تركيا

الإخوة الأفاضل

سلام الله عليكم

وصول عبد الله جول للرئاسة التركية هذا الأسبوع لقي تأييدا واسعا عند الكثير ومعارضة واسعة عند الكثير أيضا. أما المؤيدون فيمثل الإسلاميون والإسلاميون الحركيون جزءا كبيرا منهم. إضافة لذلك هناك الكثير من غير الإسلاميين من رحب بإنتخاب مرشح حزب العدالة لأسباب سياسية أو إقتصادية. على الجانب الآخر يقف العسكر والجمهريون والكماليون والعلمانيون موقفا متشددا تجاه جول بسبب حزبه ذي الخلفية الإسلامية ولأسباب شخصية كون مسلما متدينا وكون زوجته سيدة النساء – هذا هو اسمها وليس وصفا ـ تضع غطاءا ساترا لشعرها. لم يهتم المعارضون كثيرا بالجوانب الموضوعية في شخصية جول السياسية مثل كونه سياسي واع ونزيه ووقف مبلغ علمهم عند الجوانب الشخصية كالتدين والملبس. الجيش التركي يترقب الوضع الجديد، ولولا الإعتبار للغرب ولمشروع الإنضمام للإتحاد الأوروبي لقام الجيش ربما بحركة هوجاء من الحركات التي سبق له القيام بها وكان آخرها ضد أستاذ الفيزياء البروفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الفضيلة ورئيس وزراء تركيا في ذلك الوقت. فالجيش التركي حالة “مرضية” نادرة إذ المعلوم أن لكل دولة جيشا يدافع عنها إزاء المحتل الخارجي إلا في حالة الجيش التركي الذي يتصرف ليس على أنه جيش يخدم ولكن يريد أن يجبر الدولة على أن تخدم الجيش.

السيد عبد الله جول رئيس تركيا المنتخب يقف بين المطرقة والسندان في هذه التجربة: لا يستطيع الخروج على المبادئ الوثنية اللائكية التي خلفها الصنم التركي الذي يحكم العقول المريضة من قبره على مدار أكثر من ثمانين عاما، وفي نفس الوقت لا يريد جول أن يخسر تأييد الإسلاميين من ناحية ولا الشركاء الأوروبيين من ناحية أخرى. هو إذا في موقف صعب ولكنه يقف وتقف معه الشرعية الدستورية والشعبية على كل حال أحب من أحب وكره من كره.

تحياتي

الحسيني

Advertisements
Published in: on أغسطس 31, 2007 at 3:39 م  اكتب تعليقُا  

مجتمع التوحيد والعدل المنشود

إن المجتمع الذي نسعى لبناءه هو المجتمع الإسلامي الذي يستلهم ثقافة التوحيد والعدل بأسسها الثلاثة العقل والقرآن والرسول. إن قيمة التوحيد والعدل لا تتمثل في كونها معتقد ايماني فحسب بل لكونها ـ اضافة للجانب العقدي ـ ثقافة إنسانية ينهل منها من يرى أنه انسان. في الوقت الراهن أقوم بزيارة شخصية لمصر المحمية بالحرامية ـ تعبير زميلنا قطب الشروني رحمه الله ـ وللأسف الشديد وجدت أن ذلك التعبير ينطبق تمام الإنطباق على مصر حكومة وشعبا: أما الحكومة ففاسدة وأما الراعي فيحتاج لمن يرعاه وأما الشعب فحدث ولا حرج. لقد انتشر الفساد الأخلاقي والثقافي في المجتمع المصري كانتشار النار في الهشيم وأصبح مجتمعنا مثقلا بما لا يتصوره عقل من تسيب واهمال وصدق القائل

إذا كان رب البيت بالدف ضاربا ***** فشيمة أهل الدار الرقص والطرب

ولم يشمل الفساد غير الملتزمين فقط بل على العكس بات الإنسان متوقعا لدغات العقارب من الملتزمين المتمسلمين أكثر من غيرهم للأسف الشديد، فبدلا من أن يتحول الملتزم الى منار منيف إذا به يتحول إلى وحش مخيف وكابوس سخيف. التجارة والمتاجرة في مناحي الحياة الإجتماعية أضحت مزايدة مشروعة وأصبح الملتزم بمبادئه في مجتمع الفساد غريبا أو كالغريب وصدق الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم حينما قال:

(بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)

إن ثقافة التوحيد والعدل تستلزم اولا: الإيمان العقلي وثانيا: التصديق القلبي وثالثا: موافقة عمل الجوارح لعملي العقل والقلب بحيث ينصهر الإنسان كله في بوتقة واحدة هي بوتقة الإعتزال: اعتزال الشر والفسق والجور والجبر وسائل الشركيات. أما مجتمعنا المعاصر فهو أبعد ما يكون عن التوحيد والعدل عقلا وقلبا وسلوكا.

(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) (الزخرف : 76)

حينما رأيت المجتمع المتمسلم الكافر بروح التوحيد والعدل أيقنت أن الإسلام بدأ مرحلة الإغتراب التي أشار إليها نبينا الأكرم ورحم الله شاعر النيل حافظ ابراهيم حين قال:

فإما حياة تبعث الميت في البلى ***** و تنبت في تلك الرموس رفاتي

و إما ممات لا قيامة بعده ***** ممات لعمري لم يقس بممات

ولكن بوادر الخير آخذه في الظهور وها هي ثلة أمامي في أعمار الزهور تؤذن بذلك فأسئل الله لهم التوفيق وأوصيهم بتقوى الله والثبات حتى الممات.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

والسلام عليكم وعلى عباد الله الصالحين ورحمة الله وبركاته

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 5:04 م  اكتب تعليقُا  

المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (1)

علاقة “الإيمان” و “السياسة” علاقة وطيدة وطردية، فإن نحا الإيمان إلى الرقي نحت السياسة نحوه. كثيرا ما تستخدم بعض مفاهيم الإيمان ـ العقيدة ـ في السياسة الشرعية إما بطريق مباشر أو غير مباشر ولذلك سأقوم من خلال هذا الشريط بتوفيق الله وعونه بشرح مبسط لبعض المفاهيم العقدية ذات الأثر السياسي مثل المفاهيم التالية:

الهدى، الضلال، القضاء، القدر، المشيئة، الإرادة

وغير ذلك من المفاهيم التي سأقوم بعرضها تباعا كنوع من “التأصيل” الإيماني للسياسة الشرعية.

 

[1] الهدى

مفهوم “الهدى” في الكتاب يدل على “التوجيه” و “الإرشاد”. والهدى ـ هندسيا ـ حركة في خط مستقيم تجاه هدف محدد، وعكسه “الضلال” والذي يعتبر حركة معوجة وتشتت لا هدف له. الهدى في كتاب الله نوعان: هدى “البداءة” وهدى “المكافأة”.

هدى البداءة
ابتدأ الله جل وعلا المكلفين من خلقه بالهداية العامة. وهذا النوع من نوعي الهداية الإلهية له ثلاث مناهج / مسالك. أولا: خلقهم عقلاء قادرين على ربط المدخلات بالمخرجات والأسباب بمسبباتها ولم يخلقهم بهائما ولا جمادا ولا غير ذلك. ثانيا: أنزل عليهم كتبا فيها ذكرهم وكان القرآن الكريم آخر تلك الكتب المنزله، وعن هدايته يقول:

(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة : 2)

ثالثا: بعث فيهم رسلا مبشرين ومنذرين:

(رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء : 165)

وكان محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ومن ثم خاتم المرسلين. وكما تنير الشمس لسائر الناس النهار ولا يستثنى من إشعاعها أحد منهم فكذلك هداية “البداءة” بمناهجها الثلاثة العقول والكتب والرسل تنير للناس طريقهم في الحياة الدنيا وتهديهم بفضل الله سبلهم.

هدى المكافأة
لئن كان هدى “البداءة” عام لجميع المكلفين، فإن هدى “المكافأة” خاص للمؤمنين فقط، استحقوه لإيمانهم و لفضل من الله عليهم بسبب ذلك الإيمان:

(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) (محمد : 17)

فقوله تعالى (الَّذِينَ اهْتَدَوْا) إشارة إلى الذين إتبعوا الهدى الأول وهو هدى البداءة، وقوله تعالى (زَادَهُمْ هُدًى) إشارة إلى المؤمنين الذين يزيدهم الله في الهداية بهدى المكافأة بسبب استجابتهم لهدى البداءة. تتعدد الألفاظ الدالة على نوعي الهدى إلا أن المفهوم واحد: هدى عام لجميع المكلفين وهدى خاص بالمؤمنين.

عبارة “الله يهدي”
من أكثر العبارات التي تجري على ألسنة الناس سوءً و قلةً في الأدب مع الله تعالى هي قول الناس “ربنا يهدي فلان” حينما يروا فلانا الضال وكأن الله “قصَّر” في هدايته. الله تعالى تفضل علينا أولا بالخلق وثانيا بالهداية فمن زعم أن الله لم يهد فلانا الضال فهو مفتر على الله وله عذاب أليم إن لم يتب. نعم يجوز أن ندعو للمهتد بمزيد من الهداية فنقول مثلا “اللهم زد فلانا من هدايتك” لكن لا يحق لنا أن ندعو للضال بالهداية لأن الله قد هداه حقا بل لابد في هذه الحالة أن ننصح الضال بإتباع هدى الله. الدعوة بهداية الضال يجب أن نتوجه بها إلى الضال بذاته وليس إلى الله تعالى الذي أتم هداية البشر جميعا بإرساله محمدا صلوات الله عليه. إذا رأينا “المهتدي” دعونا الله له بمزيد من الهدى وإن رأينا “الضال” نصحناه بالهدى ولكن لا نطلب من الله أن يهديه لأن الله قيوم قام بهدايته فعلا.

 

[2] الضلال

إذا كان مفهوم “الهدى” في الكتاب يدل على “التوجيه” فإن مفهوم “الضلال” يدل على العكس أي على “اللا توجيه” أي “التشتت”. وإذا كان الهدى ـ هندسيا ـ يمثل حركة منتظمة في خط مستقيم صوب “هدف” محدد فإن الضلال على العكس من ذلك يمثل حركة فوضوية لا تسعى لهدف محدد أي “بعثرة” و “ضياع” وهكذا.

