في أصول الفقه

يفرق القاضي عبد الجبار بين العلة والسبب، حيث يقول: “السبب في الأفعال الإنسانية ( بصفة خاصة) يعود إلى ذات الفاعل، حيث تتعلق به ( أي الفاعل) الأسباب والمسببات على السواء، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى العلة،إذ لا تعلق للمعلول بالفاعل لوجوبة عند وجود العلة، بينما لا يجب المسبب عند حصول السبب، إلا إذا انتفت الموانع.” المرجع: السببية عند القاضي عبد الجبار. صفحة 43. أرجو شرح هذا الكلام، وضرب أمثلة؟

لا يوجد ترادف بين مفهوم (السبب) ومفهوم (العلة) عند نفاة الترادف من مشايخنا كأبي علي الفارسي والمُبَرِّد وغيرهما. لذلك كان كلام القاضي دقيقاً جداً في وجوب التفرقة بين اللفظين. أما قوله: “السبب في الأفعال الإنسانية ( بصفة خاصة) يعود إلى ذات الفاعل، حيث تتعلق به ( أي الفاعل) الأسباب والمسببات على السواء وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى العلة، إذ لا تعلق للمعلول بالفاعل لوجوبة عند وجود العلة، بينما لا يجب المسبب عند حصول السبب، إلا إذا انتفت الموانع” فمفهوم السبب يدلُ على كل شيئٍ يُتَوصَّلُ به إلى غيره، فعندما أقول مثلاً: جلستُ لأستريحَ، فإن اللام هنا تكون للسبب، أي أنني أتوصَّلُ إلى الراحة بالجلوس، والباء هنا للإستعانة، فأنا أستعين بالجلوس لكي أصل إلى الراحة، وبهذا يكون الجلوسُ هو سبب الراحة، والراحة هي مسبب الجلوس، وواضح تأثير السببُ في مسببه، وتأثر المسبب بسببه. وكما ترى فإن السبب (الجلوس) والمسبب (الراحة) يتعلقان على السواء بنفس الفاعل الذي جلس لكي يستريح، وهذا هو ما يقصده القاضي بقوله “حيث تتعلق به ( أي الفاعل) الأسباب والمسببات على السواء”. أما العلة فهي كل ما يكون طريقاً للوصول إلي شيئٍ غير مؤثرٍ فيه، كرؤية الهلال والصوم في قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة : 185) أو قوله صلى الله عليه (صوموا لرؤيته) فاللام هنا ليست لام السبب ولكنها لام التعليل، لماذا؟ لأن طلوع الهلال ليس له تأثير ذاتي في الصوم، بعكس الجلوس الذي له تأثير ذاتي في الراحة، محلّه ذات الفاعل، لذلك يقول القاضي: “وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى العلة، إذ لا تعلق للمعلول بالفاعل”. وهكذا نجد فارقاً دقيقاً بين مفهوم السبب والمسبب من ناحية، ومفهوم العلة والمعلول من ناحية أخرى. أما قوله “لوجوبة عند وجود العلة” فلا يحتاج لفضل بيان، فالصوم يجب شرعاً عند وجودِ علته،  بينما لا يجب المسبب عند حصول السبب، فربما يجلس الإنسان لكنه لا يرتاح برغم ذلك، لمانع ما كأن يكون جلوسه على كرسيٍ غير مريح، فإن انتفى المانع وجب.

ما الفرق بين العلة “الغائية” والباعث؟

يمكن تعريف (السبب) بأنه كل ما يكون طريقاً للوصول إلي شيئٍ مؤثرٍ فيه، بينما (العلة) هي كل ما يكون طريقاً للوصول إلي شيئٍ غير مؤثرٍ فيه، فيكون الفارق بينهما هو “التأثير” في حالة السبب وعدمه في حالة العلة. أما مصطلح العلة “الغائية” فأرى أنه اطنابٌ لساني، لأن كلمة “غاية” تدل في لسان العرب على “الطريق”، و”الطريق” مُتَضَمن فعلاً في تعريف العلة فلا توجد حاجة لتكراره. أما “الباعث” فهو الدافع – النفسي أو الإيماني – لفعل شيئ معين، فرؤية الهلال الوليد هي علة وجوب الصوم بينما الرغبة في الإمتثال لأمر الله التكليفي هي الباعث لكي نصوم.

نسمع عن التحسين والتقبيح العقليين كاصل عند المعتزلة ونعلم انه يستقل بإنشاء الاحكام كالقران او السنة ولكن كيف يمكن الاستفادة من هذا الاصل في عصرنا ؟ بمعنى هل بالامكان ان يحرم شئ بالتقبيح العقلي مما طرا على الساحة من سلبيات ، أو أن يصبح واجبا بالتحسين ان كان ايجابيا كمحاولة حيازة القنبلة الذرية او الاستفادة من التكنلوجيا الحديثة فمثلا عند غير المعتزلة تعد هذه الامور من فروض الكفاية ولكن ليس لذاتها وإنما لمنافعها فهل هي كذلك عند المعتزلة ام أنها واجبة بذاتها بالتحسين العقلي

العقل – في منهجنا – هو أول الأدلة، وهو مقدَّمٌ على غيره من الأدلة في جميع أبواب الدين كالإيمانيات والشرعيات وغير ذلك. فيما يتعلق بأحكام الشريعة يناط بالعقل إصدار الأحكام الكلية الضابطة للفروع المختلفة، فالعدل مثلاً يحسُن عقلاً، والظلم بالتالي يقبُح عقلاً. إنطلاقاً من تلك القاعدة العقلية نقول: إن لم يتحقق الأمر بالعدل والنهي عن الظلم إلا بتملك وسائل الدفاع الحديثة، يصبح امتلاكها – لذلك الغرض – من الفروع المتولدة عن ذلك الأصل الذي قرره العقل، وحكمه في هذه الحالة “الوجوب”. بعد أن يقرر العقل ذلك الحكم ننظر في أدلة النقل فنجد الكتاب العزيز يقرر نفس الحكم، وذلك بقول الله سبحانه: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال : 60) فنجد انسجاماً تطابقياً كاملاً بين ما قرره العقل من “وجوب” امتلاك أسباب القوة وما قرره الكتاب. إنطلاقاً من ذلك المبدأ يحسِّن العقل استخدام الطاقة الذرية مثلاً فيما ينفع الناس كإقامة الحق ودحض الباطل وتخفيف المعاناة وغير ذلك، أي أنه يكشف عن وجوه من المحاسن العقلية تتمخض عن استخدام تلك التكنولوجيا ترجح كفة استخدامها على كفة العزوف عنها لبعض الأضرار التي ربما تنتج في سبيل ذلك.

أليست قاعدة المصالح المرسلة تندرج تحت التحسين والتقبيح العقليين؟

بلى تندرج وغيرها تحت ذلك،  فالعقل يمثل إطار عمل عريض للمنهج تندرج تحته فروعٌ كثيرة.

دليل النقل الذي استشهدت به “وأعدوا” هو فعل أمر وربطت ذلك بحالة الوجوب وهذا أمر مختلف عليه: أن الأمر في اللغة يفيد الوجوب أم يفيد الطلب؟

أقول: وضع علماء أصول الفقه قاعدة أصولية – أرجو الإنتباه للفارق الكبير بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية – تقول إن “الأمرَ يقتضي الوجوب”. أما دليلهم وعمدتهم في ذلك التقعيد فهو اللسان العربي، وبيان ذلك كما يلي: الأمر في لسان العرب – وفي علم أصول النحو خصوصاً – جزءٌ من الطلب، فكل أمر هو طلب، لكن ليس كلُ طلبٍ أمراً، لأن الطلب يشمل ثمانية أشياء هي: الأمر والدعاء والنهي والاستفهام والعرض والحض والتمني والرجاء. فالأمر – كما ترى – يمثل جزءاً من ثمانية أجزاء من الطلب. أما “الواجب” فهو ببساطة شديدة ما  يُمدحُ المرءُ على فعله ويُذمُّ على تركه. أما “الأمر” فهو طلبٌ يقتضي الوجوب على الفور وليس على التراخي، فلو أن سيداً قال لخادمه مثلاً “احضرْ لي كوباً من الماء” فلم يُحضرْهُ الخادمُ للحقه الذم واللوم والعقاب. من هنا نرى أن لسان العرب يدلُّ على أن الأمرَ طلبٌ واجب فعله على الفور، ومن هنا استنبط الأصوليون قاعدتهم الأصولية الشهيرة “الأمر يقتضي الوجوب” مبرهنين عليها من لسان العرب على النحوِ الذي بينتُه.

تحياتي الأخوية

الحسيني

Published in: on سبتمبر 10, 2008 at 1:32 م  اكتب تعليقُا  

حوار مع أخٍ كريم

تلقيت من أخ كريم نص حوار كتابي جرى بيننا على صفحات المنتدى القديم مما طوته يد العابثين وحفظته يد المحسنين. أشكر أخي الكريم الذي تفضل عليَّ فأمدني بذلك الحوار الذي يحتوي على اجاباتي المتواضعة على الأسئلة التي تفضل بتوجيهها إلي، أسئل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء، وأن يفسح له من الفضل والعطاء، وأن يوفقه في دراسته وحياته وفي يوم الجزاء … آمين

هل الآية ( لا إكراه في الدين منسوخة)؟
لا أقول بالنسخ – بمعنى بقاء المبنى وذهاب المعنى – في القرآن الكريم موافقاً لعدد من مشايخ المعتزلة منهم المفسر الكبير الإمام أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، وعلاَّمة العصر الإمام أبو ياسر أمين نايف ذياب رحمها الله، حيث وردت مادة (نسخ) في القرآن في أربعة مواضع جميعها تعني الإثبات وليس الحذف

هل يوجد إعجاز لغوي في القرءان الكريم؟
لفظ (لغة) مشتق من (اللغو) وهو الهذر الخاوي من الإفادة، لذلك فمن الأصوب أن نقول: لسان بدلاً من لغة. القرآن نزل بلسان عربي مبين، وهو أحد أوجه الآيات الحسية للقرآن الكريم، ولولا القرآن لما كان عندنا معيار لضبط اللسان العربي، ولا سيما وأن كثيراً من الشبهات تحوم حول الشعر الجاهلي

هل من يرد حديث صحيح يعتبر كافرا حتى ولو كان هذا الحديث لايقبله المنطق ولا العقل؟
من كان معاصراً للنبي الأكرم فرد عليه حديثاً مرتبطاً بالرسالة تحدث به فهو كافر عندئذ. أما من لم يعاصر النبي فلا يكفر من رد مثل تلك الروايات لأنه إنما يردها على أساس تشكيكه في صحة نسبتها للرسول. أما على منهجنا فمن الواجب تطهير الرويات من كل ما هو مخالف للضرورات الحسية والعقلية والنظر العقلي الصحيح، وإلا فإنه يأثم من تمكن من فعل ذلك ولم يفعله

بالعودة لموضوع الأغاني فهل لي بتفصيل فلا يمكننا أن نساوي بين الأغاني الهابطة والأغاني الهادفة فهناك فرق كبير بينهما إذ كيف نسوى بين أغنية تدعوا للرذيلة وبين أغنية تدعو لحب الرسول ؟؟؟ وأنا أتذكر أني قد سألت أحد فقهائنا من المالكية فأجاب بأن الأغاني التي لا تثير الشهوة حلال طبعا في ذلك الوقت لم أفطن لهذه الإجابة جيدا ولكنني الآن أرى بصحتها من النواحي النفسية والطبية فهي ليس لها ضرر أما من الناحية الشرعية فالله أعلم!
الغناء مزيج من أمرين هما الشعر والموسيقى، أما (الشعر) فهو كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح كما روي عن نبي الهدى في الأثر، وأما (الموسيقى) فلا أظن أن لها حرمة ذاتية، بعكس الظلم مثلاً له حرمة ذاتية، لأنها تنبني على قوانين فيزيائية تحاكي الطبيعة، وإلا يلزمنا تحريم صوت هدير الماء، وصرير الريح، وقعقعة الرعد، وكذلك صدح البلابل وتغريد العصافير، فكل ذلك أصوات موسيقية. إنما قد تحرم الموسيقى لغيرها كأن تكون مثيرة لشهوة أو مزعجة لنائم أو مريض أو معطلة عن عبادة وذكر أو ما شابه ذلك. فإن ضمن الإنسان عدم وقوع ذلك فلا أرى عند ذاك بأساً من سماعها إما بصورة مجردة وإما مع كلمات شعرية تخلو من القبح.

أسأل عن الأحاديث وأي الكتب أبدأ بها وهل أدرس علم المصطلح؟ 
أنصحك بالبدء بدراسة علم أصول الحديث (علم مصطلح الحديث) قبل دراسة علم الحديث نفسه (المرويات) لأن علم المصطلح هو العلم الضابط لأصول النظر في المرويات. في هذا السياق أنصحك بالبدء بدراسة كتاب “نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر” للحافظ ابن حجر (أشعري) بشرح الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (سلفي) رحمهما الله. أما (المرويات) فأنصحك بكتاب (مجموع) الإمام زيد وشرحه (الروض النضير) وهو كتاب في علم الحديث الفقهي الإتجاه.

