهم؟ فإن كانوا مستحقين لدخول النار فإن الشفاعة لهم تقبح عقلا. وكيف تحسن الشفاعة لهم وهم يستحقون ذلك العذاب؟ ولما توعد الله سبحانه أهل النار بديمومة العذاب فيها فإن ذلك الحكم العقلي ـ قبح الشفاعة ـ لابد أن يصاحب تلك الديمومة إما إلى أن تفنى النار بمن فيها ـ عند القائلين بفناء الحركات ـ وإما إلى ما لا نهاية ـ عند غير القائلين بفناء الحركات ـ لأن ذلك الحكم العقلي مطلق ومن ثم فإنه لا يرتبط بأجل محدد سوى الأجل المطلق كفناء الحركات مثلا.

قاعدة:
إذا دخل النارَ مستحقٌ لدخولها فإن الشفاعة له تقبح عقلا بصورة مطلقة مجردة عن الزمان.

[2] الكتاب والشفاعة

يقول الله سبحانه: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ. يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ. يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر : 14 – 20) والشاهد فيه هو قوله تعالى:

(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ . وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر : 17 – 18)

حيث يدل قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ) على العموم، أي المسلمين وغير المسلمين، المؤمنين وغير المؤمنين، الموحدين والمشركين، فـ (كل) نفس من هذه النفوس تجزى بما كسبت. علاوة على ذلك يدل لفظ (الظالمين) على المجموعة الرياضية الشاملة U والتي تشمل كل مجموعات الظالمين {A_1, A_2, …, A_u} بدون استثناء، فالكفار مثلا هم المجموعة A_1 وعصاة أهل القبلة الغير تائبين هم المجموعة A_u وهكذا. لذلك فإن نفي الأعلى – رياضيا – هو نفي الأدنى كذلك، فنفي الشفاعة عن مجموعة الظالمين الشاملة U هو نفي لها عن مجموعة ظالمي أهل القبلة A_u بالضرورة العقلية اليقينية.

قاعدة:
ينفي الكتاب المبين الشفاعة عن المستحقين لها مطلقا

[3] الرسول والشفاعة

روى البخاري ومسلم وغيرهما الرواية ـ واللفظ لمسلم ـ أن (قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد. فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أتشفع في حد من حدود الله ؟” فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله ! فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب . فأثنى على الله بما هو أهله . ثم قال ( أما بعد . فإنما أهلك الذين من قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف ، تركوه . وإذا سرق فيهم الضعيف ، أقاموا عليه الحد . وإني ، والذي نفسي بيده ! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها . قال يونس : قال ابن شهاب : قال عروة : قالت عائشة : فحسنت توبتها بعد . وتزوجت . وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

نلاحظ هنا ملاحظات هامة جدا أولها: الجرم هنا عبارة عن (سرقة فردية) قامت بها امرأة وهو جرم صغير نسبيا إن قورن مثلا بكبيرة (سرقة ونهب أموال الأمة). ثانيا: رفض رسول الله تعالى شفاعة أسامة بن زيد ـ ابن الحب زيد العوالي شهيد غزوة مؤته رضوان الله عليه ـ وتغير لونه وخطب في الناس وانتهرهم وتوعد كل من تسول له نفسه أن يرتكب جريمة ما ـ كالسرقة مثلا ـ حتى ولو كانت البتول عليها السلام. ثالثا: علم أسامة أنه أذنب فطلب من نبي الهدى عليه الصلاة والسلام أن يستفغر له. فإن كان رسول الله لا يقبل الشفاعة في حد من حدود الله في الدنيا فمن ذا الذي يسيئ الظن برسوله ويعتقد أنه يقبل أن يشفع لمتعديي حدود الله في الآخرة؟

قاعدة:
لم يجوز رسول الهدى الشفاعة في أي حد من حدود الله حتى ولو كان المتعدي لذلك الحد أحب المخلوقين لديه بل توعده توعدا شديدا وهو موقف مطلق مجرد عن الزمان والمكان.

الخلاصة

إذا استحق مستحق دخول النار فإن الشفاعة له تقبح بشهادة العقل والكتاب والرسول، وعليه فإن دخل أحد المستحقين نار الجحيم ـ أجارنا الله منها ـ فهو مشمول بـ (وعيد) الله الدائم ولا تنفعه شفاعة ولا تصح لقبحها ولتأكيد الشرع على ذلك القبح ونفي حدوثها، وكما يصدق الله سبحانه في (وعده) يصدق كذلك في (وعيده)، ومن وعيده صيرورة المستحق لدخول النار إليها وديمومة عذابه فيها ونفي إمكانية الشفاعة لأهلها.

اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار.

الحسيني

Published in: on ديسمبر 25, 2007 at 1:36 م  اكتب تعليقُا