معنى “الضلال” في الكتاب
ذكرت للتو أن مفهوم “الضلال” في الكتاب يدل على “التشتت” و “البعثرة” في كل إتجاه، هذا ما نفهمه من خلال قوله تعالى:

(مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم : 18)

ماذا يحدث لـ “الرماد” ـ مثل لأعمال الذين كفروا ـ الذي اشتدت به “الريح” في يوم “عاصف”؟ الجواب: يتشتت، يتبعثر ويذهب في كل مكان. وصف الله تعالى هذا المعنى وحدد أن (ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ).
ظلام أهل الجبر و نور أهل العدل
يخالف أهل الجبر هداية العقول ويفترون على الله كذبا بتمسكهم بالمتشابه وطرحهم المحكم وراء ظهورهم فينسبون “الإضلال” إلى الله مستندين على فهمهم السقيم لآيات كريمة مثل:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم : 4)

فيعتقدون أن الله تعالى يضل من يشاء بعشوائية. أما أهل العدل فيتصدون بنور علمهم لظلام جهل أهل الجبر فيوضحون أن أولئك المجبرة يغفلون أولا عن معنى كلمة الضلال الواردة في نفس السورة، ويغفلون ثانيا عن الفئات التي يقع عليها الضلال مثل:

(يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ) (غافر : 34)

(يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ) (غافر : 74)

(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم : 27)

يضل أي يبعثر الأعمال. أعمال من؟ أعمال الكافرين والظالمين والمسرفين وسائر العصاة. الإضلال ـ البعثرة والتشتيت ـ لا تتم هكذا بطريقة فوضوية ولكنها تتم للإستحقاق إما لكفر أو لظلم وهكذا.

 

خلاصة مفهومي الهدى والضلال

(1) الله تعالى تفضل على سائر المكلفين بخلقهم.

(2) تفضل الله علي سائر المكلفين بعد ذلك بعدله واحسانه ورحمته فهداهم جميعا أي وجههم للصراط المستقيم هداية بداءة، بالعقول والكتب والرسل.

(3) هناك من استجاب لهداية البداءة بأن أعمل عقله واتبع الكتاب وأطاع الرسول فكافأة الله بهداية إضافية تشجيعا وتثبيتا.

(4) وهناك من رفض الإستجابة لهداية البداءة فلا يمنحه الله أي هداية إضافية ويمنع عنه توفيقه ولطفه عقوبة له فيضيع وتتبعثر جهوده وتشتت فيشقى والجزاء من جنس العمل.

 

الهدى والضلال والسياسة الشرعية

يجب على المسلمين أن يعوا أن الله تعالى هدى الناس جميعا هداية متساوية في البداية ثم خص المؤمنين فقط بالهداية الزائدة. ويجب عليهم أن يعوا أن “الضلال” ليس مفروضا على العصاة حتى لا يقوم أحد المغرضين بخداع الناس بهذا بل الضلال باب مؤصد على الذين فعلوا الظلم والفساد والإثم وأن أعمالهم هباء منثور وجهودهم كرماد وأن مفتاح ذلك الباب بأيدييهم إن تابوا إلى الله وعملوا صالحا ينتفى عنهم إسم الضلال ويستحقون بالتالي هدى المكافأة. السياسة التي تقوم على مبدأ “الجبر” وأنه من فعل الله سياسة شيطانية أما السياسة الشرعية فتخاطب رعاياها قائلة لهم بحق بأنهم هم الذين يختارون لأنفسهم فإما أن ينالوا هدى الزيادة بعملهم الصالح وإما تتشتت أعمالهم ويفقدون تأييد الله فيلحقهم إسم الضلال. السياسة الشرعية في تدبير حوائج الرعية تقوم على مبدأ الإختيار “السياسي” المتولد من رحم الإختيار “الإيماني”.

أكتفي الآن بهذا القدر حول مفهومي “الهدى” و “الضلال” وإلى مفهومي “القضاء” و “القدر” قريبا بمشيئة الله.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:16 م  اكتب تعليقُا  

المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (2)

 

[3] القضاء

القضاء في الكتاب الحكيم تأتي على عدة أوجه تعود جميعها لمشترك جذري واحد، وسأعرض أولا بعض تلك المشتركات اللفظية قبل عرض المشترك الجذري لها:

(1) القضاء إشارة إلى الحكم
يقول الله تعالى في التنزيل:

(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ…) (غافر : 20)

أي يحكم بالحق وسنتعرض لمفهوم “الحكم” بالتفصيل من خلال بحث مفهوم “الحاكمية” بتوفيق الله. أما المفهوم الشائع للحكم بمعنى الفصل في النزاعات والقضايا فهو داخل كذلك في مفهوم الآية الشريفة.

(2) القضاء إشارة إلى الأمر
يقول الله تعالى في التنزيل:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…) (الإسراء : 23)

أي أمر ألا نعبد إلا إياه وأمر بالإحسان إلى الوالدين.

(3) القضاء إشارة إلى الإخبار
يقول الله تعالى في التنزيل:

(3) ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا…) (الإسراء : 4)

نلاحظ أن فعل “قضينا” هنا تعدى بحرف الجر “إلى” أي أخبرنا وأعلمنا وليس معناه حكمنا ولا أمرنا.

(4) القضاء إشارة إلى الخلق
يقول الله تعالى في التنزيل:

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت : 12)

كما تأتي مادة (ق / ض / ى) لغير ذلك من المعاني الفرعية والتي تعود جميعا لمشترك جذري أي معنى أصلي واحد :

 

المفهوم القرآني لكلمة (ق / ض / ى) هو إتمام إحكام الشيئ بصورة كاملة

فالحكم هو آخر ما يصدر من المحكمة بعد إنتهاء المداولات والمرافعات والإستماعات وغير ذلك فيتم إكمال القضية وإتمامها بالحكم. والأمر هو فعل صدر واكتملت عناصره وتمت. وكذلك الإخبار والخلق. ولذلك يقول الحق جل وعلا على لسان يوسف عليه السلام:

(قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف : 41)

أي تم واكتمل تأويل الرؤيتين بعد إعلام الله تعالى له بما تم اتخاذه من تدابير بشأن صاحبيه في السجن.

[4] القدر

القدر في اللسان
[1] القدر أصله ثلاثة حروف هي: القاف والدال والراء (ق د ر) وأول ما يتبادر الى الذهن من هذه الكلمة هو لفظ (قدرة) والذي يعني الاستطاعة على الفعل والترك. الجين اللغوي الأول لهذه الكلمة اذا يشير الى القدرة أي أن القدر يشير الى قدرة الله.

[2] ثاني ما قد يتبادر الى الذهن من هذه الكلمة هو لفظ (مقدار) والذي يدل على التوافق ـ كمي كان أم نوعي ـ أي توافق وتساوي المقدر مع المقدر له، كما قال الشاعر:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ***** وتأتي على قدر الكرام المكارم

الجين اللغوي الثاني لهذه الكلمة يشير اذا الى التوافق بين أمر الله وفعله أي أن فعل الله ـ الخلق مثلا ـ يأتي موافقا لأمره، لا يحيد عنه ولا يميد، لا يقل عنه ولا يزيد. لو أراد الله أن يخلق كوكبا ـ مثلا ـ فان الكوكب يأتي تماما على الوجه الذي أراده الله، على عكس الانسان الذي قد يريد أن يفعل شيئا معينا ـ يرسم لوحة زيتية مثلا ـ فيأتي العمل في صورته النهائية غير متوافق مع ما أراده ولو بمقدار ضئيل من الانحراف. حينما نقول (قدر)، فنحن اذا نستحضر معاني (القدرة) و (المقدار). هذا عن القدر في اللسان فماذا عن القدر في القرآن؟

القدر في القرآن
لنتدبر بعض الآيات الكريمة التي تتحث عن القدر:
[1] (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (الانعام : 96)

[2] (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس : 5)

[3] (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس : 38 – 40)

[4] (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت : 9 – 12)

[5] (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ. وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف : 9 – 12)

هذه المواضع الخمسة هي غيض من فيض من آي الذكر الحكيم التي تعالج موضوع (القدر) أوردتها على سبيل المثال لا الحصر ونلاحظ فيها ما يلي:

(1) أنها تدور حول بعض آيات الكتاب الكوني المبين (آيات الله الكونية والتكونية).

(2) أنها وردت في محل الاستلال على قدرة الله واستطاعته وهو ما يتفق مع الجين اللساني الأول.

(3) أنها بينت أن أفعال الله لا تخرج عن مراد الله وأمره بل تأتي هذه الافعال بالمقياس المنضبط الذي يريده الله تعالى وهو ما يتفق مع الجين اللساني الثاني.

تساؤل واستنتاج
وردت أيات القدر في الكتاب اطار الاشارة الى قدرة الله التكوينية فهل لاحظ أحد من السادة القراء ورود آيات القدر في معرض الاشارة الى القتل والظلم والقبح والفساد والاجرام؟ اذا كانت الاجابة على التساؤل السابق بالنفي فاعلم أن كل هذه القبائح الله منها برئ لم يقدرها ـ ليس عجزا ولكن عدلا واحسانا وحكمة ـ ومن ينسبها الى قدر الله فقد أعظم على الله الفرية.

الخلاصة
القدر هو قدرة الله على خلق الفعل باحكام واتقان بحيث يأتي الفعل وفق أمر الله ومراده.

(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يس : 82 – 83)

 

القضاء والقدر والسياسة الشرعية

مفهوم القضاء لا يترادف مع مفهوم القدر فكلاهما مختلف: مفهوم القضاء في الكتاب يدل على “الإتمام” و “الإكتمال” بينما مفهوم القدر يدل على “قدرة” الله في الإتيان بالشيئ وفق إردته. فالله قدر القمر منازل أي أنه أراد ذلك فجاء “التنفيذ” مطابقا للإرادة. أما الفعل نفسه بعد إتمامه وإكتماله فهو قضاء أي فعل تم. أما السياسة “الغير” شرعية فهي تربط القضاء والقدر بأفعال العباد التكليفية لتبرير مظالمهم ولتثبيط الناس عن مطالبهم الشرعية. ولذلك يقول أهل العدل وبكل إيمان بالله بأن المظالم التي يرتكبها الجائرون في حق شعوبهم من توريث للحكم وظلم في التوزيع وقمع للعباد وإهدار لموارد البلاد ليست من القضاء والقدر في شيئ وإنما الظلم من الظالمين والجور من الجائرين والعدل والإنصاف من رب العالمين. يروى أن والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي الظالم لما قبض على الإمام معبد بن خالد الجهني وسلسله بالقيود وزج به في غياهب السجن قال له متهكما: إن قضاء الله وقدره هو الذي أدخلك إلى القيد. فأجابه معبد الجهني قائلا: إنما يداك وأيدي سجانيك هي من أدخلني إلى القيد فحل عني قيودي وأخرجني من السجن وأطلق سراحي لنرى هل سيدخلني قضاء الله وقدره إلى القيد أم لا. الحجاج بن يوسف وكل ظالم سبقه أو لحقه يقتل وينكل ويعذب ويسجن ثم يدعي الزور ويفتري على الله ناسبا المظالم إليه جل وعلا بدلا من أن يعترف بذنبه. إن زعماء الثورة الفرنسية الذين رفعوا شعار “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس” كانوا أكثر فهما للقضاء والقدر من أهل الجبر العقدي وأهل الجبر السياسي.