هل أستطيع أخذ العلوم الشرعية عن الشيوخ الأشاعرة في غير العقيدة؟ 
الأولى أن تتلقى العلوم الشرعية من نبع عدلي صافي فإن تعذر ذلك يمكنك بالطبع تلقي العلوم الشرعية غير الإعتقاد عن الأشاعرة ـ مثلا ـ لكن مع ضرورة الإنتباه لأثر المعتقد الأشعري في علوم شرعية متنوعة كروايات الجبر وتفسيرها وكذلك في التفسير والأصول وغير ذلك من العلوم الشرعية التي ترتبط بالعقيدة بطريق مباشر أو غير مباشر.

مارأيكم في ألفية الحافظ العراقي في الحديث ونونية ابن القيم في وصف الجنة؟ 
أما ألفية الحافظ العراقي فهي للمتقدمين في علم المصطلح، فإن كنت لا تزال في مبتدأ طلبك للعلم فلا أنصحك بها ولا بأختها ألفية الحافظ السيوطي. إن كنت تميل للكلام المنظوم بدلا من المنثور فأنصحك عندئذ بمنظومة البيقوني أو منظومة قصب السكر للأمير الصنعاني فهما أنسب للمبتدئين. أما الجنة ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فكيف يزعم أي من الناس بأنه قادر على وصفها. لكن برغم ذلك يمكنك قراءة الوصف على أنه من فنون الأدب وليس من علوم المعتقد.

في الفقه هل يجب أن ألتزم مذهبا معينا وإذا كانت الإجابة بنعم فأيها تنصحني به وبأي كتب أصول الفقه تنصحني؟ 
أرى حرمة التقليد في الفروع لمن يقدر على الإستنباط أو الترجيح ممن أوتي حظا من العلم الراسخ بالشرعيات. فإن لم يكن المرء قادر على الإستنباط فيجب عليه استفراغ الوسع لتعلم ذلك ولو للنظر في الفروع الأساسية المرتبطة بالشعائر مثلا. أنصحك بكتاب (الروض النضير) المتقدم ذكره فهو وسط بين منهجي أهل الحديث ومدرسة آل البيت عليهم السلام. وهو في الفقه، أما الأصول فبكتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري المعتزلي.

وفي العقيدة ( وهذا ضروري ) أرجوا إفادتي بأحد الكتب؟ 
كتاب (مجموع) الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي ولعلك تجده لدى مؤسسة الإمام زيد. فإن لم تجده أنصحك بقسم (رسائل) الإمام الهادي ضمن كتاب (رسائل العدل والتوحيد) نشر دار الشروق بالقاهرة بتحقيق د. محمد عمارة. الإمام الهادي يعبر في مجموعه ذاك عن ملامح الفكر العدلي عموما والزيدي خصوصا ولذا فهو قريب جدا من مدرسة المعتزلة البغدادية والتي أفضلها شيئا ما على مدرسة المعتزلة البصرية.

وإذا سئلت عن مسألة معينة هل يجوز لي الإفتاء فيها إذا رأيت النص الصريح بها أو ماذا أرجو التوضيح في هذه النقطة؟
لا يجوز الإفتاء إلا بعد الإحاطة بجميع جوانب قضية ما مستفتى فيها، والفتوى هي أول خطوات الإجتهاد، فتريث فيه من فضلك.

وفي هل يجوز لي المشاركة في النظام السياسي لدينا علما بأنها تكون في هيئة مؤتمرات شعبية يلتقي فيها الناس ويتخذون فيها قرارتهم؟
إن كان رأي المشارك يعتد به، ولا تقوم تلك الملتقيات بتكريس إرادة الحاكم فحسب، فلا بأس عندئذ، لا سيما في القضايا المتعلقة بما لابد من القيام به كالخدمات المقدمة للمواطنين. أما إن حدث العكس من ذلك فالمشاركة غير جائزة في هذه الحالة.

أنا الآن بإذن الله مقبل على الدراسة في المعهد العالي تخصص الإتصالات وأسألك هل إذا إجتهدت في دراستي وأبدعت فيها بهدف إفادة أمتي ودعوة الناس إلى دين الله هل أكون مأجورا ونفس السؤال عن تعلم جديدة إذا كنت أنوي الدعوة بها في سبيل الله؟ 
تكون مأجورا إن شاء الله لحسن ذلك كله عقلا وشرعا. بل إن ذلك الإحسان والإتقان في العلم والعمل من الواجبات الشرعية التي يمدح فاعلها ويذم تاركها.

أنا لدي إهتمام بعلم البرمجة اللغوية العصبية والعلوم المتصلة به لكي أفهم الناس وأتمكن من التأثير فيهم فهل لديك تعليق على هذا النوع من العلوم؟ 
هذا من العلوم الطبيعية ولا حرج في تعلمه لأنه مباح. إنما تحرم العلوم القبيحة لذاتها كالسحر والتوله والنشرة وغير ذلك من علوم الدجل والكهانة.

أنا من المهتمين ومن المعجبين بالفلسفة وخاصة فلسفة ابن رشد فهل في ذلك شيء؟ 
منهج المعتزلة القدامى هو المنهج (الكلامي) والمختلف عن المذهب (الفلسفي)، ومنهج المعتزلة الجدد هو المنهج (العلمي) المنبني على الرياضيات والعلوم الطبيعية. هذا وقد تجاوزت الفلسفة المعاصرة أفكار ابن رشد بأشواط فلا تربط نفسك بقيود الماضي وتفاعل مع معطيات عصرك فهذا أجدى.

أنا دخلت في عدة أشياء فقد كنت في البداية سلفيا ثم – والعياذ بالله – ملحدا ثم علمانيا ليبراليا والآن ولله الحمد عدليا أحمد الله على هذه النعمة فهل علي من شيء علما بأنني تبت إلى ربي العالمين؟
السلفية ليست كفرا مخرجا من الملة ولا العلمانية المؤمنة. أما الإلحاد والعلمانية الغير مؤمنة فالتوبة منهما واجبة والله يقبل التوبة عن عباده.

أريد حل في مسألة الغناء والموسيقى فهل تجوز أم ماذا ولدينا هنا في بلدنا نوع من الموسيقى الشعبية تسمى الزكرة قد تكون شاهدتها في فيلم الرسالة في بداية غزوة بدر ( ولو إستعطت فأعطني رأيك في السمفونيات فأنا من عشاقها خاصة سمفونيات بتهوفن ) وأريد دليل سواءا على حرمتها أو جوازها؟ 
يجب أن نفرق بين (الغناء) و(المعازف). أما الغناء بدون خلفية موسيقية فليس إلا شعرا. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشعر فقال هو كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح. أخرجه النووي في الأذكار من حديث أم المؤمنين عائشة بإسناد حسن. هذا عن الغناء المجرد. أما عن المعازف (الموسيقى) فقد حرمها أهل الحديث وكذلك بعض العدلية كالإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتاب (القمر النوار في الرد على المرخصين في الملاهي والمزمار). مما يستندون عليه في تحريمها ما نسب للرسول الأكرم من قوله: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (البخاري). وأباحها بعض أهل السنة كإبن حزم وكذلك الإمامية وبعض العدلية. وقد كنتُ أميل للرأي الأول غير أني تراجعتُ عنه مؤخراً إلى الرأي الثاني كما هو موضح أعلاه.

أنا لدي مشكلة مع الجنس الناعم فأنا من النوع البارد جنسيا أي أنني مهما تحدث معي عن النساء فلن أتأثر أبدا ولكن لو تكلمت معي بنت فتراني أحتمر وأرتجف فهل لك علاج أو طريقة لتخطي هذا الأمر لكي لا أقع في المحظور فهنا لدينا من البلاوي ماالله به عليم؟ 
ربما يكون ذلك البرود الجنسي ليس عضويا ويمكنك مراجعة طبيب متخصص في أمراض الذكورة Andrology في ذلك. أظن أن ذلك “البرود” ربما يرجع بسبب خطأ تربوي ودليل ذلك حدوث الخجل وهو أمر مرضي بعكس الحياء. عموما يجب مراعاة ضوابط الدعوة مع النساء كغض البصر وعدم الخلوة والتركيز في مادة الدعوة وغير ذلك من الأمور.

إن قومي وقريتي هم على مذهب الإباضية بنسبة 95 بالمئة علما بأن بعض الشيوخ يصرحون بأنهم على العقيدة الإعتزالية فهل يجوز لي أخذ العقيدة عليهم؟ 
الإباضية هم من الخوارج وينتشر مذهبهم في عمان وشمال أفريقيا. يتفق الخوارج مع المعتزلة في التوحيد ويخالفونهم في العدل، بل يقال إنهم يقولون بالأصول الخمسة كلها سوى العدل فهم بهذا أرقى حالا من الأشاعرة والسلفية وأدنى حالا من الزيدية والعدلية، فيجوز أخذ التوحيد عنهم أو العلوم الشرعية الخالية من مذهبهم الجبري.

هل تعرف أي دواوين لشيوخ معتزلة فأنا من محبي الشعر؟ 
هناك ديوان الشريف الرضي رحمه الله وهو من أهل التوحيد والعدل، وكذلك ديوان أخيه الشريف المرتضى وهو إمامي معتدل، كما أن هناك دواوين كثيرة لعلماء عدليين أغلبهم من الزيدية كالإمام المهدي صاحب البحر الزخار والإمام الهادي بن الوزير صاحب منظومة الخلاص والصاحب بن عباد وغيرهم وتستطيع الحصول عليها من مؤسسة الإمام زيد الثقافية.

كما قرأت في مدونتك فأنت تعتبر سرقة المال العام كبيرة من الكبائر ( أو هكذا فهمت ) فهل توضح لي لأن الشيوخ عندنا المالكية يعتبرونه ليس سرقة بل نهب؟ 
لا مشاحة في الإصطلاح، فأيا ما كانت التسمية، سرقة أو نهبا أو غصبا أو غير ذلك فليس هذا بالأمر المهم، المهم هو أن ذلك الفعل يعتبر كبيرة من أكبر الكبائر يخلد مرتكبها في النار وإن صلى وإن صام ما لم يتب قبل الممات توبة نصوحا.

مارأي سماحتكم في الشيخ محمد الحسن ولدد الددو الشنقيطي رئيس مركز إعداد العلماء في موريتانيا؟
يذكره أهل السنة بالخير، فيثني عليه السلفيون لكونه شنقيطيا قريبا من مذهبهم، ويثني عليه الإخوان لفعاليته السياسية، ويثمنون له موقفه من الحاكم الموريتاني الدكتاتور معاوية ولد الطايع. مما لا شك فيه أنه يعتبر بذلك من فضلاء الجمهور إلا أنه لا يخرج عقديا عن منظومة أهل السنة والجماعة لاسيما في نسختها السلفية.

في بلدي عرضت الدولة القروض للشباب للزواج ولكن فيها ربا وللأسف الشديد من المستحيل الزواج بغير أخذ هذه القروض فهل يجوز أخذها من باب الحاجة؟ 
إذا كان من المستحيل الزواج بغير أخذ هذه القروض ـ على حد قولك ـ وكانت نفسك تتوق للزواج وتخشى العنت بدونه فأنت مضطر في هذه الحالة لارتكاب أخف الضررين فلا بأس بأخذ القرض في هذه الحالة ويكون الإثم على آخذ الربا وليس على العاطي المضطر الذي لا يجد بديلا. فإن وجد البديل كالقرض الحسن فالعدول عنه إثم.

كنت قبل مدة أنوي السفر للخاج تحديدا ألمانيا ﻷن لي قريب بها لغرض إكمال دراستي وتحقيق أحلامي المهنية فيها ولكن الظروف لم تكن مواتية وواجهتني عدة عواقب فقررت البقاء هنا والإبداع في بلدي فهل ترى أنه يمكنني الإبداع في بلدي وهل ترى أنه من الأفضل لي البقاء هنا ودعوة الناس للحق وأن أحاول أن آخذ بيد الشباب لنرتقي ببلدنا أم أسافر لتحقيق أحلامي وهل أؤجر في هذا مارأي سماحتكم في هذا الموضوع ؟
إن قمت بالدعوة والإصلاح في بلدك فإنك تؤجر على ذلك إن شاء الله، فإن حيل بينك وبين ذلك ووجدت للسفر للخارج سبيلا فيحسن هذا وتؤجر عليه إن كانت هجرتك لله. أما إن كانت هجرتك للدنيا فستحرم بالطبع من أجر الهجرة لله لكنك لن تحرم أجر ما تعمله من الصالحات للدنيا كالكسب الحال أو التعلم أو وكف أذاك عن الناس وغير ذلك من فضائل الأعمال.