وإذا كان معبد الجهني دخل السجن ـ بزعم الفاسق الحجاج ـ بقضاء الله وقدره فلماذا يعاقب معبد أصلا وما خرج إلا بقضاء وقدر، ولماذا يقتل الحجاج سعيدا بن جبير وما قد خرج على الحجاج إلا بقضاء وقدر ولماذا يقتل عبد الله بن الزبير وما قد خرج على عبد الملك بن مروان إلا بقضاء وقدر، ولماذا قتل يزيد الفاسق حسينا وما قد خرج إلا بقضاء وقدر ولماذا يتباكى أهل الشام على قتل عثمان وما من قاتل له سوى القضاء و القدر؟

إن الذي يعلق ذنوبه وآثامه على القضاء والقدر أحد رجلين: إما جاهل لم يفهم معنى القضاء والقدر القرآنيين وأنهما مرتبطان بأفعال الله تعالى كما أن للعبد كذلك أفعالا يقدر عليها ويقضيها وإما ظالم يريد قمع السخط الشعبي ضده فيقول لشعبه بخبث: هل يقع في كون الله ما لا يريده الله؟ فيجيبه البلهاء بالنفي فيقول لهم: إن رفضتم ذلك فأنتم تطعنون في الإيمان بالقضاء والقدر وإن قبلتم فليس عليكم إلا الصبر وأجركم على الله.

إن السياسة الشرعية في الإسلام ترفض ذلك الكلام وترده في وجه قائله: الله قدر الليل والنهار وقدر الشمس والقمر وقدر الموت وقدر الرزق وكلها أفعال كونية ذكرها في الكتاب مقترنة بالقدر فهل رأى أحد منكم إقتران القدر في القرآن بالكفر والظلم والفساد وقهر الشعوب ونهب الثروات وتعذيب الأبرياء؟ وإذا كان الله يقضي بالحق فهل إنتشار الخمارات والبارات وأماكن الزنا وأكل مال اليتيم وغير ذلك من “الحق” حتى يقضي الله به؟

لا يجيب على مثل هذه التساؤلات بنعم إلا كافر بما نزل على محمد صلوات الله عليه أما المؤمنون فيقولون الظلم من الظالمين والحيف من الجائرين أما العدل والإنصاف فمن رب العالمين.

أكتفي الآن بهذا القدر حول مفهومي “القضاء” و “القدر” وإلى مفهومي “المشيئة” و “الإرادة” قريبا بتيسير الله.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:13 م  اكتب تعليقُا  

المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (3)

 

[5] المشيئة

يخلط كثير من المسلمين بين مفهوم “المشيئة” ومفهوم “الإرادة” الإلهية وكأن المفهومين متطابقان. حينما نتلو كتاب الله ثم نرتل آياته ترتيلا ـ تجميعا ـ يتضح على العكس أن هناك “فروق” دلالية ومعنوية بين المفهومين. ولما أكثر أهل الجبر ـ العقدي والسياسي ـ من تعليق أفعالهم تارة على المشيئة وتارة على الإرادة، كان لزاما دراسة هذين المفهومين العقديين ودراسة أثرهما السياسي. حديثنا الآن عن المشيئة وأنواعها: ما هو “مفهوم” المشيئة في الكتاب؟ العجيب هو أن كلمة “مشيئة” لم تذكر في الكتاب ولو لمرة واحدة لكن ذكر معناها وذكرت مشتقاتها في كثير من الآيات بألفاظ مختلفة مثل: شاء / يشاء / شيئ / شيئا/…أما أقرب المشتقات القرآنية لهذه المادة هي: أنشأ / ينشئ / النشأة / … مثل قوله تعالى:

(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ) (المؤمنون : 78)

(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت : 20)

الكلمات القرآنية [شاء / يشاء / شيئ / شيئا/… أنشأ / ينشئ / النشأة / …] تشترك جميعا في جذر واحد هو (ش / ا / ء) مع ملاحظة قواعد الإبدال والإعلال بالنسبة لحرف الألف: (ش / ي / ء) فما هو “الشيئ”؟ الشيئ في لسان القرآن هو كل ما له وجود مثبت / الموجود أي ما يُتصور أن يُخبَر عنه ماديا كان أو غير مادي. فالإنشاء مثلا هو إقامة أو بناء أو تشييد شيئا والمشيئة هي تشييءُ الشيءِ أي إنشاءه أو خلقه أو اقامته وهكذا. الشيئ ـ أي الموجود ـ هو محل المشيئة والإنشاء وغير ذلك من التراكيب اللفظية ذات المشترك الجذري محل البحث. حينما نتحدث عن “المشيئة” فإننا نقصد إذن تشييءَ الأشياء أي إحداثها أو إيجادها أو إقامتها. هذا عن تعريف “المشيئة” فماذا عن أنواعها؟ المشيئة من الله نوعان: مشيئة الإجبار ومشيئة الإختيار، وبعض المتكلمين يتحدثون عن مشيئة كونية ومشيئة شرعية إلا أنني والبعض يقول مشيئة تكوينية ومشيئة تمكينية وهكذا اتفق معظم المتكلمين على وجود “نوعين” للمشيئة الإلهية ولا مشاحة في الإصطلاح.

مشيئة الإجبار
هي مشيئة الله الكونية / التكوينية / القدرية أي خلقه لهذا الكون بكل مكوناته بحيث لا يخرج “شيئ” ما عن “دوره” المرسوم له فلا الشمس تستطيع التوقف عن الجريان ولا الإنسان بقادر على الفرار من الموت وهكذا نجد “الإجبار” في هذا الجانب. طبيعي أن الله لا يحاسب العباد على ما أجبرهم عليه فلا يعاقب ذا البشرة السوداء لسوادها ولا يثيب المرأة الحسناء لحسنها لكون ذلك من الخلق التكويني الذي لا يقع تحت طائلة أفعال العباد. الله جل وعلا خلقنا قادرين على الإيمان والكفر والخير والشر ولو شاء أن يجبرنا ويقهرنا ويقسرنا على الإيمان وحده أو الكفر وحده لفعل ما يشاء ولكن سيسقط عندئذ مبدأ الثواب والعقاب. عن مشيئة “الإجبار” يقول الحق تعالى:

(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس : 99)

(لَّوْ يَشَاء اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا …) (الرعد : 31)

إلا أنه تعالى لم يشأ ذلك قهرا وإجبارا وإلا لفعل فهو القادر على كل شيئ ولا يعجزه شيئ. الله تعالى شاء منا الإيمان ولكن مشيئة إختيار وليس مشيئة إجبار.

مشيئة الإختيار
هي مشيئة الله التمكينية / التفويضية التي شاء الله بموجبها أن يخلق المكلفين أحرارا فيما كلفوا فيه وأن يفوضهم تفويضا تاما في الفعل والترك حتى يكون هناك ثواب وعقاب، جنة ونار. أفعال العباد قسمان: الأفعال الإضطرارية كحركة القلب والرئتين والتنفس وإرتعاش الأيدي وغير ذلك من الأفعال التي صدرت بموجب مشيئة الإجبار. و الأفعال الغير إضطرارية أي التكليفية والتخييرية والتي يتمكن العباد بها من فعل الحسن أو القبح أو غير ذلك. عن مشيئة الإختيار يقول الحق تعالى:

(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ …) (الكهف : 29)

ولما كانت “مشيئتنا” في الإيمان أو الكفر، أي فعلنا للإيمان أو الكفر، متفرعة من مشيئة الله تعالى، قال سبحانه:

(وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان : 30)

فلولا أن شاء الله لنا أن نكون مخيرين لما استطعنا أبدا أن نختار. ولولا أنه لم يشأ أن يجبرنا على شيئ ما لما كنا قادرين على أخذه. فمشيئة العباد “الإختيارية” جاءت نتيجة لمشيئة الله “الإختيارية” ولو شاء الله أن يعاملنا بمشيئة “الإجبار” لما كنا نستطيع منها الفرار.

مشيئة الله و السياسة الشرعية

حكام الجبر السياسي يحبون التمسك بتلك الآية السابقة لتبرير جبرهم وظلمهم السياسي على أساس إيهام الناس أنه لا يقع في ملك الله إلا ما يشاء الله ومن ثم يخنع المحكمون بهذا التبرير الإبليسي. أما أهل العدل والإختيار فلا تنطلي عليهم أساليب الدجل السياسي المستند لتحريف الكلم عن مواضعه ولذا فإنهم يسألون أهل الجبر السياسي: عن أي مشيئة لله تتكلمون؟ عن مشيئة الإجبار أم عن مشيئة الإختيار؟ عن مشيئته التكوينية أم عن مشيئته التمكينية؟ فإن أجابوا عن المشيئة التكوينية نقول لهم: وما علاقتها بأفعال العباد؟ أما علمتم أن الله لو شاء لأجبرنا جميعا على شيئ واحد؟ و كلمة “لو” تفيد الإمتناع أي أن الله تعالى لم يفعل ذلك، لم يجبرنا على شيئ فلم تريدون أنتم إجبارنا؟ ولو أجابوا بمشيئة الإختيار فنقول لهم علام إذن الجبر والظلم السياسي وعلام تعلقون أفعالكم الإختيارية وتوركونها على الرحمن وأنتم تعترفون بإختياركم لها؟ معشر السادة المؤمنين: لا راد لمشيئة الله لكن الله تعالى بين لنا في كتابه أنه شاء الإختيار ولم يشأ الإجبار، ولو كان قد أجبرنا لما وجدنا هناك عاص واحد فلا تصدقوا إخوان إبليس الذين يروجون لتعليق الأفعال على مشيئة المتعال فما يفعل ذلك إلا خصماء الرحمن:

الذين نقل الله تعالى لنا افترائهم عليه بأنه شاء لهم الشرك:

(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ…) (النحل : 35)

فرد الله على افتراءهم بتكذيبهم:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ …) (النحل : 36)

أي أنه شاء ـ تخييرا ـ لهم ومنهم الإيمان به إلا أنهم أشركوا، ولم يكتفوا بهذا بل افتروا أن الله شاء منهم ولهم الشرك تعالى الله عن افتراءاتهم علوا كبيرا.