مارأي سماحتكم بفتوى الزنداني التي تسمى زواج فريند وأيضا بالزواج المبكر وهل يجب أن يتعرف الزوجين على بعضهما قبل الزواج أثناء فترة الخطوبة ﻷنني من معارضي هذا الرأي فأرجوا إعطاء رأيكم في هذه المسألة؟
أما فكرة الزواج فريند فهي تعبر عن زواج يتحقق به كافة شروط الزواج من عرض وقبول وعقد وموافقة الأهل والإشهار وهو بهذا زواج شرعي تماما. الإختلاف الوحيد عن الزواج “التقليدي” هو عدم وجود بيت مستقل للزوجية. إن الزواج فريند مقبول شرعا وإن لم يقبل اجتماعيا عن كثير من العوام، وهو بعكس فتوى المساكنة الصادرة مؤخرا من سوريا حيث يتوفر بيت مستقل للمساكنة بينما تغيب معظم شروط الزواج. وإذ نرفض المساكنة بهذه الصورة فإننا لا نجد مانعا شرعيا للزواج فريند. أما التبكير في الزواج فهو الأولى عند إكتمال الأجسام والعقول والباءة والاستعداد النفسي. أما التعارف في الخطبة فما شرعت الخطبة إلا من أجله شريطة عدم الخلوة مع المخطوبة بل يمكنهما الظهور معا في الأماكن العامة مع التقيد بالضوابط الشرعية الأخرى.

مارأي سماحتكم في الشيخ بن باز وبفتاويه التي جلبت وبالا على المسلمين وجلت عليهم المصائب وهل يجوز الأخذ بفتاويه مع العلم بأن أغلبيتها تقليد أعمى للمذهب الحنبلي؟
إن كنت تقصد فتواه في حرب الخليج عام 1990 / 1991 بجواز الإستعانة بغير المسلم فهو قياس خاطئ منه، فالرسول الأكرم إستعان بكافر على كافر لكنه ما استعان بكافر على مسلم قط. وإذ نرفض فتاوى الشيخ ابن باز العقائدية وتلك المرتبطة بالسياسة الشرعية إلا أننا لا نرى بأسا في الأخذ بفتاوى ما دون ذلك لمن أراد.

أريد أن أستفسر عن شيء وهو هل هناك فرق بين العلماء وطلبة العلم والعامة حيث أخبرني أحدهم أن هناك أحاديث لايجوز أن يحدث بها العاميون وهذا بوجهة نظري نوع من العنصرية أرجوا التوضيح في هذه النقطة؟
إن مثل ذلك السلوك لا يمثل عنصرية فحسب ولكنه يمثل كهنوتا دينيا يرفضه الإسلام، وهو منتشر للأسف بين الجمهور ويستندون في ذلك على رواية لأبي هريرة يقول فيها: حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم (أخرجه السخاوي والعجلوني وصححاه) وهي رواية لا معنى لها، لأنه لو كان الوعاء الثاني من الشرع المأمور بتبليغه لوجب إبلاغه ولو قطع بلعومه. وإن لم يكن شرعا فلسنا أساسا بحاجة إليه وإن كان يحق لنا أن نتسائل: ما هو ذلك الوعاء الخطير الذي ليس من الشرع ولكنه يؤدي لقطع البلعوم إن بثه في الناس؟

يوجد لدينا طامة كبرى هنا وهي أن الناس معتادة على الغيبة والنميمة فهل إذا كنت في مجلس وبدأ الناس في الغيبية فماذا أفعل هل أخرج أم أنصحهم علما أنني إذا نصحتهم قد تحدث مشكلات معهم وقد يكونون من أقاربي ( ومن أقرب الأقارب يعني من الدرجة الأولى والثانية ) فما الحل؟ 
يجب نصحهم بالحكمة والموعظة الحسنة فإن لم ينتهوا فعليك بمغادرة ذلك المجلس إلا أن يحاط بك عنوة أو قهرا وبذلك تكون قد أبرأت ذمتك إلى ربك. ، ولا تنسى أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

هنا لدينا من يعالجون المصابين بالمس الجني ( حسب زعمهم ) ولكنهم يستعملون أدوات خطرة مثل الكهرباء وقد عانيت من هذا مرة ( وكاد قلبي أن يتوقف وعانيت مشكلة طويلة في أعصابي ) فما الحل علما بأن الدولة تمنع مثل هذه الأفعال فهل يجوز لي إخبار الدولة عنهم ﻷن الناس تعاني منهم؟ 
الإستعانة بالدولة في هذه الحالة جائزة لإيقاف الأذى العقدي والجسدي الذي يلحق بالناس وكذا الأذى المعنوي والنفسي والمادي، ومثل الإستعانة هنا كمثل من يستعين ببلطجي كبير لرد ظلم بلطجي صغير.

بماذا تنصحني في مناقشة الناس ( لإصلاح العقول وتطويرها ) علما بأنني حاليا أعتمد المنهج النقدي للإصلاح ولكنه سبب لي العديد من المشكلات مع الناس فأفدني بالطريقة المناسبة علما بأن الناس لدينا متمسكة بالتقاليد والأعراف كثيرا ويرفضون التغيير كما هي حالة الشيوخ دئما؟ 
أنصحك بالحكمة والموعظة الحسنة وإثارة العقول وضرب الأمثال. مررت بالأمس بأحد المعارف وكان مبتئسا فسألته عن السبب فأخبرني بوجود مشكل له مع البعض. فلما أخبرته بكونهم ظالمين أقر بكلامي وأمن عليه إلا أنه قال: لكن الله كتب علي هذا الأمر! حينئذ قلت له عبارة واحدة: إذا كان الأمر كذلك فاذهب لهؤلاء الظالمين واشكرهم لأنهم فعلوا ما كتبه الله عليك فبهت محدثي من كلامي وأخذته الحيرة والدهشة، فقلت له: أمامك أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون ما نزل بك ظلم لم يكتبه الله عليك وإنما أوقعه بك الظالمون فاذهب ورد الظلم عنك، وإما أن يكون الله قد كتب ذلك الظلم عليك فاذهب للظالمين واشكرهم على تنفيذ كتابة الله عليك. إزدادت حيرة صاحبي من كلامه فنصحته بالتفكر فيما قلته له إلى أن نلتقي مجددا. إنني لم أعرض على صاحبي فلسفة العدل ولا فلسفة القدر وإنما اكتفيت بإثارة عقله وأنا متأكد أنه سيظل يفكر في كلامي وسيؤرقه وتلك هي البداية الصحيحة للتحرر من قيود الوهم والتقليد: النظر والتفكر.

وإذا كنت تعرف أحد المشايخ لديه دروس على الإنترنت ويكون على فكر المعتزلة أو على منهج قريب لكي أستمع له فوالله قد آلمني رأسي من دروس السلفية وبالذات في العقيدة فهي تفجر لي رأسي بكلام فارغ ؟
لا أعرف أحدا ممن ترجو لكني أنصحك بالإستماع لخطب بعض فضلاء الإمامية وهم من العدلية في إطارها الواسع ولا سيما السيد محمد حسين فضل الله مرجع الشيعة الإمامية في لبنان فهو من أكثر أهل مذهبه اعتدالا، وكذلك خطب الشيخ حسن نصر الله.

هل إحتكاكي بأصحاب السلطة ودعوتهم إلى منهج المعتزلة لغرض نصر الدعوة جائز؟
يجوز ذلك لكن بشكل غير مؤسسي لأننا لا نرى جواز الإنضواء في مؤسسات العمل السياسي للحكام الظلمة إلا للضرورة القصوى لحفظ بيضة الإسلام أو المسلمين.

هل أجهر بكوني عدلي أم أستتر علما بأنني لن أواجه مشكلة مع الدولة بجهري بل مع السلفيين فقط ؟
يمكنك الدعوة للفكر العدلي بالحكمة والموعظة الحسنة بطريقة تجنبك الصدام الذي ربما يؤدي للإضرار بك أو بالدعوة. لست بحاجة لرفع شعارات بل يمكنك الدعوة بطرق بسيطة تخلو من المجاهرة ولكنها لا تعيق الدعوة وهذا هو المهم.

أنا في هذه أعتمد على الكتب التي أحملها من شبكة الإنترنت ولكن للأسف الشديد فهي ليست واضحة وطباعتها على ورق لن تفي بالغرض ﻷنها ليست واضحة وعدم وجود الكتب في بلدي وإحضارها من بلد ﻵخر فيه معوقات أنه أولا ليس لي أحد في تلك البلد مثلا مصرا وثايا غلاء الأسعار ( وأنا طالب ومفلس … ) فهل لديكم توجيه أو حل؟ 
عليك إذا بالتعامل مع النسخ الإلكترونية إلى أن تجد للنسخ الورقية سبيلا.

ماهو حكم المرتد وماقصد سيادتكم بالأصل السادس لا إكراه في الدين ؟ 
نرفض القول بقتل المرتد لتعارض ذلك مع أصل لا إكراه في الدين. أما سؤالك عن هذا الأصل فأقول: الشائع عند العامة أن للمعتزلة أصولا خمسة. أما الخاصة فيعلمون أن للمعتزلة أصلين كبيرين هما التوحيد والعدل، وأن بقية الأصول كلها راجعة لأصل العدل. إن رحم أصل العدل رحم ولود يتسع لمزيد من الأصول الفرعية ومنها أصل: لا إكراه في الدين والذي يمثل نتيجة منطقية لحرية التكليف، فما دام الله لم يجبرنا ولكن فوضنا في الفعل والترك، فإن إكراه إنسان ما على الإعتقاد ينافي مبدأ حرية الإختيار. لا إكراه في الدين معناه أنه يمكنك فقط إعلام الآخر بمعتقدك بالطرق المشروعة لكن يحرم عليك قهره عليه. إن كان الله لم يقهر عباده على اعتناق الإسلام فكيف نكرههم نحن على ذلك؟ في هذا السياق يقول الله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس : 99).

هل للمعتزلة المعاصرة أقصد الغربية أي موقع على الإنترنت أو تواجد عليها ﻷنني قررت أن أكون منهم إنشاء الله ؟ 
إن تقسيم المعتزلة (المعاصرة) إلى مدرستين: إحداهما (شرقية) والأخرى (غربية) هو تقسيم اصطلاحي وضعته للإشارة إلى البقع الجغرافية التي يشع الإعتزال منها. أما التقسيم الأفضل هو تقسيم المعتزلة (المعاصرة) لمدرستين: مدرسة (التفعيل) ومؤسسها هو الشيخ أمين ومدرسة (التجديد) التي أشرف بالإنتماء اليها. الميزة الأساسية لمدرسة (التجديد) هي أنها مدرسة لا مذهبية ترفض التقليد وتدعو للإجتهاد، فتجدها إعتزالية في مواطن ترى أصاب المعتزلة فيها وتجدها غير اعتزالية في مواطن أخطأ المعتزلة فيها. الصفة الثانية أن القواسم المشتركة بينها وبين المدرسة البغدادية أكبر من القواسم المشتركة بينها وبين المدرسة البصرية، ولكن بغير تقليد كذلك، فربما تتوافق مع البصريين في مسائل وتخالف البغداديين في مسائل. ليس لنا للأسف أي موقع على النت سوى موقعنا هذا الذي نتحاور من خلاله والذي يعبر عن فكر مدرسة التجديد إلى حد كبير.

تحياتي الأخوية

الحسيني

Published in: on أغسطس 26, 2008 at 12:00 م  اكتب تعليقُا  

حول مفهوم الوصية في الكتاب

حول مفهوم الوصية في الكتاب
[1]

وردت مادة (و / ص / ص / ى) في الكتاب في 31 موضعا. ترتبط كلمة (وصية) أو أحد مشتقاتها اللفظية في أذهان العوام بالإرث المادي فقط، أي بما يتركه الواحد منا لورثته من متاع الدنيا الزائل. لو تتبعنا مادة (و / ص / ص / ى) بمشتقاتها المختلفة في الكتاب فسنجد أنها تدل على أشياء أشمل وأكمل من الميراث المادي والتركات الحسية. يكاد مفهوم الوصية يتسع ليشمل كل أبواب الحق والصبر والمرحمة بأبعادها المختلفة في المناحي الإيمانية قبل المناحي التشريعية. فيما يلي أقدم عشرة أمثلة تحتوي على ثلاثة عشر موضعا اشتقاقيا لذلك اللفظ الكريم للدلالة على الاتساع والشمول في مفهومه مع طرح بعض الأسئلة والأجوبة لترسيخ ذلك المفهوم.

أولا: الوصية كمفهوم عام
[1] (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة : 130 – 133)

سؤال: بم وصى إبراهيم بنيه ويعقوب؟

الجواب: وصاهم بـ (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

سؤال: ماذا قال يعقوب لبنيه إذ حضره الموت؟

الجواب: قال لهم: (مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[2] (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (النساء : 131).

سؤال: بم وصى الله سبحانه الذين أوتوا الكتاب من قبلنا؟

الجواب: وصاهم بـ (اتَّقُواْ اللَّهَ …). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[3] (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام : 151).

سؤال: بم وصانا الله سبحانه؟

الإجابة: وصانا باجتناب المحرمات التي تلاها علينا: (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[4] (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأنعام : 152).

سؤال: بم وصانا الله سبحانه؟

الإجابة: وصانا بـ (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[5] (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام : 153).

سؤال: بم وصانا الله سبحانه؟

الإجابة: وصانا بـ (هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[6] (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم : 30 – 32).