[6] الإرادة

عرفنا بأن “المشيئة” لفظ مشتق من “الشيئ” وهي تعني خلق أو إيجاد أو بناء أو إقامة شيئ ما. ماذا عن “الإرادة”؟ هل هي مرادفة للمشيئة أم مفارقة لها في المعنى والدلالة؟ إنطلاقا من قاعدة “اللا تطابق” المعنوي في القرآن نقرر أن “المشيئة” و “الإرادة” مفهومان غير مترادفين ولا متطابقين بل بينهما فروق. لندرس هذه المجموعات من الألفاظ المتقاربة لنستبين مشتركها الجذري:
1- أرادَ / يريدُ / إرادةً / مريد [أي: رغب]
2ـ ردَّ / يردُّ / ردَّاً / رادّ [أي: أرجع مرة واحدة]
3ـ ردَّدَّ / يردِّدُ / ترديداً / مردِّد [أي: أرجع مكررا]
4ـ راودَ / يراودُ / مراودةً / مراود [أي: سعى للتأثير في إرادة آخر]
هذه الكلمات وغيرها تعود لمشترك جذري واحد (ر / و / د) ومعناه يدل على “وضع” يتم مرة واحدة أو عدة مرات فالإرادة هي “وضع” الرغبة في شيئ، والرد هو “وضع” الشيئ في موضعه الذي كان فيه أو عليه والمراودة “وضع” فكرة ما لتصبح رغبة عند الآخر ليسعى وراءها.

حينما نسمع قول الله تعالى:

(… يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ …) (البقرة : 185)

نعلم أن الله تعالى يرغب بوضع اليسر لنا أي التيسير ولا يرغب بوضع العسر أي التعسير.

الفارق بين الإرادة والمشيئة
الإرادة هي “وضع” الرغبة في شيئ ما أما المشيئة فهي “إحداث” الشيئ، فالمشيئة بهذا تسبق الإرادة لإن المشيئة تعني “خلق” لشيئ بينما الإرادة تعني “إختيار” لشيئ قائم. حينما يرغب “الحاكم” في إصلاح دستوري فإنه يعبر عن تلك الرغبة بأن يريد / يرغب في “وضع” إصلاحات دستورية ولكنه قد يكتفي بتلك الإرادة ثم لا يفعل بعد ذلك شيئا. أما إن قام بتفعيل تلك “الإرادة” وقام بجمع حكماء الأمة وطلب منهم إعداد مسودة دستور جديد وأصدر توجيهاته بعرض تلك المسودة على النواب فإن أقرها النواب عرض مشروع الدستور على الشعب في استفتاء عام فإننا نقول حينئذ أن ذلك الحاكم “شاء” إصلاحا دستوريا أي اتخذ كافة الخطوات لنقل الإصلاح الدستوري من مرحلة “المثال” إلى مرحلة “الواقع”. كما رأينا قد لا يكون هناك “تلازم” بين “الإرادة” و “المشيئة” عند البشر، فالحاكم المخادع مثلا يوهم الناس بأنه “يريد” إصلاحا سياسيا شاملا أو جزئيا لكنه في الواقع لا يتخذ الإجراءات التي تؤكد أن تلك “الإرادة” المزعومة هي حقا “مشيئة”. فيما يتعلق بالله تعالى ولله المثل الأعلى والأوفى يوجد دائما “التلازم” بين إرادة الشيئ ومشيئته أي قضائه بمعنى “إتمامه” ولذلك يقول الحق سبحانه:

(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (النحل : 40)

هناك إذا “إرادة” لله تصبح “مشيئة” إجبار حين يريد شيئا أو أمرا تكوينيا أو كونيا أو تصبح “مشيئة” إختيار حين يريد شيئا أو أمرا تمكينيا.

[7] التفويض

فاض / يفيض / فيضاً / أفاض / إفاضةً / فيض / فيضان / تفويض/… كلمات تعبر عن “سيلان” شيئ من “منبع” إلى “مستودع”. التفويض في بحثنا هذا مقصود به ما منحه الله تعالى لعباده من “قدرة” متقدمة على الفعل لتمكينه من الفعل مع تخليته وما يريد.

التفويض بين المعتزلة والإمامية
تقول المعتزلة بالتفويض من أجل التمكين من الفعل والترك إذ لا تتأتى قدرة على الإختيار إلا إذا كان الله تعالى قد فوضنا أي أعطانا فضلا وفائضا نستقل به عن سائر المخلوقات كوسيلة ضرورية للقيام بمهام التكليف. الشيعة الإمامية الإثنا عشرية تنتقد مبدأ التفويض ضمن رواية منسوبة للإمام جعفر بن محمد عليهما السلام يقول فيها (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين). فهل “التفويض الذي قصدته الإمامية هو عين التفويض الذي تقول به المعتزلة؟ إذا كان المقصود هو التفويض “الفلسفي” الذي يعبر عن حالة الترك المطلق والتخلية المطلقة للعباد وكأن الله خلق الكون لعباده ثم تركه لهم ليفعلوا فيه ما يشاءون، فإن المعتزلة كذلك ترفض هذا المفهوم للتفويض لتعارضه مع مبدأ “القيمومة” أو “القيومية” لله أي قيام الله القيوم بأمر هذا الكون:

(اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة : 255)

التفويض الذي تقصده المعتزلة ليس هو التخلية المطلقة ولكن التفويض بمعنى التمكين من الإختيار وأضرب مثالا حتى يتضح المقال: أب أعطى ابنه مبلغا من المال لشراء شيئ نافع بعد أن حذره من شراء شيئ ضار ثم تركه، ليس لينام ولكن ليقوم على أمره من بعد. لو قلنا أنه أعطاه المبلغ ثم انصرف فكأنه فوضه في ذلك المال تفويضا مطلقا وهذا لا يصح. المهم أن ذلك الأب تابع إبنه ليرى كيف يتصرف فهو مفوض له أي ممكنه من الفعل والترك وليس مخليا بينه وبينهما دون متابعة وللمثل بقية.

التفويض والسياسة الشرعية

روي عن الحاكم العباسي أبي جعفر المنصور أنه قال “إنما أنا سلطان الله في الأرض” فاعتقد أن الله “فوضه” تفويضا مطلقا يفعل ما يشاء من إرهاب لرعاياه وتنكيل بهم. حكام الجبر السياسي اليوم ولا سيما ولئك المستندون على “شرعية” دينية إنتحلوها يعتقدون أنهم مفوضون من قبل الله للملك تفويضا مطلقا فلا يتزحزحون قيد أنمله حتى التصقوا بالكراسي ولما عجزوا عن النهوض التمسوا الأيدي التي تدفع كراسيهم دفعا. فوضهم الله بالملك في اعتقادهم ولكن حينما يتعلق الأمر بالإنتقاد لسياستهم الظالمة يوحون لكهنوتهم أن ينفثوا في الناس بحرمة المظاهرات وحرمة التجمعات لأنها إعتراض على أمر الله وقدره الذي آتى به فلانا ملكا أو حكما وهكذا لا يجد جبريو السياسة بأسا من العزف على قيثارة الإختيار حينما يتدرعون بالتفويض ـ كلمة حق أريد بها بطل ـ و نفث سمهم الجبري الزعاف حينما يسعون بين شعوبهم بالإرجاف بأن الخروج والتظاهر والإنتخاب وغير ذلك أعمال مخالفة للشرع. أهل السياسة الشرعية من علماء العدلية وأهل الإختيار يكشفون زيف فقهاء السلطان ممن ينحصر همهم وتقف علومهم على فقه مسائل ما بين الفخدين ـ ويالتهم فقهوا هذه حتى ـ ويضعون ترياقهم ليمحو أثر سم فقهاء السلاطين الزعاف فيقولون أن الله تعالى تفضل علينا بأن وهبنا الحياة وجعلنا من العقلاء ثم أمرنا بالطاعة بعد أن قدم الإستطاعة ففوضنا وفق مشيئته التخييرية وإرادته التمكينية بأن جعلنا ممكنين في الفعل والترك ولكنه لم يتركنا ولم يهملنا بل علمه محيط بنا ورحمته حصن لنا وقيومته سند لنا. أمر الحكام بالإمتثال لأمره والحكم بشريعته والعدل بين الرعية والقسمة بينهم بالسوية وجعل الأمة رقيبا عليهم تعينهم وتخلعهم وفق شرائط ميثاق الله الموجودة في الكتاب المبين والذكر الحكيم. لا تفويض إذن بمعنى ترك وإهمال بل تفويض بمعنى التمكين.

أكتفي الآن بهذا القدر حول مفاهيم “المشيئة” و “الإرادة” و “التفويض” وإلى مفهوم “الحاكمية” قريبا بتيسير الله.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:11 م  اكتب تعليقُا  

المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (4)

 

[8] الكتابة

المقصود بـ “الكتابة” في بحثنا هذا هو “تسجيل” أفعال العباد التكليفية. يزعم حكام الجبر والقدريون أن الله تعالى “كتب” على الإنسان أفعاله منذ الأزل، ويروون آثارا باطلة أنه قد جفت الأقلام وطويت الصحف. ويتخذ حكام الجبر من تلك الأباطيل مطية لتخدير الشعوب بأن المكتوب على الجبين حتما تراه العين وغير ذلك من السم الزعاف. حينما يطالب الجبريون بالدليل على تخرصاتهم يعرضون قائمة طويلة من “الآثار” المنحولة المنسوبة لنبي الهدى صلاة الله عليه وسلامه. حينما يطالبون بالدليل من القرآن تراهم يصدرون آيات لم يتدبروها ولم يفقهوا معانيها مثل قوله تعالى:

(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة : 51)

وغير ذلك من الآيات فيخلطون بين “أفعال” الله الكونية والتكوينية و”أفعال” العباد التكليفية. إن الله تعالى قدر قوانين الكون وضبطها بإتقان تام لكنه لم يقدر الكفر ولا الظلم ولا العهر ولا الفساد ولا الرذيلة ولا نهب الحقوق ولا سرقة ثروات الشعوب و اهدار المال العام ولا الإفساد في الأرض ولا غير ذلك من الكبائر. جميع ما سلف من “أفعال” العباد التكليفية المنهي عنها والتي خالفوا فيها مشيئة الله التخيرية، هذه الأفعال لم يكتبها الله أزلا ولا مسبقا ولكنه يحيط بها علما حين يفعلونها ويحصيها عليهم وتسجلها رسله الكرام حين فعلها وآيات الكتاب “تنطق” بهذا:

(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) (يونس : 21)

(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف : 80)

(لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران : 181)

(كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) (مريم : 79)

(إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق : 17 – 18)