سؤال: بم أوصى الله سبحانه عبده عيسى بن مريم؟

الجواب: أوصاه بـ (الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ …). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[7] (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت : 8)

سؤال: بم وصى الله سبحانه الإنسان؟

الجواب: وصاه بالإحسان لوالديه: (بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا …). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[8] (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى : 13).

سؤال: بم وصى الله سبحانه أولئك الرسل الكرام؟

الجواب: وصاهم بـ (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ …). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

[9] (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (البلد : 17)

[10] (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر : 3)

سؤال: بم نتواصى؟

الجواب: بـ (الصَّبْرِ) وبـ (الْمَرْحَمَةِ) وبـ (الْحَقّ). فهل هي وصية ميراث؟ لا.

ثانيا: : الوصية كمفهوم خاص
لننتقل الآن للحديث عن المواريث (الفرائض) وعلاقة الوصية بها وتحديدا لقول الله سبحانه:

(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا. وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا. يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (النساء : 7 – 13).

ولنأخذ أحد مقاطع السياق السابق لدراسته دراسة إجمالية وليكن قوله تعالى:

(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ …) (النساء : 12)

تخاطب هذه الآية الكريمة الأزواج الذين تتوفى زوجاتهم وتفترض أحد حالتين أولهما: ألا يكون للزوجة المتوفاه ولد ـ سواء من هذا الزوج أو من غيره ـ وثانيهما: أن يكون للزوجة المتوفاه ولد ـ سواء من هذا الزوج أو من غيره. ففي الحالة الأولى يرث الزوج نصف ما تركت زوجته وفي الحالة الثانية يرث الزوج ربع ما تركت زوجته. وأيا ما كان الأمر فقط اشترط السياق أن تتم تلك القسمة من بعد إخراج وصية أو قضاء دين.

كل هذا مفهوم وظاهر من منطوق الآية الكريمة. برغم ذلك الوضوح الشديد في منطوق الآية إلا أن مفهومها قد يستعصي على كثير من العوام لا سيما من لم يعقل لسان القرآن بصورة صحيحة. يزعم هؤلاء أن “الوصية” واجبة أي مفروضة، وهو زعم يعبر عن خلط شديد بين مفهومي الوصية المتقدمين. كيف ذلك؟ علمنا حتى الآن أن مفهوم الوصية في الكتاب مفهوم شامل يتسع لقضايا الإيمان وقضايا الشرع، أو القضايا العلمية والقضايا العملية كما يتضح من الأمثلة أعلاه. لا يميز كثير من العوام بين “الوصية” و “وصية”. الكلمة الأولى محلاه بأل التعريف أما الثانية فنكرة. وتلك اللام في الكلمة الأولى قد تكون بيانا للجنس وقد تكون ميثاقا للعهد أي ما يطلق عليه النحاة لام الجنس ولام العهد. عندنا إذن ثلاثة أحوال مختلفة:

– الكلمة محلاه بلام الجنس

– الكلمة محلاه بلام العهد

ـ الكلمة غير محلاه باللام أساسا.

إذا استصحبنا ذلك المثلث لنرقب به ألفاظ الوصية في آية المواريث لوجدناها ـ كألفاظ الديون كذلك ـ تخلوا من الألف واللام للدلالة على العموم بمعنى على أي وصية وليس على وصية معهودة. مثال ذلك: ألا يكون للزوجة المتوفاه ولد ولكنها كانت ترعى ابن اختها اليتيم فأرادت أن توصي له بجزء من ثروتها وليكن الثلث، لذلك يجب أن تؤخذ هذه الوصية في الاعتبار عند القسمة، فلو كانت ثروتها هي 90 دينارا مثلا توصي بـ 30 دينارا منها لابن اختها اليتيم فيكون المبلغ القابل للتوزيع الإرثي هو 60 دينارا فقط ومن ثم يحصل الزوج في هذه الحالة على النصف أي على 30 دينارا. هذا ما يفهمه الأصوليون من منطوق تلك الآية الشريفة. لكن هل يفهم أحد من هذا السياق أن الوصية واجبة؟ يجيب الأصوليون على هذا السؤال بالنفي بطبيعة الحال فليس في الآية إيجاب سوى لشيئ واحد فقط هو مقادير وأنصبة الإرث أما وجوب وجود وصية فلا. السياق يدل ببساطة أنه لو حدث ووجدت وصية أو لو حدث ووجدت ديون فيجب طرح هذه القيم من إجمالي الميراث ثم يتم توزيع صافي الميراث بعد ذلك حسب الأنصبة الشرعية. من أين جاءت شبهة إيجاب الوصية إذن؟ أقول: من الخلط بين المفهوم العام للوصايا والمفهوم الخاص بوصية التركات.

ثالثا: الوصية الواجبة
[1] (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة : 180 – 182)

هل لهذه الآيات الكريمة علاقة بالمواريث؟ أين ذكر المواريث في السياق؟ وهل كلمة (الوصية) هنا تدل على نفس ما تدل عليه كلمة (وصية) في آيات المواريث؟ كيف تدل على نفس الشيئ وهذه نكرة وتلك معرفة؟ وهل اللام هنا للجنس أم للعهد؟ وهل كلمة (الوصية) مذكر أم مؤنث؟ وإن كانت مؤنثا فعلى ماذا يعود ضمير التذكير في قوله (بدله)؟ وما معنى كلمة (خيرا)؟ هل تشمل الأموال فقط أم أنها أعم من ذلك؟ وما معنى قوله تعالى (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ)؟ على من يعود ضمير الغائب لجمع الذكور؟ أوليس لفظ الإصلاح هنا يدل على وجود نزاع أسري ما وأن هذه الوصية ربما ترتبط بهذا الموضوع؟ على أن المشهور عند الشيعة الإمامية هو ارتباط الوصية هنا بالميراث وهو كلام لا دلالة عليه إلا من حديث ليتهم نسبوه للمصطفى بل ينسبونه لمن هو دونه من علماء ادعوا لهم العصمة. وإنك لتجد كثيرا من المتشدقين بضرورة الاعتماد على القرآن وحده وطرح الأخبار جانبا يتلقفون من الإمامية فتواهم تلك وما بنيت فتواهم تلك إلا على أثر لقيط مقطوع النسب. نقول لهؤلاء المتشدقين وأمثالهم كونوا أمناء مع مبادئكم ان كان لكم مبدأ واستنطقوا الكتاب فأجيبوا عن الأسئلة السابقة قبل أن تلجوا في مولج القطع. إن الشيعة تسعى جاهدة لإثبات الوصية في مقام الأصول بإثباتها في مجال الفروع، ولا ننسى معتقدهم الخرافي فيما يسمونه بالنص الجلي والوصية بالخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام فلننتبه.

[2] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ. فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ. ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المائدة : 106 – 108)

يقال في هذه ما قيل في تلك: لماذا تم تعريف الوصية هنا وتنكيرها هناك؟ وهل اللام للجنس أم للعهد؟ واضح تماما أن (الوصية) في سياق سورة المائدة هي نفسها (الوصية) في سياق سورة البقرة وهي مغايرة تماما لـ (وصية) في سياق سورة النساء فلابد من الانتباه جيدا لهذه النقطة.


[2]
الوصية الواجبة

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة : 180 – 182)

أول ما نلاحظه هنا هو وصف تلك “الوصية” بأنها واجبة فعلى أي أساس يكون المستند في ذلك الوصف؟ الإجابة: على أساس قوله تعالى (كتب عليكم). السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل لفظا (كتب) و (فرض) مترادفان؟ الإجابة: انطلاقا من قاعدة اللاترادف يلزم وجود فارق دلالي بين اللفظين ومن ثم يجب على الباحث أن يبحث عن المعاني الدلالية لألفاظ مثل: (كتب / فرض / أوجب) وغيرها في معرض دراسته حول الآية. ومن ثم يجب الاحتراس عند التعامل مع العنوان الذي وضعته أعلاه وهو (الوصية الواجبة) الى أن يتضح الفارق بين مفهوم (المكتوب) ومفهوم (الوجوب). ثاني ما نلاحظه في الآيات أن تلك “الكتابة” مقيدة وليست مطلقة، قيدها قوله تعالى (إِن تَرَكَ خَيْرًا)، فأداة (إن) تفيد هنا الشرط فيكون التقدير هو: بشرط أن يترك خيرا كافيا للإيصاء به أما من لم يترك الكفاية فيسقط من عليه حكم “الكتابة”. بعد هاتين الملاحظتين أقول إن في تلك الآية الكريمة ثلاثة مذاهب هي:

المذهب الأول:
أنها آية منسوخة ـ حكما ـ بآية المواريث في سورة النساء. ولما كان منهجنا الأصولي هو رفض مبدأ النسخ بمعنى الإزالة والحذف والتغيير وذهاب المعنى مع بقاء المعنى فإنا نرفض ذلك المذهب الأول تماما.

المذهب الثاني:
أنها آية محكمة لكنها تفيد إباحة الوصية للوارث. ممن يذهب في هذا الإتجاه الإمامية ومن حذا حذوهم وحجتهم في ذلك ما يلي: قال الإمام محمد حسين الطباطبائي في “الميزان”: و في الكافي و التهذيب و تفسير العياشي و اللفظ للأخير عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام): سألته عن الوصية تجوز للوارث؟ قال: نعم ثم تلا هذه الآية “إن ترك خيرا الوصية للوالدين و الأقربين”. وقال: و في تفسير العياشي، عن الصادق عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية.

نقد الرواية الأولى:
سأل محمد بن مسلم الإمام الصادق ـ جعفر بن محمد ـ عليه السلام عن الوصية تجوز للوارث؟ فقال الإمام أبو عبد الله: نعم ثم تلا الآية. يلاحظ هنا أن تلك الرواية تمثل أثرا منسوبا للإمام أبي عبد الله وليست خبرا مرفوعا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد عند المعتزلة يعتبر واحدا من كبار المجتهدين من علماء آل البيت عليهم السلام لكنه ليس معصوما ـ بعكس نظرة الإمامية اليه فهو الإمام السادس عندهم ـ ومن ثم يمثل رأيه اجتهادا وليس نصا. أما اجتهاده ذاك فمعارض بخبر صحيح مرفوع لرسول الله عليه الصلاة والسلام بأنه لا وصية لوارث.

نقد الرواية الثانية:
يروي الصادق (أبو عبد الله جعفر بن محمد) عن أبيه (أبي جعفر محمد الباقر بن علي الأصغر) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: “من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية”. نلاحظ هنا انقطاع السند فالإمام الباقر لم يشهد أمير المؤمنين عليه السلام فقد استشهد أمير المؤمنين عليه السلام في عام 40 هـ بالكوفة بينما ولد الإمام الباقر عليه السلام عام 57 هـ بالمدينة أي بعد 17 عاما من استشهاد أمير المؤمنين ومن ثم فإن تلك الرواية تعاني من ضعف شديد لانقطاع حلقتين من حلقاتها ومن ثم يسقط الاحتجاج بها.

المذهب الثالث:
أنها آية محكمة ولا يعارضها خبر لا وصية لوارث وأن الوصية المعنية هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ …) وهو ما نذهب اليه. وبيان ذلك أن آية البقرة تتحدث عن (الوصية) وليس عن (وصية) فأرجو الانتباه جيدا. لا عجب أن جل النابهين من النحاة كانوا من أهل التوحيد والعدل بدءا بأمير المؤمنين ومرورا بأبي الأسود والخليل وسيبويه وأبي العباس المبرد وأبي علي الفارسي والأصمعي وغيرهم لأنهم فهموا جيدا أن القرآن نزل بلسان عربي مبين فعكفوا على دراسته للوصول إلى قواعد الإعراب والبناء والبيان اشتقاقا من تدبر آي القرآن. من هذا المنطلق اللساني نعلم أنه حينما يقول الحق سبحانه: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ …) فإنه يقصد وصية بعينها وإلا لقال: “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا وَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ” فلاحظ الفارق. الكلمة في لسان القرآن إما أن تكون اسما أو فعلا أو حرفا، والاسم قد يكون نكرة وقد يكون معرفة، والمعارف أقسام كالمعرف بالألف واللام ـ وهي حالتنا هنا ـ والمعرف بالإشارة والاسم الموصول والعلم والضمير والمضاف إلى معرفة وغير ذلك من أنواع المعارف. كلمة (الوصية) ليست فعلا وليست حرفها لكنها اسم معرف بالألف واللام للدلالة على وصية معهودة وسبق تعريفها وهي وصية سورة النساء المتضمنة أحكام الفرائض والمبدوءة بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ …) إلى آخر الآيات الكريمات.

المعنى الإجمالي للآية

قبل الشروع في بيان المفهوم الإجمالي للآية أقدم تمهيدا بتفسير معاني بعض ألفاظها وأبدأ بلفظ (خيرا) وهو لفظ عام يدل على الفضل المادي أو المعنوي ويقصد به في سياقنا الفضل المادي من مال أو متاع. لفظ (جنفا) مشتق من مادة (جنف) والتي وردت في الكتاب في موضعين، في موضعنا الماثل بين أيدينا، وفي قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة : 3) بما يدل على: الميل أو الإنحراف على سبيل الخطأ أو الضرورة. أما لفظ (اثما) فمشتق من الإثم وهو كل ما يؤدي لارتكاب ذنب أو بمعنى آخر: الميل أو الإنحراف على سبيل القصد والإرادة. نشرع الآن في بيان المفهوم الإجمالي للآية.

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ):
كتب الله عليكم

(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ):
إذا ظهرت على أحدكم علامات الموت ومقدماته من شيخوخة أو مرض أو جرح أو خلافه

(إِن تَرَكَ خَيْرًا):
جملة شرطية اعتراضية معناها: إن ترك فضلا من مال أو متاع كاف

(الْوَصِيَّةُ):
اللام هنا للعهد لبيان أنها وصية معهودة عهد بها من قبل.

(لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ):
تكون الوصية للوالدين والأقربين وفق الأحكام التي عرفكم الله بها / عهد اليكم بها ـ أحكام الفرائض ـ وهي جملة من الحقوق العينية.

(فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
الهاء في قوله (بدله) تعود على معنى (الإيصاء) أي: فمن بدل ذلك الإيصاء بمعنى: فمن بدل تلك الوصية. أما الهاء في قوله (اثمه) ف تعود على معنى (التبديل) أي: فإن إثم ذلك التبديل يقع فقط على فاعله ـ كالكاتب مثلا ـ وليس على الموصي ولا على الموصى اليهم.

(فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):
أي من علم أن الموصي انحرف أو مال ـ بالخطأ أو الضرر أو الإكراه – عن أحكام الوصية كما عهد بها الله وكذلك من علم أن الموصي انحرف أو مال ـ بالقصد والإرادة ـ عن أحكام الوصية كما عهد بها الله فقام ـ الكاتب أو القاضي مثلا ـ بتبديل الوصية لجعلها متفقة مع أحكام الله فلا اثم عليه ـ أي: على الكاتب أو القاضي مثلا ـ في هذه الحالة وفي هذا دليل على جواز أو حتى وجوب تدخل قاضي الميراث في الوصية للتأكد من مطابقتها للأحكام الشرعية.

الخلاصة:
نرفض المذهب الأول في تفسير الآية الزاعم نسخها، كما نرفض المذهب الثاني وهو مجرد دعوى بلا دليل شرعي معتمد، ونأخذ بالمذهب الثالث والذي يحقق ميزتين في نفس الوقت أولهما: يبقي الآية على إحكامها، وثانيهما: يوفق بين ظاهر الآية والخبر المرفوع للمصطفى صلوات الله عليه بأنه (لا وصية لوارث) (صحيح). هاتان الميزتان تمثلان ثمرة الأخذ بذلك المذهب الثالث والمستند على تحليل نص الآية في ضوء منهجنا لفهم لسان القرآن، وبهذا المذهب تكون الفتوى إن شاء الله.

تحياتي القلبية

الحسيني

Published in: on ديسمبر 25, 2007 at 1:32 م  اكتب تعليقُا  

في فقه الإستهلال

الإخوة الأعزاء

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

وكل عام وأنتم بخير

جاءني ـ على الخاص ـ تعليق هام من أخ كريم وصديق عزيز رأيت أن أجيب عنه في هذا الشريط تعميما للفائدة فأرجو أن لا يمانع أخي الفاضل في هذا:

رغم انك اخذت بالحساب الفلكي الا ان كل الحسابات المسبقة الوارده في الاجندات تختلف

الإختلاف هنا يعود لأسباب فقهية وليست علمية على الإطلاق، فأنصار الحسابات الفلكية ـ وأنا منهم ـ ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

(1) فريق يأخذ بالإقتران المركزي كبداية مطلقة للشهر الجديد وهذا الرأي تأخذ به المجامع الأوروبية ولذلك تجده في أجنداتها.

(2) فريق يأخذ بالإقتران المركزي كبداية نسبية للشهر الجديد أي بمراعاة توقيت حدوث الإقتران ـ قبل غروب الشمس أم بعده ـ وهذا الذي آخذ به كما تأخذ به دولة عربية واحدة فقط هي ليبيا.

(3) الفريق الثالث لا يأخذ بالإقتران المركزي كبداية مطلقة ولا كبداية نسبية للشهر الجديد وإنما يأخذ بالحساب المؤسس لإمكانية الرؤية أي بمراعاة ما لا يقل عن 12 ساعة بعد حدوث الإقتران وهو الرأي الذي تأخذ به تركيا ومصر والمغرب وأخذت به سلطنة عمان في هذا العام.

ويبقى بعد ذلك أنصار الرؤية بالعين أو بالمقراب والذين لا يأخذون أبدا بالحساب الفلكي كالسعودية ومن يدور في فلكها.

مثال تطبيقي:
ولد هلال شهر شوال 1428 هجرية يوم الخميس الماضي الموافق 11 أكتوبر 2007 على نحو الساعة الخامسة صباحا بالتوقيت العالمي أي نحو الساعة الثامنة صباحا بتوقيت مكة. معنى “ولادة” الهلال هو حدوث الإقتران المركزي أي إقتران مركز الشمس ومركز القمر على خط سماوي واحد. إزاء الحقيقة الكونية تلك يمكن توزيع بدايات الشهر وفقا لمناهج الفرق الثلاثة المتقدمة كالآتي:

(1) تكون بداية شوال ـ عند الفريق الأول ـ في يوم الخميس 11 أكتوبر نظرا لأنه يوم الإقتران المركزي. جدير بالذكر أن الولايات الشمالية المسلمة لدولة نيجيريا الأفريقية أخذت بهذا. علاوة على ذلك تأخذ جميع المراكز العلمية الغربية بهذا المنهج كذلك.

(2) تكون بداية شوال ـ عند الفريق الثاني ـ في يوم الجمعة 12 أكتوبر لأن الشهر العربي يبدأ شرعا بعد غروب الشمس وليس قبلها أي أن الليلة من الخميس مساء إلى الجمعة صباحا تعتبر أولى ليالي الشهر العربي الجديد وهذا هو ما ذهبت إليه وكذلك ما ذهبت إليه ليبيا.

(2) تكون بداية شوال ـ عند الفريق الثالث ـ في يوم السبت 13 أكتوبر بإعتبار إمكانية الرؤية المؤسسة على الحساب وهو ما سارت عليه مصر مثلا ولذلك تجده في أجنداتها.

أما أصحاب الرؤية البصرية ـ كالسعودية ـ فلا منهج لهم سوى التخبط حيث زعم مجلس القضاء الشرعي في السعودية رؤية الهلال بشهادة عشرة من الشهود. كيف يرى عشرة أو ألف أو مليون من الشهود الهلال في السعودية في حين أن القمر قد غرب قبل الشمس بنحو ثلاث دقائق وفق تقويم أم القرى المعمول به هناك؟ كان ينبغي على السعودية ـ إلزاما لهم بطريقتهم ـ الفطر يوم السبت وليس يوم الجمعة.

من ضمن جميع الآراء السابقة تجد أن ما أفتينا به من وجوب الفطر يوم الجمعة 12 أكتوبر يمثل الرأي الوحيد الذي يجمع بين الحقائق العلمية والمعطيات الشرعية.

تحياتي القلبية

والسلام

الحسيني

Published in: on أكتوبر 15, 2007 at 9:11 ص  Comments (1)  

خواطر حول النسائيات

[1]
ملامسة النساء والجنابة والغسل والتطهر

هل هناك تكرار / زيادة في قول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء : 43)

حيث ذكرت الجنابة ثم ملامسة النساء بعد ذلك مما يوحي بوجود تكرار ترادفي أم أن هناك فارقا بين المفهومين؟
يجب التفرقة بين ثلاث كلمات: مس (م، س، س)، لمس (ل، م، س) و لامس (ل، ا، م، س). الملامسة مفاعلة و لامس أي فاعل فهذه الكلمة توحي بالمفاعلة بين الرجال ونسائهم في اطار الفعل الجنسي بين الأزواج. هل ملامسة النساء هي السبيل الوحيد للجنابة حتى نحكم بالترادف أو التكرار؟ قد يصبح الانسان جنبا بالاحتلام مثلا وليس بالملامسة بين الزوجين فتفصل الآية الحالات جميعا: حالة الاحتلام وما شابهها وحالة الجماع، فتشير كلمة (جنبا) الى الحالة الأولى ومثيلاتها بينما يشير تعبير (لامستم النساء) الى الحالة الثانية.

ملامسة النساء ان كانت بمعنى الجماع فقط قد تدخل في باب الجنابة، ولكن ماذا عن ملامسة النساء دون الجماع (تمهيدات الجماع) وماذا عن الذين يجامعون ولا يقذفون بسبب عيب خلقي مثلا؟ لو أنه اكتفى بذكر الجنابة فقط لما شمل اللفظ الحالات الأخرى والتي لا يخرج فيها المني ولذا فصلت الآية:

[1] حالة خروج المني دون وجود جماع مثل خروجه بالاحتلام والاستمناء وغير ذلك.

[2] وحالة ملامسة النساء بنوعيها:

الأول: خروج المني سواء بجماع أو بممهداته.

الثاني: عدم خروج المني حال الملامسة.

هذا التفصيل يستلزم عدم تطابق (الجنابة) و (الملامسة) ومن ثم ذكر الاثنين لاختلافهما.

أما الغسل فهو واجب في حالتين:

(1) خروج المني من الرجل أو الافرازات الجنسية من المرأة دون ملامسة.

(2) الملامسة بين الجنسين سواء أعقبها خروج الافرازات الجنسية أم لا.

فهل يوجد تكرار أو ترادف أو زيادة؟

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ:

[1] وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ.

[2] وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ.

وَإِن كُنتُم:

– مَّرْضَى

– أَوْ عَلَى سَفَرٍ

– أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ

– أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء

فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء : 43)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ.

* وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ.

* وَإِن كُنتُم مَّرْضَى

– أَوْ عَلَى سَفَرٍ

– أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ

– أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا. فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6)

أما التطهر فهو أعم من الاغتسال فالاغتسال يكون بالماء المطلق الطاهر الذي لا تخالطه نجاسة بينما يشمل التطهر الاغتسال اضافة للصفاء المعنوي، لذا قال الله تعالى:

(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (الأنفال : 11)

(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا) (الفرقان : 48)

فالتطهير هنا بالماء، بينما التطهير الآخر المعنوي هو المذكور في قوله تعالى:

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة : 103)

ولذلك فحينما يقول الله جل شأنه ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ) تكون الطهارة هنا (مطلقة) تشمل التطهير المادي والمعنوي، لذلك يأتي قوله تعالى (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ) ليقيد ذلك المطلق، فالقرآن يبين بعضه بعضا.


[2]
في الطلاق

الشريعة الاسلامية ـ ممثلة في العقل والكتاب والرسول ـ تأخذ اتجاه وسطا في موضوع الطلاق، فلم تمنع وقوعه حتى لا تستحيل الحياة الزوجية ـ حين فشلها ـ كابوسا يهدد الزوجين اللذين يريدان الفراق، وفي نفس الوقت لم توقعه ـ الشريعة ـ بدون ضوابط، فجاء التشريع الاسلامي وسطا، واقعيا وعمليا. فيما يلي أستعرض بعض الضوابط التي وضعها الشارع للحد من الطلاق وللترغيب في الاصلاح الزوجي بحيث يكون الطلاق هو الخطوة الأخيرة، وليس الأولى كما يفعل كثير من الناس للأسف الشديد.[1] بغض الشارع الطلاق الى قلوب المؤمنين بأن أعلمهم بأن الطلاق وان كان أمرا حلالا أي مباحا وممكنا الا انه بغيض عند الله.أخرج أبو داوود في سننه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أبغض الحلال الى الله الطلاق. كيف نوفق بين اباحة الشيء وبغض الله له؟ الاباحة هي الحكم العام للطلاق كمخرج أخير بعد استنفاذ كافة الحلول التوفيقية، فان أهمل الانسان هذه الحلول التوفيقية وسارع الى الطلاق في الخطوة الأولى فان هذا المسلك لا يرتضيه الله ولا يبارك فيه.

[2] لم يوقع الشارع الطلاق في حالة الاغلاق اي ذهاب العقل لأي سبب.

أخرج الألباني في صحيح سنن ابن ماجة من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا طلاق ولا عتاق في اغلاق. (حسن)

ولذلك لا يوقع الشارع طلاق السكران ولا طلاق الغضبان ولا طلاق المجنون ولا طلاق فاقد الذاكرة وهكذا.

[3] عدم وقوع الطلاق بالثلاث طلقات في مجلس واحد. الطلاق مرتان رجعيتان بعدهما اما استمرار في الحياة الزوجية أو تطليق بائن.

يقول الله تعالى:

(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ …) (البقرة : 229)

المرتان مقصود بهما الطلقتان الرجعيتان أي التي من الممكن أن يتراجع الزوجان خلالها، فان تراجعا واستحالت الحياة بينهما مجددا وطلقا فان هذه الطلقة الثالثة بائنة.

يقول الله تعالى:

(فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة : 230)

هذه الطلقات الثلاث المذكورة في الكتاب بين الرسول لزوم أن تكون في ثلاثة مجالس وليس في مجلس واحد.

[4] عدم وقوع الطلاق بعد الجماع.