لننظر إلى الأفعال من فوق الخطوط [يكتبون / سنكتب / يلفظ] لنرى أن جميعها يدل على “تسجيل” الأعمال حين الفعل وبعده وليس قبله بوقت سابق بله بوقت أزلي. وهكذا تنطق هذه الآيات الكريمات وغيرها بفساد وبطلان ما يتخرص به حكام الجبر وفقهاؤهم ومفسروهم من فهم سقيم للذكر الحكيم ومن افتراء غشيم على رسولنا العظيم. فلتعلم الشعوب إذن وليعلم المستضعفون في الأرض أن الحق جل وعلا أمر بالفضيلة ونهى عن الرذيلة، وأننا قادرين على فعل الفضائل وأن الله تعالى لم يكتب علينا الرذائل وأننا مخيرون في الفعل والترك وأن أعمالنا “تكتب” بدءا من اتياننا بالأفعال وليس قبل الأفعال لا بزمن طويل ولا بزمن قصير وصدق الله العليم الحكيم وليخسأ أعداء الله وأولياء ابليس اللعين

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:09 م  اكتب تعليقُا  

المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (5)

[9] العلم

يقصد بالعلم في هذا الجزء من بحثنا علم الله تعالى بالحوادث من أفعال غيره. ينسب الصفاتيون للمولى جل وعلى صفات “أزلية” يطلقون عليها لفظ “معاني” ويزعمون أن تلك المعاني / الصفات قامت لله تعالى منذ “الأزل” وأنها ليست هي الله وفي نفس الوقت ليست غيره!!! إضافة للغيبوبة اللامنطقية في “الإثبات” و “النفي” في نفس الوقت أشير إلى أن القول بتلك المعاني / الصفات “الزائدة” عن الذات تؤدي للقول بإفتقار الله تعالى لـ “شيئ” سوى ذاته سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وإضافة للتناقض والإفتقار فإن ذلك الإدعاء من الصفاتية يؤدي للقول بـ “تعدد” القدماء. من تلك المعاني / الصفات التي قامت لله منذ الأزل ـ في زعمهم ـ صفة “العلم” أي علم الله السابق والأزلي بما كان ويكون وسيكون وما لم يكن كيف يكون لو أنه كان. لم يكتف الصفاتيون بالقول بالعلم “السابق” بل أنهم حددوا حال ذلك العلم السابق بأنه “أزلي” أي قديم. ومع مفهوم “الأزل” لنا وقفة فيما يلي:

العلم “الأزلي”
كلمات مثل [ زال / يزول / زوالا / زائل / …] تعود لجذر واحد هو ( ز / و / ل ) الدال على إنتقال الشيئ عن موضعه وعدم استمراره. يقول الله تعالى:

(وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (إبراهيم : 36)

قوله تعالى (لِتَزُولَ) أي لتتحرك و تنتقل. هذا اللفظ إذا لا يدل على الغرض الذي نحتوه من أجل وهو الدلالة على “القدم”. وحتى يدل ذلك اللفظ على “الديمومة” والإستمرارية لابد أن يكون مسبوقا بـ “لا” أو “ما” النافية. يقول الله تعالى:

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة : 13)

وحتى التركيب المنفي “لا تزال” أو “لا يزال” أو “ما زال” أو غير ذلك من الإشتقاقات اللفظية المنفية لمادة “زول” لا يدل على “القدم” بل يدل على الديمومة لفترة محددة. كلمات مثل [ الأزل / أزلي / أزلية / …] وغيرها من الكلمات “المنحوته” من فعل “لا يزال” هي مصطلحات بشرية لا علاقة للقرآن الكريم بها. وهي تدل ـ إن لم تكن منفية ـ على “الإنقطاع” ولذا نجد القرآن الحكيم يخلو منها تماما فلا نجد فيه إشارة لـ “الأزل” ولا لعلم “أزلي”. الصفاتيون ابتدعوا مصطلح العلم “الأزلي” ليدل على عدم الإنقطاع فإذا بمصطلحهم ونحتهم الفاسد له يدل على عكس المقصود أي يدل على الإنقطاع. حينما يصف الحق سبحانه وتعالى ذاته فإنه لا يستخدم مصطلح “أزلي” ولا مصطلح “قديم” ولا غير ذلك من “مصطلحات” البشر وإنما يستخدم مفهوما رائعا هو مفهوم “الأول” فيقول سبحانه وتعالى:

(هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد : 3)

خلاصة هذه الفقرة هي خلو الكتاب الحكيم من كلمة (أزل) ومشتقاتها في سياق “توصيف” علم الله سبحانه وتعالى. من يأتي ليجادل بعد ذلك في إثبات “أزلية” علم الله نقول له أننا لا نطالب القرآن بحل مشاكل غير قرآنية وأن ذلك اللفظ هو “اصطلاح” بشري منحوت وليس “مفهوما” قرآنيا ملزما.

العلم “السابق”
وردت مادة ( س / ب / ق ) في الكتاب في 36 موضعا لا إشارة فيها إطلاقا إلى موضوع العلم. ولعل أقوى الآيات التي يستدل بها الصفاتيون وأهل الجبر العقدي والسياسي قوله تعالى:

(لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الأنفال : 68)

حيث فسروا ـ بأهوائهم ـ كلمة “كتاب” على أنها “العلم”. أو قوله تعالى:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ) (هود : 110)

حيث فسروا ـ بأهوائهم ـ لفظ “كلمة” على أنها “العلم”. أقول بداية أن كلمة “سبق” ومشتقاتها غير مقترنة بالأزلية / القدم هذا أولا و غير مقترنة بلفظ “العلم” ومشتقاته ثانيا. إن تلك الآيات الشريفات لا تدل وتتحدث أصلا عن “العلم” بل تتحدث عن عدم معاجلة الله المذنبين بذنبهم لوجود يوم للفصل في ذلك ولذلك يقول الحق جل وعلا:

(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ) (الشورى : 14)

أي لولا وجود أجل مسمى للعذاب ـ إن يوم الفصل كان ميقاتا ـ لقضي بين هؤلاء في الدنيا ـ إلا من استثناه الله بالعقوبة العاجلة ـ فأين العلم الأزلي وأين العلم السابق المزعوم؟

العلم “الإحصائي”
يذكر الله “الإحصاء” في غير آية من آي الذكر الحكيم مثل قوله تعالى:

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) (مريم : 93 – 94)

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المجادلة : 6)

والملاحظ هو عدم إرتباط “الإحصاء” بالعلم ـ مباشرة ـ ولكن بعدِّ الأعمال والعاملين وهذا يعني إرتباطه بالعلم ضمنيا. الملاحظة الأخرى أن الإحصاء لا يستلزم بالضرورة مفهوم “السبق” بل الإحصاء هو “حصر” دقيق للعباد وأعمالهم. أي المقصود هو أن العليم جل وعلا يحيط علما بالعباد وأعمالهم وأنه يحصيهم ويحصيها بحصر شامل دقيق. لا إشارة هنا كذلك لا لعلم أزلي ولا لعلم سابق.

العلم “الإحاطي”
إذا كان لفظا العلم “الأزلي” و العلم “السابق” غير قرآنيين لعدم اقتران “العلم” بأي من الصفتين السابقتين إلا أننا نجد على عكس ذلك أن لفظ العلم “الإحاطي” أو “المحيط” ذو مستند قرآني أصيل حيث يقول الحق تعالى:

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق : 12)

فذكر العلاقة الصريحة بين “العلم” و “الإحاطة” بمعنى إحاطة الله تعالى بكل شيئ علما. ما نستفيده إذا هو أنه إذا استند الصفاتيون على ما يسمى بالعلم الأزلي / السابق نعلم حينئذ أنهم مفترون ويدخلون في كتاب الله ما ليس فيه. أما أهل العدل فهم يقولون بالعلم الإحاطي أي المنزه عن المكان والزمان. الله ـ عند أهل العدل ـ هو العليم وهو محيط بكل شيئ علما.

لننتقل الآن للوقوف على مفاهيم بعض كلمات القرآن مما لها علاقة بالعلم وهي بالتحديد الكلمات الآتية: عالم / علام / عليم / العليم.

عالم
ورد ذلك اللفظ في الكتاب في ثلاثة عشر موضعا مقترنة جميعها ـ إلا موضعا واحدا ـ بـ “الغيب …” مثل قوله تعالى:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر : 22)

أما الموضع المستثنى فوردت فيه هذه الكلمة مقترنة بـ “غيب …” بدون الألف واللام في قوله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (فاطر : 38)

فيما عدا ذلك لم ترد كلمة “عالم” في الكتاب ككلمة مستقلة بل ترد دائما مضافة إلى “غيب” في موضع واحد وإلى “الغيب” في بقية المواضع. كلمة “العالم” بأداة التعريف لم ترد مطلقا في الكتاب. لا يصح إذا ـ إنطلاقا من لسان القرآن ـ أن نقول: الله هو “العالم” ولا الله هو “عالم” بل نقول أن الله هو عالم “الغيب …” أو عالم “غيب …”.

علاَّم
ورد ذلك اللفظ في الكتاب ـ فيما له علاقة بموضوعنا ـ في أربعة مواضع فقط جميعها مقترنة بكلمة “الغيوب”. لم تأتي إذن ككلمة مستقلة بل مضافة للغيوب مثل قوله تعالى:

(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) (التوبة : 78)

وهنا فائدة بلاغية هي إستخدام “التكثير” مع “التكثير” أو “المبالغة” مع “المبالغة”. عندما يكون الحديث حول “الغيب” تضاف إليه كلمة “عالم” وحينما يكون الحديث حول “الغيوب” تضاف إليه كلمة “علام”. لم تأتي كلمة “العلام” بالألف واللام في الكتاب كذلك.

عليم
وردت كلمة “عليم” في الكتاب بدون أداة التعريف في 106 موضعا منها قوله تعالى:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات : 1)

ولما كانت الكلمة بدون أداة التعريف ـ تنكير اللفظ ـ تدل على العموم، لذلك وردت كلمة “عليم” للإشارة لغير الله كقوله تعالى:

(قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) (الشعراء : 36 – 37)

ومن ثم فإطلاق لفظ “عليم” في الكتاب قد ينصرف إلى الله وهو الأمر الغالب ولكنه قد ينصرف كذلك لغير الله. كلمة “عليم” على عكس كلمتي “عالم” و “علاَّم” ترد في الكتاب معرفة بالألف واللام وهي في هذه الحالة لا تنصرف إلا لله تعالى.

العليم
وردت كلمة “العليم” في الكتاب بدون أداة التعريف في اثنين وثلاثين موضعا منها قوله تعالى:

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت : 12)

وكلمة “العليم” هي إسم من أسماء الله الحسنى التي يقول عنها:

(وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأعراف : 180)

واسم “العليم” هو الإسم الذي يتم استخدامه في هذا البحث فيما له علاقة بالعلم.