[5] عدم وقوع الطلاق أثناء الحيض.

[6] عدم وقوع الطلاق أثناء الاستحاضة.

[7] عدم وقوع الطلاق أثناء النفاس.

والطلاق في هذه الحالات وغيرها يسمى طلاق البدعة والصحيح أنه لايقع لأن البدعة رد أي باطلة و كل ما بني على باطل فهو باطل.

[8] وجوب الاشهاد على الطلاق أيضا كما الزواج.

يقول الله تعالى:

(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق : 2)

هذه الضوابط القرآنية والرسولية تدل على الآتي:

[1] الاسلام وان لم يمنع الطلاق الا انه يهدف للتضييق من مسلكه والحد من وقوعه.

[2] الاسلام وان ضيق من الطلاق الا أنه اباحه كحل أخير وهذا من عدالة وواقعية ووسطية الشريعة الغراء ـ جعلنا الله من سدنتها.

[3] هذا الحل الأخير لايتم عبر كلمة عابرة أو اشارة موحية وانما عبر عمل مؤسسي يبدأ بين الزوجين ويمر عبر الأقارب وينتهي أمام دائرة الأحوال الشخصية كتابة واقرارا واشهادا.


[3]
إمامة المرأة الرجال في الصلاة

لنفرض أن المرأة أصبحث اماما للصلاة وخطيبا للجمعة، فماذا بعد ذلك؟ هل ستكون الخطوة التالية هي طريقة اصطفاف المصلين والمصليات؟ هل ستسمح “الشيخة” بأن ينتظم الرجال من ورائها في صفوف ثم تليهم صفوف النساء؟ أم أنها ـ وحماية لظهرها ـ ستنظم صفوف النساء من وراءها مباشرة ثم تليهن صفوف الرجال؟ أم أنها ستكون “منفتحة” أكثر فتسمح أن ينتظم الرجال والنساء نفس الصف وبتوزيع عشوائي؟وماذا لو أدركت الصلاة (بفتح التاء) امرأة (بضم التاء) متبرجة، هل ستسمح لها “الشيخة” بالدخول في الصلاة أم أنها سوف تخيب رجاءها ولاتسمح لها بالصلاة معها ما دامت متبرجة؟وهل سيكون للـ “شيخة” سن قانونية معتمدة أم من الممكن أن يسمح لجميع البالغات ـ أعتقد أنه لن يسمح للقصر ولست متيقنا ـ بالامامة؟ وماذا لو فجأها دم الحيض؟ هل ستتم الصلاة؟ عفوا، نسيت أن البعض يجيز للحائض أن تصلي. لكن ماذا لو فاحت منها رائحة الحيض؟ وماذا لو حدث ما ليس في الحسبان وسقطت منها بعض القطرات؟روي عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال:

(لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضا الحكم ، و آخرهن الصلاة) (الألباني)

فيبدوا أنه على المؤمنين الاستعداد للموقف الفاصل، اما الصلاة ـ كما كانت تؤدى عبر التاريخ ـ واما اتباع ما نسمعه كل يوم من دعاوى مستحدثة. ان الصلاة كانت على المؤمنين (كتابا) موقوتا، وكتاب الصلاة ـ من لدن آدم الى عصر النبوة ـ لم يتغير ولم يتبدل، ولم يحدث فيه أبدا أن تولت النساء امامة (المصلين). ولمن شاء معرفة المزيد عن كتاب الصلاة، أنصحه بالاطلاع على مبحث (لوحة قرآنية للصلوات المكتوبة).


[4]
المرأة بين فرية إعوجاج الضلع وتعسف الطاعة

(1) ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وسمرة بن جندب وأبي الدرداء وأبي ذر أن رسول الله قال (إن المرأة خلقت من ضلع…) يخالف ظاهر القرآن الكريم. المشهور عند الناس أن حواء خلقت من كائن حي ولذا سميت حواء وهذا الكائن الحي هو آدم. ظاهر القرآن على العكس من ذلك يدل أن آدم هو الذي خلق من حواء. يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء…) (النساء : 1)حيث يدل قوله تعالى (نفس واحدة) على مؤنث أي حواء. ثم قال (خلق منها) أي من حواء (زوجها) أي آدم. هذا التأويل قد لا يستسيغه الكثير من أهل التقليد ولذلك أقدم لهم وجها ثانيا أخف وقعا وهو كالتالي: قوله تعالى (نفس واحدة) معناه مادة أولية واحدة تم خلق الإنسان منها كالطين مثلا. أما قوله تعالى (خلق منها زوجها) أي خلق العنصر البشري الآخر من نفس المادة أي من الطين كذلك بمعنى أن الرجل والمرأة كلاهما مخلوق من نفس واحدة أي من مادة واحدة هي الطين ومن ثم فليس أحدهما بأرقى من الآخر وفي هذا رفع لكرامة المرأة واعطاؤها حجة في مواجهة الرجل فهي لم تخلق من ضلع آدم وإنما خلق كلاهما من الطين. بهذا يتهاوى البنيان الحديثي المكذوب على رسول الله من قبل كتاب الإسرائيليات.(2) فيما يتعلق بالطاعة المطلقة حتى في الأمر بمخالفة الشرع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم أن الطاعة “المطلقة” تستلزم أن يكون أحد الجنسين أرقى من الجنس الآخر وقد علمنا أن الجنسين مخلوقان من مادة واحدة فلا يصبح هناك مجال لطاعة مطلقة من طرف وسيادة مطلقة من الجانب الآخر. بل إن الحر ليس له أن تكون له سيادة مطلقة على المقيد كالعبيد والإماء وإنما الطاعة المطلقة هي طاعة المخلوقين للبارئ عز وجل.

(3) مفهوم الطاعة والطوع والإطاعة يدل على أن يكون الإنسان “طيعا” أي هينا ولينا في مقابل الأخرين، لا أن يكون متخشبا ولا متصلبا، وعلى هذا يلزم أن تكون المرأة طوع زوجها بالمعروف أي بالمتعارف عليه “العرف” ويلزم كذلك أن يكون الزوج طوع زوجته بالمعروف ما داما متماثلين. أما فكرة “سي السيد” فقد تكون حقا من رواسب باقية في شخصية عدد كبير من الرجال لأسباب تربوية ونفسية ولوجود مفاهيم دينية خاطئة.


[5]
في وصف حسن وأوصاف ومشية المرأة

هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً ***** لا يُـشْتَكى قِـصَرٌ مِـنها ولا طُولُ

حسن المرأة

– إذا كانت بها مسحة من جمال فهي وضيئة وجميلة- فإذا أشبه بعضها بعضاً في الحسن فهي حسانة- فإذا استغنت بجمالها عن الزينة فهي غانية

– فإذا كانت لا تبالي أن لا تلبس ثوباً حسناً ولا تتقلد قلادة فاخرة فهي معطال

– فإذا كان حسنها ثابتاً كأنه قد وسم فهي وسيمة

– فإذا قسم لها حظ وافر من الحسن فهي قسيمة

– فإذا كان النظر إليها يسر الروع فهي رائعة

– فإذا غلبت النساء بحسنها فهي باهرة.

أوصاف المرأة

– الصباحة في الوجه- الوضاءة في البشرة- الجمال في الأنف

– الحلاوة في العينين

– الملاحة في الفم

– الظرف في اللسان

– الرشاقة في القد

– اللباقة في الشمائل

– كمال الحسن في الشعر.

مشية المرأة

– تهالكت المرأة إذا تفتلت في مشيتها- تأودت إذا اختالت في تثن وتكسر- تبدحت إذا أحسنت مشيتها

– كتفت إذا حركت كتفيها

– تهزعت إذا اضطربت في مشيتها.

أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني

Published in: on أكتوبر 14, 2007 at 7:18 ص  اكتب تعليقُا  

حول فقه طرق الإستهلال

الإخوة الأعزاء

سلام الله عليكم

وكل عام وحضراتكم بخير

إنني أحترم كثيرا كل إنسان وكل كيان له منهج واضح يسير عليه حتى ولو كنت أختلف مع ذلك المنهج جزئيا أو كليا، لكن لابد من وجود المنهج، فهل تأخذ الدول الإسلامية بمنهج محدد تسير عليه؟ هناك دول إسلامية تأخذ بمبدأ الميوعة والهلامية فتجدها تسير طول العام القمري وفق خطة معينة ثم تتنصل منها في شهر ذي الحجة إن جاءت نتائجها مخالفة للنتائج الرسمية التي تعلنها الدولة المسيطرة على تنظيم مناسك الحج فهل يمكن أن نحترم تلك الدول ذات الميوعة المنهجية؟ على الناحية الأخرى نجد دولا تعتمد طريقة الإبصار سواء بالعين المجردة أو بالوسائل البصرية المقربة وتضرب بالحساب الذي نص عليه الكتاب المبين عرض الحائط ومن ثم فقد تعلن أحيانا نتائج تخالف نتائج الحساب فهل يمكن أن نسمي فعلها هذا منهجا؟

إن إختلاف المسلمين بشأن تحديد أوائل الشهور القمرية هو نتيجة طبيعية لغياب المناهج والفلسفة العلمية التي تحكم قراراتهم بهذا الشأن ولنأخذ مثلا لذلك:

شهر رمضان لسنة 1428 هـ / 2007 م

يحدث الإقتران المركزي يوم الثلاثاء المصادف 11 سبتمبر 2007 ميلادية نحو الساعة 12:44 بالتوقيت العالمي. إزاء تلك الجملة الخبرية سنجد الإحتمالات الآتية لسلوك المسلمين:(1) قد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الإثنين 10 سبتمبر إن كانوا قد أخطأوا بتحديد أول شعبان مثلا في يوم 12 أغسطس. إن حدث ووقع ذلك الإحتمال فيكون شهر شعبان عندهم قد بلغ 29 يوما تماما بدءا من 12 أغسطس وانتهاءا بـ 9 سبتمبر وهذا أمر غير مستبعد الوقوع على الأقل من الناحية النظرية.(2) وقد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الثلاثاء المصادف 11 سبتمبر لأنه مثلا يوم الإقتران، فيصبحون مفطرين ثم يتمون صوم بقية اليوم بدءا من لحظة حدوث الإقتران، وربما يستندون في هذه الحالة على ما روي عن بعض السلف من أقوال لتكييف تلك الحالة وتأييد ذلك الإحتمال.

(3) وقد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الأربعاء المصادف 12 سبتمبر باعتباره اليوم التالي ليوم الإقتران، فالاقتران يحدث يوم الثلاثاء قبيل غروب الشمس ومن ثم يصبح يوم الأربعاء هو أول أيام الشهر الجديد (شهر رمضان).

(4) وقد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الخميس المصادف 13 سبتمبر باعتبار امكان رؤية الهلال.

وهكذا نجد أن إحتمالات وقوع ذلك الحدث الهام ـ تعيين الفاتح من رمضان ـ ستكون مقصورة على هذه الإحتمالات الأربعة على الأقل ولذلك يجب أن ندرس أوجه المنهجية في تلك الإحتمالات:

[i] فيما يتعلق بالإحتمال الأول فهو غير مقبول على الإطلاق إذ ما بني على خطأ فهو خطأ ومنهجية القرار في تلك الحالة منعدمة تماما.

[ii] الإحتمال الثاني ربما يكون مقبولا علميا ـ على الأقل ـ وشرعيا ـ من باب الحيطة ـ وإن كان يبدو غريبا شيئا ما وغير معتاد وغير مألوف. أود الآن التعريج على تكيفين فقهيين لتلك الحالة “المشكلة”: أول التكيفين يستند على الإنطلاق من “الحساب” الذي حث الكتاب المبين عليه، فبما أن الإقتران سوف يحدث حسابيا يوم الثلاثاء المصادف 11 سبتمبر 2007 على الساعة 12:44 زوالا وفق التوقيت العالمي فمعنى ذلك أن الشهر القمري الجديد “شهر رمضان” يبدأ من تلك اللحظة فعلا ومن ثم يصبح جزء من نهار ذلك اليوم تابعا للشهر القمري الجديد. في هذه الحالة لا يعنينا كثيرا ما قاله بعض الأسلاف من إلحاق ذلك النهار بالشهر القديم باعتبار بداية الشهر تتحدد ـ وفق ما ظنوه شرعا ـ بعد غروب الشمس حيث أن كثيرا منهم لم يهتم بأصل الحساب وإنما كان اهتمامهم منصبا على الإبصار أو إتمام العدة فقط. ثاني التكيفين يستند على على ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ـ إن سلمت الرواية من الجرح ـ حيث قال: “حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة أن الناس رأوا هلال الفطر حين زاغت الشمس فأفطر بعضهم فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: رآه الناس في زمن عثمان فأفطر بعضهم فقال عثمان أما أنا فمتم صيامي إلى الليل…” فلم ينكر عثمان رضوان الله على من أفطر. التكيفان هنا يدخلان في باب “الإحتياط” على أساس صوم جزء من اليوم بعد بدء الشهر القمري الجديد أسلم وأحوط وإن كان كثيرا من الفقهاء يقول بعكس ذلك. أحترم رأي السادة الفقهاء إلا أن الأحوط قد يبدو أولى بالإتباع عند من يأخذ بهذا الإحتمال الثاني.