بيان “لساني”
يذكر النحاة في كتبهم ـ وجميعها قد صنف بعد نزول القرآن وليس قبل ذلك ومن زعم غير ذلك فعليه أن يأتنا بكتاب واحد في النحو صنف قبل نزول القرآن ـ مصطلحا يسمى “اسم” الفاعل ليدل على من قام بالفعل مثل كلمة “عالم” للدلالة على من قام بالعلم أي للدلالة على من “عَلِمَ”. ويذكرون خمس صيغ من اسم الفاعل اصطلحوا على تسميتها بـ “صيغ المبالغة” منها صيغة “فعَّال” مثل “علاَّم” وصيغة “فعيل” مثل “عليم”. إن ذلك الدرس النحوي يقودنا إلى النظر إلى علم الله من زاويتين: العلم كصفة ذات والعلم كصفة فعل.

العلم كصفة ذات والعلم كصفة فعل
ما الفرق بين قولنا أن الله تعالى هو “عالم” أو “علام” أو “عليم” وبين قولنا أن الله تعالى هو “العليم”؟ حينما نذكر اسم الفاعل أو إحدى صيغ مبالغته يكون متعلقنا هو “الفعل” نفسه أي “علم / يعلم / علما / عالم / علام / عليم” وحينما نذكر إسم الذات يكون متعلقنا هو الذات نفسه وليس الفعل. ولذلك نقول أن هناك صفة “ذات” متعلقة بعلم الله وهي كون الله هو “العليم” وهناك صفة “فعل” و “فاعلية” متعلقة بعلم الله وهي كون الله هو “عليم”. يمكن القول “تجوزا” ـ لتقريب الفكرة للأذهان وليس لتقريرها ـ أن صفة “العليم” صفة ثبوتية ذاتية أي أن الله و “قدرته” على العلم غير منفكين بل متلازمين بينما صفة “عليم” صفة ثبوتية فعلية أي أن الله تعالى يعلم المعلوم أي يعلم ما يصح أن يعلم فلا يوجد “معلوم” إلا ويعلمه الله.

السميع والبصير والعليم
وصف الله تعالى ذاته بأنه “السميع البصير” في الكتاب في أربعة مواضع تم في كل منها تقديم “السميع” على “البصير” والله تعالى هو السميع البصير بذاته لا بمعنى زائد على الذات تعالى الله عما يقوله أهل التجسيم والصفاتيون علوا كبيرا. يقول الله تعالى في الكتاب المجيد:

(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر : 20)

الله هو “السميع” أي يسمع كل مسموع أم يسمع وليس هناك مسموع؟ والله هو “البصير” أي يبصر كل مُبصَر أم يبصر وليس هناك مُبصَر؟ معنى “السميع” أن الله يسمع كل ما يصح أن يسمع فإن لم يوجد المسموع فالله تعالى يبقى سميعا أي قادرا على سماع المسموع متى وجد. ومعنى “البصير” أن الله يبصر كل ما يصح أن يبصَر فإن لم يوجد المُبصَر فالله تعالى يبقى بصيرا أي قادرا على إبصار المُبصَر متى وجد. وكذلك معنى “العليم” أن الله يعلم كل ما يصح أن يُعلَم فإن لم يوجد المعلوم فالله تعالى يبقى عليما أي قادرا على العلم بالمعلوم متى وجد. فكما أن كونه سميعا لا يستلزم أن يسمع ولا مسموع أو كونه بصيرا لا يستلزم أن يبصر ولا مُبصَر فكذلك كونه عليما لا يستلزم أن يعلم ولا معلم. قال الله تعالى في الكتاب:

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة : 1)

الله هو “السميع” فهل معنى ذلك أن سمع المرأة المجادلة منذ الأزل أو حتى قبل أن تولد أو حتى قبل أن تتكلم؟ بالطبع لا ولكنه السميع أي لا يعزب عنه “مسموع”.

ولتوضيح الفكرة أضرب مثالا للتقريب وليس للتطابق فأقول: عداد جيجر هو جهاز لقياس النشاط الإشعاعي الفيزيائي. هب أن لدينا جهازا مؤكدة كفاءته. في لحظة رصد ما لم يتحرك مؤشر الجهاز ولم يسجل أي قياس فما معنى ذلك؟ معنى ذلك ـ في ظل التأكد التام من كفاءة الجهاز ـ أنه لا يوجد نشاط إشعاعي ومن ثم لم يسجل الجهاز أي قياس. وجود الجهاز الكفء لا يستلزم ضرورة تسجيل دائم بل يستلزم تسجيلا مؤكدا متى وجد الإشعاع. ما ينطبق على عداد جيجر ينطبق كذلك على مقياس ريشتر لقياس الزلازل: متى وجد نشاطا جيولوجيا ناتج عن زلزال ولو بمقدار ضئيل فإن الجهاز يرصده فإن لم يتم رصد شيئ فمعنى ذلك ـ في ظل التأكد التام من كفاءة الجهاز ـ أنه لا يوجد نشاط زلزالي حتى يرصد. أقول ـ ولله المثل الأعلى ـ أننا متيقنون بأن الله هو “العليم” فهذا جزء من ايماننا ولكن كونه العليم لا يستلزم العلم بـ “اللا معلوم” بل كونه العليم يستلزم العلم بالمعلوم متى وجد المعلوم. يقول العليم جل وعلا:

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام : 59)

الغيب، ما في البر، ما في البحر، الورقة، الحبة، الظلمات، الأرض، الرطب، اليابس كل ذلك “معلومات” كائنة يعلمها العليم. لم يقل الحكيم العليم أنه علمها “أزلا” ولا “مسبقا” ولا قبل أن توجد.

المعدوم و الكائن / المعلوم والمجهول
المعدوم هو ما “لا” وجود له سواء في الأعيان أو في الأذهان أو غير ذلك. أما الكائن فهو ما له وجود فهو يقابل المعدوم. المعدوم هو “اللا شيئ” ومن ثم فلا متعلق له بعلم ولا بجهل إذ العلم والجهل يتعلقان بالكائن وليس بالمعدوم فمثلا “الطب” يمثل كائنا ولا يمثل معدوما ولذلك يصح السؤال عما إذا كان فلان عالما بالطب أم جاهلا به، فإن كان دارسا لعلم الطب خبيرا به وصف بأنه عالم به وإن لم يكن دارسا له ولا خبيرا به وصف بأنه جاهل بالطب. أما لو إنتقلنا إلى “الخحتجلاض” مثلا وسألنا هل فلان عالم به أم جاهل لم يصح السؤال لعدم كينونة “الخحتجلاض” هذا ومن ثم عدم تعلق علم ولا جهل به. العلم والجهل ومشتقاتهما مفاهيم تتعلق بالكائن وليس بالمعدوم.

هل الله لا يعلم المستقبل؟
سؤال يطرحه أهل الجبر حينما يواجههم أهل الإختيار بمفهوم “العليم” كما يصوره الكتاب، والسؤال بالصيغة المذكورة لا يصح لأنه يجعل من “المستقبل” شيئا كائنا في حين أن “المستقبل” معدوم. ذكرت في الفقرة السابقة أن “علم / يعلم / علما / عالم / عليم / …” و “جهل / يجهل / جهلا / جاهل / جهول / …” مفاهيم تتعلق بـ “الشيئ” الكائن ولا تتعلق أبدا بـ “المعدوم”. ولما كان “المستقبل” معدوما فلا يصح أن يتعلق به علم ولا جهل. متى يمكن القول بأن الله “لا” يعلم؟ الإجابة هي أنه لا يمكن القول بهذا أبدا لأن هذا السؤال يفترض وجود “المعلوم” والله لا يعلمه وهذا محال. ولما كان “النفي” لمعلومية معلوم ما موجب للجهل وأن ذلك لا يصح مع العليم جل وعلا بطل السؤال من وجه مقابل للوجه الأول وكما يقال كل الطرق تؤدي للهدف ومن ثم فكل الإستدلالات تؤدي لليقين بأن الله تعالى هو العليم الذي يعلم كل معلوم.

مفاهيم الزمن في القرآن
من اللافت للنظر خلو القرآن من مادة “ز / م / ن” ومن ثم فكلمة “زمن” أو “زمان” هي اصطلاح بشري وليست مفهوما قرآنيا. ولكن هناك مفهوم “الدهر” والذي ورد في القرآن في موضعين اثنين مثل قول الله تعالى:

(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (الجاثية : 24)

فإذا كان الحديث عن “فترة” من الدهر يتم فيها الفعل سميت تلك الفترة “حينا” والتي قد وردت في القرآن في 33 موضعا مثل قوله تعالى:

(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (الروم : 17)

ولذلك فإن المفهوم من قوله تعالى:

(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (الإنسان : 1)

هو ليس “كل” الدهر ولا “نقطة” فيه وإنما “فترة” أي “مقطع” من الدهر. إضافة لمفهومي “الدهر” و “حين” هناك مفهوم “الوقت” والذي ورد ومشتقاته في 13 موضعا للدلالة على نقطة محددة في الدهر مثل قوله تعالى:

(فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) (الشعراء : 38)

ما نسميه “زمانا” يسميه الكتاب “دهرا”، فإذا كان الفعل يحدد له” نقطة” معلومة لبدايته سميت تلك النقطة “وقتا” أما لو استغرق الفعل “فترة” من الدهر سميت تلك الفترة “حينا”.

الماضي والسالف
وردت مادة “م / ض / ى” في الكتاب في خمسة مواضع منها:

(قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) (الأنفال : 38)

فعل “مضى” يشتق منه فعل مضارع هو “يمضي” والذي يدل على العزم والإصرار في طلب الشيئ. ما نسميه حدثا “ماضيا” يطلق عليه القرآن لفظا آخر هو (سالفا) ومن الجدير بالذكر أن فعل “سلف” المجرد الثلاثي ليس له صيغة مضارع وأن تلك المادة وردت في الكتاب في 13 موضعا منها قوله تعالى:

(وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً) (النساء : 22)

المضارع والحاضر
لا يوجد وقت يسمى المضارع ومادة “ض / ر / ع” وردت في القرآن في خمسة مواضع ليس بينها موضع واحد يدل على “الوقت” ومن هذه المواضع قوله تعالى:

(ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف : 55)

أما الحدث الذي يقع الآن فهو “حاضر” وقد وردت مادة “ح / ض / ر” في الكتاب في 25 موضعا منها قوله تعالى:

(وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) (المؤمنون : 97 – 98)

لا يوجد فعل ماض ولكن يوجد فعل “سالف” ولا يوجد فعل مضارع إنما يوجد فعل “حاضر” وكلاهما يعبر عن “وقت” أو “حين” من “الدهر” إذ لا نعرف شيئا يسمى زمنا ولا زمانا ولا أزمنة. كلمات “الزمن” و الفعل “الماضي” و “المضارع” و “المستقبل” اصطلاحات بشرية وليست مفاهيما قرآنية.