[iii] الإحتمال الثالث هو المتفق تماما مع الحسابات العلمية والجانب الشرعي المنطلق من المفاهيم القرآنية التي تدعو لاستخدام الحساب. علاوة على ذلك يسمح حدوث الإقتران في اليوم السابق قبل الغروب بدخول الفجر الجديد والمسلمون مفطرين. المسألة هنا فقهية بحتة لكون دخول الشهر القمري الجديد قد بدأ فعلا بلا نزاع في هذا. المسألة الفقهية محسومة في تقديري ـ مع احترام المخالفين ـ بحسم القرآن لها من خلال الإشارات المتعددة للفعل “ح / س / ب” ومشتقاته كالآي الكريمات التالية:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس : 10)(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) (الإسراء : 12)(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (الرحمن : 5)

هذا الحساب ـ والذي أكد القرآن على أهميته ـ قادنا لتوقيت حدوث الإقتران وهو ـ كما تعرفين ـ يوم الثلاثاء الأبيض الموافق 11 سبتمبر 2007 على الساعة 12:44 زوالا أي قبل غروب شمس ذلك اليوم بعدة ساعات مما يعني أن يوم الأربعاء الموافق 12 سبتمبر هو أول أيام شهر رمضان المبارك أعاده الله بالخير على الأسرة المسلمة الواحدة إن شاء الله. الذين يميلون لهذا الرأي ـ ومنهم كاتب هذه السطور العبد الفقير إلى الله ـ لا يهتمون كثيرا بـ “شروط” الرؤية ولا يولونها كثيرا من الأهمية لاجتياز سقفنا المعرفي تلك الوسيلة التبسيطية وللنهل من صريح الذكر الحكيم مع عظيم إحترامي للمخالفين الأجلاء.

[iv] أما الإحتمال الرابع فيستند على أثر مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صحت نسبته إليه فمحمول على الخطاب وفق السقف المعرفي للمخاطبين ـ بفتح الطاء ـ فالسقف المعرفي لمسلمي عصر النبوة لم يكن يسمح بوسيلة لتعيين فواتح الشهور سوى الإبصار البسيط فخاطبهم الرسول وفق قدراتهم ومن ثم فهو خطاب “خاص” يرتبط بسقف معرفي نسبي أما الخطاب العام فهو ما جاء في القرآن من ضرورة الإعتماد على قواعد حساب الديناميكا السماوية. من وجهة نظر أصحاب أو أنصار تلك الحالة الرابعة فإنهم يتبعون منهجا وسطا بين الحساب والرؤية ومن ثم فهو ـ عندهم ـ ربما يكون أفضل المناهج، وأنا شخصيا كنت أقول بهذا الرأي حتى فترة قصيرة إلى أن اقتنعت تماما بالرأي الثالث المشار اليه في النقطة السابقة. لا أشكك في صدق نوايا ومبلغ علم أنصار هذا الإتجاه فهم أساتذتي كالبروفسور يوسف القرضاوي وغيره من العلماء الأجلاء. إن السادة والسيدات أنصار هذا الإتجاه لديهم منهجهم وهم بالتأكيد فخورون به ولكني على يقين أن صدورهم تتسع لاختلافي الأخوي معهم في منهجهم.

في نهاية هذه الخاطرة أذكركم بقول منسوب لعبقري أتباع رسول الله تعالى ونبي الهدى المبين محمد الأمين صلوات الله عليه وآله وهو الإمام على بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: “لأن أصوم يوما ويكون من شعبان لهو خير من أن أفطر يوما ويكون من رمضان”.

وكل عام وحضراتكم بخير

والحمد لله رب العالمين

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 4:31 م  اكتب تعليقُا  

ضرب الأبناء على الصلاة

أرسل إلي أخ عزيز فاضل من بلاد الحرم المكي الشريف بالموقف التالي وسؤال متعلق به مستفسرا عن رأيي في هذا الموضوع. ولما كان للسؤال علاقة بمفهوم (الضرب) في الكتاب ومن ثم فهو يعتبر الوجه الآخر لقضية ضرب الزوجات، رأيت وضع السؤال في هذه الساحة ليكون متمما لموضوع آخر بنفس الساحة بعنوان (واضربوهن) والله ولي التوفيق.

الموقف

اليوم وانا اصلي الفجر في المسجد كان بجانبي غلام صغير عمره فيما اقدره بين الحادية عشرة والثانية عشرة تقريباً… وكما تعلمون ايها الاساتذة الكرام ان بعض ائمة المساجد يطيل القراءة في صلاة الفجر …المهم ان هذا الغلام عندما سجدنا السجدة الثانية في الركعة الثانية غط في نوم عميق وهو على سجوده حتى ان احد المصلين بالجانب الاخر من الغلام افاقه من نومه بحذر شديد وهو يذكر اسم الله ويكرره خشية ان يرتعب هذا الغلام …الحقيقة ان المشهد جعلني افكر لماذا يفعل الاباء هكذا بأبنائهم ..؟ وتذكرت حديثاً مشهوراً يتردد ذكره بين ابناء بلادي بكثرة حتى اصبح الكبير والصغير يعرفه ولا ادري عن صحته وسوف اورده ومن ثم سوف اذكر بعض ملاحظاتي عليه وهو في نظري سبب رئيسي لافعال الاباء التي تكون من هذا النوع … الحديث ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ‏مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع‏” )‏ … وقد افتى بصحته ابن باز مفتي السعودية واللجنة الدائمة للافتاء …

السؤال

نعلم كما هو معروف ان ماهي شروط التكليف المتعارف عليها عن الفقهاء ومنها ( البلوغ – اي الاحتلام – او سن الخامسة عشرة ) … والحديث جاء في متنه (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ) فكيف يضرب على تركه للصلاة وهو لم يكلف بعد ..! فهل هذا الحديث صحيح هذا اولاً …وثانياً . ما معنى الضرب هنا.. هل يعني عقوبة على ترك الصلاة .؟ وان كان كذلك فهنالك العشرات من الشواهد على ان الصلاة تكون من المسلم برغبته ولا يكره او يضرب عليها .. وان كان الضرب هنا له معنى اخر اتمنى ايضاحه …

الجواب

أولا: مدخل إلى الموضوع

[1] الإسلام في علاقته بالإنسان يقوم على قاعدة نفي الإكراه في الدين وفي ذلك يقول الحق جل وعلا:

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ …) (البقرة : 256)

ونفي الإكراه في الدين يشمل العقيدة والشريعة معا إلا ماله علاقة بتنظيم حركة المجتمع في خط المعاملات.

[2] الصلاة في الإسلام لها مكانة كبرى وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة بعد الإيمان بالله ورسوله. يقول المصطفى صلوات
الله عليه:

(إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة) (صحيح / صحيح إبن ماجة / الألباني / 1181)

فمن أنكر الصلاة جحودا فهو كافر مرتد ولكن لا حد عليه ومن تكاسل عنها فلم يؤدها وهو غير جاحد لها فهو مسلم عاصي إن مات دون توبة فهو خالد في النار لأن الحق تعالى يقول:

(وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء : 14)

[3] على الآباء تعليم أبناءهم الصلاة وهذا جزء من مهامهم التربوية على أن لا يتعدوا حدود الشرع باستخدام الإيذاء الجسدي على ما سيأتي لاحقا وبذا تخلص ذمة الآباء تجاه الأبناء أمام الله، فإذا شب الأبناء وتركوا الصلاة فإن الذم يلحقهم بينما لا يلحق آباءهم. يلحق الذم الآباء فقط إن قصروا في تربية الأبناء.

ثانيا: موجز مفهوم الضرب في الكتاب

إذا حاولنا إستنطاق القرآن الكريم لفهم مفهوم (الضرب) فماذا نجد؟

الضرب في الكتاب يأتي على معاني متعددة منها:

– ضرب الأمثال

– الضرب بشيئ كالعصا أو اليمين

– الضرب في الأرض أو في سبيل الله

– ضرب الوجوه والأدبار

وغير ذلك.

في هذا السياق يمكن ملاحظة ما يلي:

(1) ورود الفعل (ضرب) كفعل متعدي لمفعول واحد مثل ضرب الأمثال، الوجوه، الأدبار، …

(2) ورود الفعل (ضرب) كفعل لازم يتعدى بأحد حروف الجر كالضرب باليمين أو على الآذان أو غير ذلك

(3) حروف الجر التي تقترن بفعل (ضرب) هي (الباء) كالضرب باليمين، و (في) كالضرب في الأرض، و (على) كالضرب على الآذان، و (فوق) كالضرب فوق الأعناق.

من خلال تتبع كافة المعاني السابقة نجد أنها تعود لمعنى واحد يمكن أن نسميه أصل الضرب، هذا المعنى أضعه من خلال المعادلة التعريفية التالية:

الضرب = حركة الشيئ وزواله من موضعه

خذ مثلا قوله تعالى:

(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ…) (النساء : 101)

الضرب في الأرض هو إنتقل من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) وهكذا يحل الجسم أو الإنسان في مكان ثم يخلو منه هذا المكان ويحل في مكان جديد وهكذا (الحركة والسيرورة)

وخذ مثلا قوله تعالى:

(فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) (الصافات : 93)

حينما يمسك الإنسان عصا بيمينه ويضرب بها فإنه يرفع يمينه إلى أعلى (النقطة أ) ثم يهوي بها إلى أسفل (النقطة ب) وهكذا يحمل معنى الضرب هنا كذلك معنى الحركة.

وخذ مثلا قوله تعالى:

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) (محمد : 4)

ضرب الرقاب له دلالتان كل منها تدل على الحركة والإنتقال: الإنسان يضرب الرقاب بسيف مثلا فيرفع يمينه بالسيف ثم يهوي به على رقبة العدو وهذا الفعل هو حركة. والرفبة المضروبة هي الواصلة بين الرأس والجسد والتي على أثر الضرب تنقطع فتزول رأسه عن جسده وهو فعل يحتوي كذلك على الحركة.

إذا إستصحبنا كل هذه الملاحظات تسنى لنا إدراك ما يلي:

حينما يربط القرآن بين (الضرب) والحركة في خط (الإيذاء) ـ أي الضرب الجسدي بالمفهوم العامي – فإنه يذكر – أي القرآن – الجزء المضروب مثل: وجوههم، أدبارهم، الرقاب، الأعناق، البنان وهكذا، بينما المفعول به في الآية الكريمة هو (الكل) وليس (الجزء) فخرج بذلك عن كونه إيذاءا جسديا.

ثالثا: الحديث محل البحث
(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع‏…)‏

  

إن صح سند الحديث حقا فإن تفسيره كما يلي:

(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)

توجيه للآباء ببدء ممارسة مهامهم التربوية والتوعوية تجاه الأبناء إزاء الصلاة في الإسلام وشرح مفهومها وتدريبهم على ممارستها.

(واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)

بعد إنتهاء فترة الإعداد النظري للأبناء داخل الأسرة على الصلاة لسبع سنوات تأتي فترة الإعداد العملي لهم عليها خارج الأسرة أي في المسجد وتستمر هذه الفترة لحين بداية التكليف بالبلوغ العضوي.

هذا المعنى توحي به جملة (واضربوهم عليها) من نواح بيانها كالتالي:

(1) فعل (اضرب) فعل أمر مبني متعدي لمفعول واحد على الضم لاتصاله بواو الجماعة وهو يفيد الحركة ولا يفيد الإيذاء الجسدي لعدم النص على الجزء الذي يؤذى كما سبق بيان ذلك أعلاه.

(2) واو الجماعة ـ تعود على الآباء ـ فاعل في محل رفع.

(3) هم ضمير مبني على السكون في محل نصب مفعول به يعود على الأولاد.

(4) حرف الجر (على) يفيد الشيئ الذي يتم تحريكهم (ضربهم) من أجله.

الخلاصة

عبارة (واضربوهم عليها) ليست إلا أمر الآباء لأبناءهم بالسعي إلى الصلاة في المسجد لعشر سنوات تدريبا وتطبيقا عمليا على ما تعلموه نظريا لسبع سنوات، وذلك بقولهم لهم: حي على الصلاة.

مصدر الشبه هو فهم خاطئ بأن فعل (ضرب) معناه الإيذاء الجسدي ولو باللمس الخفيف بينما أصل فعل (ضرب) هو الحركة والإنتقال.

أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني.

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:36 م  اكتب تعليقُا  

خواطر في النسائيات

 

[1]
ملامسة النساء والجنابة والغسل والتطهر

هل هناك تكرار / زيادة في قول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء : 43)

حيث ذكرت الجنابة ثم ملامسة النساء بعد ذلك مما يوحي بوجود تكرار ترادفي أم أن هناك فارقا بين المفهومين؟
يجب التفرقة بين ثلاث كلمات: مس (م، س، س)، لمس (ل، م، س) و لامس (ل، ا، م، س). الملامسة مفاعلة و لامس أي فاعل فهذه الكلمة توحي بالمفاعلة بين الرجال ونسائهم في اطار الفعل الجنسي بين الأزواج. هل ملامسة النساء هي السبيل الوحيد للجنابة حتى نحكم بالترادف أو التكرار؟ قد يصبح الانسان جنبا بالاحتلام مثلا وليس بالملامسة بين الزوجين فتفصل الآية الحالات جميعا: حالة الاحتلام وما شابهها وحالة الجماع، فتشير كلمة (جنبا) الى الحالة الأولى ومثيلاتها بينما يشير تعبير (لامستم النساء) الى الحالة الثانية.

ملامسة النساء ان كانت بمعنى الجماع فقط قد تدخل في باب الجنابة، ولكن ماذا عن ملامسة النساء دون الجماع (تمهيدات الجماع) وماذا عن الذين يجامعون ولا يقذفون بسبب عيب خلقي مثلا؟ لو أنه اكتفى بذكر الجنابة فقط لما شمل اللفظ الحالات الأخرى والتي لا يخرج فيها المني ولذا فصلت الآية:

[1] حالة خروج المني دون وجود جماع مثل خروجه بالاحتلام والاستمناء وغير ذلك.

[2] وحالة ملامسة النساء بنوعيها:

الأول: خروج المني سواء بجماع أو بممهداته.

الثاني: عدم خروج المني حال الملامسة.

هذا التفصيل يستلزم عدم تطابق (الجنابة) و (الملامسة) ومن ثم ذكر الاثنين لاختلافهما.

أما الغسل فهو واجب في حالتين:

(1) خروج المني من الرجل أو الافرازات الجنسية من المرأة دون ملامسة.

(2) الملامسة بين الجنسين سواء أعقبها خروج الافرازات الجنسية أم لا.

فهل يوجد تكرار أو ترادف أو زيادة؟

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ:

[1] وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ.

[2] وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ.

وَإِن كُنتُم:

– مَّرْضَى

– أَوْ عَلَى سَفَرٍ

– أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ

– أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء

فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء : 43)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ.

* وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ.

* وَإِن كُنتُم مَّرْضَى

– أَوْ عَلَى سَفَرٍ

– أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ

– أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا. فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6)

أما التطهر فهو أعم من الاغتسال فالاغتسال يكون بالماء المطلق الطاهر الذي لا تخالطه نجاسة بينما يشمل التطهر الاغتسال اضافة للصفاء المعنوي، لذا قال الله تعالى:

(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (الأنفال : 11)

(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا) (الفرقان : 48)

فالتطهير هنا بالماء، بينما التطهير الآخر المعنوي هو المذكور في قوله تعالى:

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة : 103)

ولذلك فحينما يقول الله جل شأنه ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ) تكون الطهارة هنا (مطلقة) تشمل التطهير المادي والمعنوي، لذلك يأتي قوله تعالى (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ) ليقيد ذلك المطلق، فالقرآن يبين بعضه بعضا.

[2]
في الطلاق

الشريعة الاسلامية ـ ممثلة في العقل والكتاب والرسول ـ تأخذ اتجاه وسطا في موضوع الطلاق، فلم تمنع وقوعه حتى لا تستحيل الحياة الزوجية ـ حين فشلها ـ كابوسا يهدد الزوجين اللذين يريدان الفراق، وفي نفس الوقت لم توقعه ـ الشريعة ـ بدون ضوابط، فجاء التشريع الاسلامي وسطا، واقعيا وعمليا. فيما يلي أستعرض بعض الضوابط التي وضعها الشارع للحد من الطلاق وللترغيب في الاصلاح الزوجي بحيث يكون الطلاق هو الخطوة الأخيرة، وليس الأولى كما يفعل كثير من الناس للأسف الشديد.

[1] بغض الشارع الطلاق الى قلوب المؤمنين بأن أعلمهم بأن الطلاق وان كان أمرا حلالا أي مباحا وممكنا الا انه بغيض عند الله.

أخرج أبو داوود في سننه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أبغض الحلال الى الله الطلاق.

كيف نوفق بين اباحة الشيء وبغض الله له؟ الاباحة هي الحكم العام للطلاق كمخرج أخير بعد استنفاذ كافة الحلول التوفيقية، فان أهمل الانسان هذه الحلول التوفيقية وسارع الى الطلاق في الخطوة الأولى فان هذا المسلك لا يرتضيه الله ولا يبارك فيه.

[2] لم يوقع الشارع الطلاق في حالة الاغلاق اي ذهاب العقل لأي سبب.

أخرج الألباني في صحيح سنن ابن ماجة من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا طلاق ولا عتاق في اغلاق. (حسن)

ولذلك لا يوقع الشارع طلاق السكران ولا طلاق الغضبان ولا طلاق المجنون ولا طلاق فاقد الذاكرة وهكذا.

[3] عدم وقوع الطلاق بالثلاث طلقات في مجلس واحد. الطلاق مرتان رجعيتان بعدهما اما استمرار في الحياة الزوجية أو تطليق بائن.

يقول الله تعالى:

(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ …) (البقرة : 229)

المرتان مقصود بهما الطلقتان الرجعيتان أي التي من الممكن أن يتراجع الزوجان خلالها، فان تراجعا واستحالت الحياة بينهما مجددا وطلقا فان هذه الطلقة الثالثة بائنة.

يقول الله تعالى:

(فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة : 230)

هذه الطلقات الثلاث المذكورة في الكتاب بين الرسول لزوم أن تكون في ثلاثة مجالس وليس في مجلس واحد.

[4] عدم وقوع الطلاق بعد الجماع.

[5] عدم وقوع الطلاق أثناء الحيض.

[6] عدم وقوع الطلاق أثناء الاستحاضة.

[7] عدم وقوع الطلاق أثناء النفاس.

والطلاق في هذه الحالات وغيرها يسمى طلاق البدعة والصحيح أنه لايقع لأن البدعة رد أي باطلة و كل ما بني على باطل فهو باطل.

[8] وجوب الاشهاد على الطلاق أيضا كما الزواج.

يقول الله تعالى:

(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق : 2)

هذه الضوابط القرآنية والرسولية تدل على الآتي:

[1] الاسلام وان لم يمنع الطلاق الا انه يهدف للتضييق من مسلكه والحد من وقوعه.

[2] الاسلام وان ضيق من الطلاق الا أنه اباحه كحل أخير وهذا من عدالة وواقعية ووسطية الشريعة الغراء ـ جعلنا الله من سدنتها.

[3] هذا الحل الأخير لايتم عبر كلمة عابرة أو اشارة موحية وانما عبر عمل مؤسسي يبدأ بين الزوجين ويمر عبر الأقارب وينتهي أمام دائرة الأحوال الشخصية كتابة واقرارا واشهادا.

[3]
إمامة المرأة الرجال في الصلاة

لنفرض أن المرأة أصبحث اماما للصلاة وخطيبا للجمعة، فماذا بعد ذلك؟ هل ستكون الخطوة التالية هي طريقة اصطفاف المصلين والمصليات؟ هل ستسمح “الشيخة” بأن ينتظم الرجال من ورائها في صفوف ثم تليهم صفوف النساء؟ أم أنها ـ وحماية لظهرها ـ ستنظم صفوف النساء من وراءها مباشرة ثم تليهن صفوف الرجال؟ أم أنها ستكون “منفتحة” أكثر فتسمح أن ينتظم الرجال والنساء نفس الصف وبتوزيع عشوائي؟

وماذا لو أدركت الصلاة (بفتح التاء) امرأة (بضم التاء) متبرجة، هل ستسمح لها “الشيخة” بالدخول في الصلاة أم أنها سوف تخيب رجاءها ولاتسمح لها بالصلاة معها ما دامت متبرجة؟

وهل سيكون للـ “شيخة” سن قانونية معتمدة أم من الممكن أن يسمح لجميع البالغات ـ أعتقد أنه لن يسمح للقصر ولست متيقنا ـ بالامامة؟ وماذا لو فجأها دم الحيض؟ هل ستتم الصلاة؟ عفوا، نسيت أن البعض يجيز للحائض أن تصلي. لكن ماذا لو فاحت منها رائحة الحيض؟ وماذا لو حدث ما ليس في الحسبان وسقطت منها بعض القطرات؟

روي عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال:

(لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضا الحكم ، و آخرهن الصلاة) (الألباني)

فيبدوا أنه على المؤمنين الاستعداد للموقف الفاصل، اما الصلاة ـ كما كانت تؤدى عبر التاريخ ـ واما اتباع ما نسمعه كل يوم من دعاوى مستحدثة. ان الصلاة كانت على المؤمنين (كتابا) موقوتا، وكتاب الصلاة ـ من لدن آدم الى عصر النبوة ـ لم يتغير ولم يتبدل، ولم يحدث فيه أبدا أن تولت النساء امامة (المصلين). ولمن شاء معرفة المزيد عن كتاب الصلاة، أنصحه بالاطلاع على مبحث (لوحة قرآنية للصلوات المكتوبة).

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:30 م  اكتب تعليقُا  

خواطر في النسائيات

[4]
في وصف حسن وأوصاف ومشية المرأة

هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً ***** لا يُـشْتَكى قِـصَرٌ مِـنها ولا طُولُ

حسن المرأة

  – إذا كانت بها مسحة من جمال فهي وضيئة وجميلة

– فإذا أشبه بعضها بعضاً في الحسن فهي حسانة

– فإذا استغنت بجمالها عن الزينة فهي غانية

– فإذا كانت لا تبالي أن لا تلبس ثوباً حسناً ولا تتقلد قلادة فاخرة فهي معطال

– فإذا كان حسنها ثابتاً كأنه قد وسم فهي وسيمة

– فإذا قسم لها حظ وافر من الحسن فهي قسيمة

– فإذا كان النظر إليها يسر الروع فهي رائعة

– فإذا غلبت النساء بحسنها فهي باهرة.

أوصاف المرأة

  – الصباحة في الوجه

– الوضاءة في البشرة

– الجمال في الأنف

– الحلاوة في العينين

– الملاحة في الفم

– الظرف في اللسان

– الرشاقة في القد

– اللباقة في الشمائل

– كمال الحسن في الشعر.

مشية المرأة

  – تهالكت المرأة إذا تفتلت في مشيتها

– تأودت إذا اختالت في تثن وتكسر

– تبدحت إذا أحسنت مشيتها

– كتفت إذا حركت كتفيها

– تهزعت إذا اضطربت في مشيتها.

أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:25 م  اكتب تعليقُا  

خواطر في النسائيات

[5]
ملاحظات ختامية

  (1) ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وسمرة بن جندب وأبي الدرداء وأبي ذر أن رسول الله قال (إن المرأة خلقت من ضلع…) يخالف ظاهر القرآن الكريم. المشهور عند الناس أن حواء خلقت من كائن حي ولذا سميت حواء وهذا الكائن الحي هو آدم. ظاهر القرآن على العكس من ذلك يدل أن آدم هو الذي خلق من حواء. يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء…) (النساء : 1)

حيث يدل قوله تعالى (نفس واحدة) على مؤنث أي حواء. ثم قال (خلق منها) أي من حواء (زوجها) أي آدم. هذا التأويل قد لا يستسيغه الكثير من أهل التقليد ولذلك أقدم لهم وجها ثانيا أخف وقعا وهو كالتالي: قوله تعالى (نفس واحدة) معناه مادة أولية واحدة تم خلق الإنسان منها كالطين مثلا. أما قوله تعالى (خلق منها زوجها) أي خلق العنصر البشري الآخر من نفس المادة أي من الطين كذلك بمعنى أن الرجل والمرأة كلاهما مخلوق من نفس واحدة أي من مادة واحدة هي الطين ومن ثم فليس أحدهما بأرقى من الآخر وفي هذا رفع لكرامة المرأة واعطاؤها حجة في مواجهة الرجل فهي لم تخلق من ضلع آدم وإنما خلق كلاهما من الطين. بهذا يتهاوى البنيان الحديثي المكذوب على رسول الله من قبل كتاب الإسرائيليات.

(2) فيما يتعلق بالطاعة المطلقة حتى في الأمر بمخالفة الشرع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم أن الطاعة “المطلقة” تستلزم أن يكون أحد الجنسين أرقى من الجنس الآخر وقد علمنا أن الجنسين مخلوقان من مادة واحدة فلا يصبح هناك مجال لطاعة مطلقة من طرف وسيادة مطلقة من الجانب الآخر. بل إن الحر ليس له أن تكون له سيادة مطلقة على المقيد كالعبيد والإماء وإنما الطاعة المطلقة هي طاعة المخلوقين للبارئ عز وجل.

(3) مفهوم الطاعة والطوع والإطاعة يدل على أن يكون الإنسان “طيعا” أي هينا ولينا في مقابل الأخرين، لا أن يكون متخشبا ولا متصلبا، وعلى هذا يلزم أن تكون المرأة طوع زوجها بالمعروف أي بالمتعارف عليه “العرف” ويلزم كذلك أن يكون الزوج طوع زوجته بالمعروف ما داما متماثلين. أما فكرة “سي السيد” فقد تكون حقا من رواسب باقية في شخصية عدد كبير من الرجال لأسباب تربوية ونفسية ولوجود مفاهيم دينية خاطئة.

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:23 م  اكتب تعليقُا