المستقبل والآتي
لم ترد كلمة “مُسْتَقْبَل” بفتح الباء في القرآن أبدا ولكن جاءت كلمة “مُسْتَقْبِل” بكسر الباء للدلالة على “قبالة” الشيئ أي للدلالة المكانية وليس للدلالة الوقتية” مثل قوله تعالى:

(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف : 24)

فتلك الغمامة السوداء العارضة “استقبلت” ماذا؟ وقتهم أم أوديتهم؟ استقبلت أوديتهم مما يدل على “المكان” فقط. أما كلمة “مستقبل” الدالة على الوقت “الآتي” فلم ترد في الكتاب.

أحداث القيامة والمستقبل
هل نؤمن بيوم القيامة؟ نعم نؤمن بيوم القيامة وهو يوم البعث وما يصاحبه من تغير كوني وما يعقبه من وقوف وسؤال وحساب وثواب وعقاب جعلنا الله من أهل الثواب آمين. هل نؤمن بأن يوم القيامة كائن “الآن” أم “معدوم”؟ ليس يوم القيامة من الأفعال “السالفة” وليس من الأفعال “الحاضرة” فيلزم أن يكون يوم القيامة من الأحداث “الآتية” وهي أحداث “معدومة” وليست “قائمة” الآن وسيخلقها الله الخالق متى شاء فلا راد لمشيئته الكونية. حينما يسمع أهل الجبر هذا الكلام تنتفخ أوداجهم ولذا فكل من تنتفخ أوداجه عند سماع هذا الكلام فليعلم أنه من أهل الجبر. تنتفخ أوداجهم ثم يسوقون بعض الآيات الكريمات في غير محلها ظنا منهم أنهم سينقضون بنيان أهل القرآن ولكن هيهات هيهات. من تلك الآيات قوله تعالى:

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا. يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا. وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا. وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا. إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا. لِلطَّاغِينَ مَآبًا. لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا. لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا. إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا. جَزَاء وِفَاقًا) (النبأ : 17 – 26)

وآيات كثيرة غير تلك عن يوم القيامة “المستقبلي”. الخطأ الذي يقع فيه أهل الجبر قاطبة هو عدم تفريقهم بين أفعال “الله” و أفعال “العباد” ولذلك يصحح لهم أهل الإختيار أفهامهم ويحيطونهم علما مؤكدا بأن “أحداث” القيامة من “أفعال” الله تعالى وليست من أفعال العباد. أفعال الله حادثة وليست قديمة فالكون بكل مكوناته “فعل” من أفعال الله تعالى وهذا الكون مخلوق أي حادث وله بداية قدرها العلماء تقريبا وله نهاية لا يعلمها إلا الله جل شأنه. يوم القيامة كذلك فعل من أفعال الله يقدره الله تقديرا فيأتي تقديره أي فعله على وفق إرادته وهو يعلم “الصورة” التي يكون عليها ذلك اليوم قبل خلقها. فالرسام مثلا يتخيل صورة ذهنية للوحة يريد أن يرسمها. ولكن لكونه إنسان غير معصوم من الخطأ وناقص القدرة قد تأتي الصورة النهائية الحقيقية للوحته على غير الصورة الأولية الذهنية التي إنطلق منها. أما الله تعالى ـ وله المثل الأعلى والأكمل والأوفى ـ فقادر بذاته لا يعجزه شيئ ولذلك فإن “الحقيقة” من أفعاله تأتي مطابقة تماما للصورة التي أرادها وهذا هو “القدر” الكامل أي التطابق الكامل. ولما كانت القيامة “فعلا” من أفعال الله حق لله أن يخبر عنها وهي “معدومة” لأنها في “حقيقتها” التي سيخلقها عليها ستكون مطابقة تماما لما يخبرنا به في حاضرنا.

وماذا عن أفعال العباد يوم القيامة؟
إذا كان يوم القيامة بمكوناته “الكونية” فعل من أفعال الله تعالى فماذا عن أفعال “العباد” في ذلك اليوم “المعدوم” وقد أخبرنا الله عن بعضها كقوله تعالى:

(وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) (إبراهيم : 21)

أفلا يدل على علم الله “المسبق” بأفعال العباد؟ أقول أن للقضية شقين الأول: علم الله تعالى بأفعاله وأهوال ذلك اليوم وكل ذلك من خلقه وهو عليم بما يخلق. الثاني: علم الله بنفوس الناس من أهل “الدنيا” وما يحدث بداخلهم من انفعالات وما يبطنونه من خبايا. فلو ضممنا الشقين لبعضهما البعض نتج عنه “فهم” تلك الآية في إطارها الصحيح. فلنضرب مثلا تقريبيا لا تطابقيا بالمعلم الذي يضع إمتحانا وهو يعلم بمدى صعوبته وفي نفس الوقت هو يعلم بمستوى تلاميذه فيقول لن يجتاز ذلك الإمتحان إلا زيد وعمرو مثلا لعلمه الحاضر بمستوى كل منهما. أقول ولله المثل الأوفى أن تلك الآية تفهم في ضوء علم الله تعالى بأفعاله من ناحية وعلمه بـ “المعلوم” الكائن من نفوس وطبائع البشر فيأتي الخبر “توقعا” لما سيحدث وليس “تقديرا” له.

الغيب
الغيب هو “ما” يغيب عن الإنسان وليس مرادفا للمعدوم بالضرورة فقد يكون الشيئ قد وجد ولكنه حجب بحجاب الوقت السالف وقد يكون موجودا الآن ولكنه محجوب بحجاب المكان أو حجب النفس أو أي حجب أخرى. وقد يكون معدوما ولكنه مرتبط بأفعال الله تعالى. هل الله يعلم الغيب؟ لنترك الإجابة عن ذلك السؤال لله تعالى حيث يقول في الكتاب في أكثر من موضع منها الموضع التالي:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر : 22)

والإيمان بالغيب الذي أخبرنا به القرآن كالجنة والنار والملائكة والكتب والرسل وغير ذلك فريضة واجبة:

(الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ…) (البقرة : 1 – 3)

ولكن هل “الغيب” هو العلم بـ “المستقبل”؟ ذكرت أن المستقبل “معدوم” والمعدوم ـ عينا ـ إن ذكره الله في كتابه ـ خبرا ـ وكان من “أفعال” الله فهو من الغيب الذي يجب الإيمان به كيوم الجزاء. أما إن كان متعلق المعدوم هو أفعال “العباد” في الدنيا فهي ليست غيبا. أما ما سلف وما حضر من أفعال العباد مما حجبه الله عنا كالأقوام البائدة وغيرهم فهذا كله من الغيب الواجب الإيمان به.

الخلاصة

الله هو العليم وهو العليم بذاته وليس بأي معنى زائد عن الذات. وهو يعلم المعلوم بالإحاطة والشمول فإن كان المعلوم “فعلا” من أفعال العباد فإن الله يعلمه ليس أزلا ولا مسبقا ولا لاحقا وإنما يعلم بالإحاطة كل ما يصح أن يعلم متى وجد المعلوم. الله عليم بذاته والله عليم بأفعاله الحادثة قبل حدوثها. لا يوجد في القرآن ما يدل على علم “أزلي” ولا علم “سابق” بأفعال المخلوقين ولا “الزمان”، ولا يوجد فعل مضى وآخر يمضي وإنما هناك فعل سلف وآخر حاضر وأن المستقبل معدوم والقيامة مستقبل فهي معدومة ولكن يعلمها الله لكونها فعلا من أفعاله وأن الله هو عالم الغيب والشهادة وهو علام الغيوب وأن الغيب إن ارتبط بأفعال العباد فهو ينصرف للكائن أو ما كان منها ولا يرتبط الغيب بمعدوم إلا ما كان فعلا من أفعال الله أو ملحقا به كالتوقع بفعل ما وهذا التوقع ليس قدرا فالقدر هو مطابقة الفعل من الله لإرادته وأن كل من جادل ويجادل مرتكزا على علم الله لتبرير أفعال العباد فهو من أهل الجبر من اتباع ابليس لعنه الله.

العليم والسياسة الشرعية

السياسة الشرعية من أفعال “العباد” وهي من مسؤلية الحاكم والمحكوم. حكام الجبر السياسي ـ الوجه الآخر للجبر العقدي ـ حينما يريدون الترويج لفساد سياستهم ينفثون في المحكومين أن الله علم ذلك أزلا وأنه أراده ومن ثم يجب على المحكومين الصبر بل الرضا بذلك لأنه رضاء بالقضاء والقدر. كل ذلك كذب وافتراء فالقضاء والقدر والإرادة من المفاهيم المرتبطة بأفعال الله فما علاقة ذلك بالسياسة الشرعية وهي من أفعال العباد. إضافة إلى ذلك أثبت البحث عدم قرآنية وجدوائية القول بالعلم الأزلي والعلم السابق، فعلم الله يرتبط من ناحية بكينونة المعلوم ومن ناحية أخرى بالإحاطة المجردة عن مفاهيم الزمان، الزمان … ذلك الإصطلاح البشري الذي يبرأ منه القرآن. فليعلم المحكومون إذا أن تعليق الحكام فساد سياستهم على علاقة “العلم” إنما هو تمويه وخداع وتستر أولئك الجبرية بالكتاب لإخفاء فسادهم وضلالاهم والكتاب منهم بريء.انتهى مبحث العلم و سيكون لقاؤنا قريبا ان شاء الله مع مبحث الإذن والختم وأخيرا مبحث الحاكمية إن كان في العمر بقيةوالسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:05 م  اكتب تعليقُا  

المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (6)

[10] الختم

وردت مادة (خ / ت / م) في الكتاب في ثمانية مواضع. وأصل “الخَتْم” الإستيثاق من أن لا يدخله شيئ ولا يخرج منه شيئ فقول الله تعالى:

(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب : 40)

يدل على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي وثَّق ما فعله النبيُّون من قبله وصدَّق عليه ومن ثم لن يدخل إلى زمرة النبيين بعده نبي لاحق ـ وفي هذا رد على من ادعى النبوة بعده ـ ولن يخرج من زمرتهم نبي سابق ـ وفي هذا رد على من ادعى مجيئ المسيح للدنيا ثانية ـ أي أنه هو الذي أعطى لهم “التوثيق” الرسمي من خلال رسالته الغراء وشريعته السمحاء. وجدير بالذكر هنا أن “التوثيق” أمر “معنوي” وليس “ماديا” فالرسول الخاتم قد أعطى “التوثيق” و “التصديق” أي شهد لهم بالصدق فيما تنبئوا به وليس المقصود أنه “أوثقهم” أي شدهم بالحبال أو المادة. أذكر هذا كي نتمكن من فهم قول الله تعالى:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية : 23)

فالآية الشريفة تتحدث عن إنسان كافر بالله بدلا من أن يتخذ الله تعالى إلهاً إذا به يتخذ هواه إلهاً، ويغتر بعلمه فيضله الله أي يضيعه ويشتته ثم يختم على قلبه أي “يوثق” و “يشهد” بأن قلبه ضال. التوثيق هنا ليس معناه “الحيلولة” بينه وبين الإيمان وإنما بمثابة شهادة “ضمان” بأن قلبه كافر بالله وأن على بصره غشاء فلا يرى، وقد تم كل هذا كنتيجة للكفر وليس سببا له. ومثال ذلك حينما نقول “عدَّلَ” فلان فلانا ليس بمعنى جعله عدلا ولكن بمعنى “شهد” له بالعدالة كنيجة لكونه فعلا عدلا وليس كسبب. ومثل ذلك قوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة : 6 – 7)

فالحديث يدور حول “الذين كفروا” وليس حول “الذين آمنوا”. هم كفروا بإظهار ذلك وإبطانه فوثق الله حالهم وصدق عليه بالختم على قلوبهم أي الشهادة لهم بالكفر كنتيجة وليس كسبب. وبقية آيات “الختم” يقال فيها ما قيل في أخواتها.

 

[11] الطبع

الطبع والطباع والتطبع والتطبيع والطبيعة وغيرها كلمات تشترك في جذر واحد هو (ط / ب /ع) والذي يوحي بأن هناك شيئ “طبيعي” أي معهود ومألوف يتم. المقصود بـ “الطبع” في بحثنا هو “شهادة” الله على الكفار والمنافين والأشرار وغيرهم بأن سلوكهم ذلك الخبيث قد ترسخ وتجذر لديهم فأصبح طبعا لهم وكما قيل الطبع يغلب التطبع. ما قيل عند الحديث عن “الختم” أعلاه يقال كذلك عند الحديث عن “الطبع” بأن المقصود هو “الشهادة” و “الضمان” بأنهم أصبحوا ذوي طبع خبيث وليس المقصود أبدا أن الله يحجزهم عن الإيمان فهذا ينافي التكليف:

(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) (الأعراف : 101)

قال أنه يطبع على قلوب “الكافرين” وليس على قلوب “المؤمنين” فشهادة الله لطباعهم بالدونية والسفالة نتيجة مستحقة لهم على كفرهم وليست سببا بإدخالهم في الكفر عنوة. يقول الحق تعالى:

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء : 155)

فالباء في قوله تعالى “بكفرهم” باء السبب أي بسبب كفرهم يعطيهم الله “صكا” معنويا بأنهم كفار فإن فعلوا الإيمان أي آمنوا زالت عنهم تلك الوصمة وحلت محلها وسمة الإيمان. هل يفهم من كون “الختم” على قلوب الكافرين والظالمين والمعتدين و”الطبع” عليها “شهادة” من الله لهم بذلك أن المفهومين مترادفان؟ المفهومان في الواقع وإن كانا قريبين إلا أنهما متباينان فالطبع ـ ماديا ـ هو استخدام “أداة” ما أما “الناتج” عن عملية الطبع يسمى ختما. فالطبع يمثل “العام” والختم يمثل “الخاص” وقد يكون هناك فارق آخر كما نراه في عالم المادة وهو أن الختم ـ الذي يتم بالأحبار والأصباغ ـ قد يزول أما الطبع والذي يتم إما بأصباغ أكثر ثباتا أو بوسيلة “الضغط” على المطبوع يكون أكثر تماسكا وبقاءا ولذا يمكن القول بأن “الطبع” أقوى في تأشيره من “الختم”. ومن ثم فالكلمتان متفارقتان معنويا وكلاهما يدل على “تأشيرة” أو “سمة” لدخول عالم الأشرار وسببها استحقاقهم لتلك “التأشيرة” بأفعالهم.

 

[12] الإذن

الإذن هو “إعلام” بفعل شيئ هذا الإعلام ينطوي على “تصريح” بالفعل. الإذن يرتبط بالعلم بالشيئ والتصريح به تكليفا أو تخفيفا أو اختبارا. يقول الله تعالى في محكم التنزيل:

(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ..) (النساء : 25)

فقوله تعالى “بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ” أي بعلم أهلهن أي بعد إعلام مباشر وصريح “تصريح” من أهلهن لكم بالموافقة فالإذن هو أشبه بجواز المرور بعلم السلطات.

(وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة : 3)

قوله تعالى “أذان” أي إعلام وإعلان وإخطار وتصريح رسمي من الله ورسوله ببراءتهما من المشركين. المجبرة لا تكتفي بهذا المعنى الواضح ولا تعيد الفرع لأصله فتسئل عن قوله تعالى:

(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) (يونس : 100)

وتقول أن الإيمان مترتب على الإذن فنقول صدق الله وكذب المجبرة الذين يزعمون أن الله “يخلق” الإيمان في المؤمنين و”يخلق” الكفر في الكافرين. هل كان لنفس أن تؤمن لولا هداية الله لها بالعقل والكتاب والرسول؟ الإجابة لا فبالعقل والكتاب والرسول هدانا الله إليه أي أعطانا جوازا للسلوك إليه جل شأنه وهذا هو الإذن. ليس المعنى هو أن الله “ركَّبَ” الفعل في الفاعل ولكن المعنى أن الله “منح” الفاعل جوازا وإذنا للذهاب إلي عالم الإيمان به.

 

الختم والطبع والإذن والسياسة الشرعية

كل الطرق تؤدي للهدف وكل “المفاهيم” السابقة تؤدي لحقيقة واحدة هي أن الإنسان مسؤل مسؤلية مطلقة عن أفعاله “التكليفية” وأن الله هو “المراقب” لنا وليس “الفاعل” لنا وهو لا يتدخل بالفعل في التكليف لا لعجز ولا لعلة ولكن لكلمة سبقت وحكمة مضت هي “التكليف”. ولما كانت السياسة الشرعية من جملة أفعالنا فلنعلم أننا قادرين على تشكيلها وفق المبادئ التي شرعها الله فمن حاف من الحكام وظلم فليعطه شعبه “شهادة” بحيفه وليختموا عليها ويطبعوا من خلال عملهم المؤسسي من أجل إزاحة الظالم وتعيين المقسط وليعلموا أن كل ذلك بإذن الله أي أن الله أعلمهم بضرورة فعل ذلك وهو مراقب لسلوكهم عالم بأفعالهم.

أكتفي بهذا القدر من الحديث حول المفاهيم الإيمانية المؤسسة والمؤصلة للسياسة الشرعية وأستسمح في تأجيل شرح مفهوم “الحاكمية” لحين البدء في سلسلة جديدة حول “مفاهيم” السياسة الشرعية قريبا ان شاء الله

والسلام.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:00 م  اكتب تعليقُا  

المعتزلة المعاصرة والسياسة الشرعية

في الوقت الذي ترفض فيه المعتزلة المعاصرة مبدأ العنف السياسي لما يخلفه من فوضى تشمل الأخضر واليابس وترى أنه يحرم شرعا فإنها في الوقت نفسه ترفض مبدأ المشاركة السياسية في النظام السياسي الجائر وترى أنه كذلك يحرم شرعا . هذا التوجه الفكري للمعتزلة المعاصرة يؤدي إلى حيرة المهتمين بالعمل السياسي بصفة عامة ويجعل التساؤلات تثور في أذهانهم عن البديل الشرعي وهذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذه السطور بتوفيق الله.أولا: ماهيَّة العمل السياسي المَعنِي؟
العمل السياسي جزء من العمل العام. العمل العام يشمل أنشطة متعددة منها العمل العام الرسمي أي التابع للنظام والعمل العام غير الرسمي أي الغير تابع للدولة. أما العمل العام الرسمي فهو ينقسم بدوره إلى أقسام: عمل عام رسمي سياسي أو قضائي أو إداري أو غير ذلك. العمل العام الرسمي في بعده السياسي قد يكون تنفيذيا الوزراء: نائب وزير / وزير / وزير دولة / … إلخ أو العضوية في السلك الدبلوماسي (وليس القنصلي). وقد يكون تشريعيا مثل العضوية في المجلس النيابي القطري (البرلمان) أو الإقليمي أو المحلي. إن المعتزلة المعاصرة حينما تتحدث عن العمل السياسي فإنها تقصد هذا الجانب. ويخرج من العمل السياسي ما يلي: الأعمال الإدارية مثل الموظفين الإداريين بمؤسسات النظام والأعمال الخدمية كالموظفين القنصليين وغيرهم والأعمال القانونية كالقضاة ـ عدا المناصب القضائية ذات الصبغة السياسية كوزير العدل وغيره ـ والأعمال الجمعوية كالنقابات المهنية والعمالية والإتحادات الطلابية وغير ذلك فهذا مما تجيز المعتزلة المعاصرة التنافس فيه بقدر مساحة الحرية المتاحة والضرورة تقدر بقدرها.

ثانيا: لماذا عدم المشاركة؟
نظرا لقبح مشاركة الظالمين في مؤسساتهم أولا ولحرمة ذلك في نفس الوقت بأدلة العقل والنقل. علاوة على ذلك رأينا من خلال التطبيق العملي أن العصفور لن ينتزع شيئا من بين فكي الضبع وأن الضبع لن يمنح العصفور إلا ما يريد منحه بالقدر الذي يراه ـ هذا إن منحه شيئا أصلا ـ ومن ثم فإن ضرر المشاركة شرعيا وماديا ومعنويا أكبر بكثير من نفع المشاركة ـ إن كان لها نفع يذكر ـ علاوة على إسباغ صفة الشرعية على السلطان الجائر داخليا وخارجيا وهي فرصة كبيرة له ليقوم بتلميع وجهه في الخارج متشدقا بنجاح تجربة الديموقراطية في سلطنته وهكذا. إن العمل السياسي بحد ذاته ليس حراما بل هو أوجب الواجبات بل هو أوجب شيئ بعد الإيمان بالله تعالى وإنما الحرام هو العمل السياسي في ظل مؤسسات السلطان الجائر المحل ما حرم الله والمحرم ما أحل الله فيلزم الإنتباه جيدا لهذا الفارق.

ثالثا: هل يعني عدمُ المشاركة السلبيَّةَ السياسية؟
هناك تيارات إسلامية لا تهتم أصلا بالعمل السياسي كالصوفية الطرقية وبعض السلفية. إنني حينما أذكر الصوفية في هذا المقام فإني أقصد الصوفية الطرقية أو صوفية الزوايا المعاصرة من شاذلية ورفاعية وأحمدية وأكبرية ودسوقية وقادرية وبوتشيشية وتيجانية ونقشبندية وغير ذلك من طرق تخدير الوعي ولا أقصد بطبيعة الحال علماء الصوفية أنفسهم فها هو السيد أبو الحسن الشاذلي يلحق بعسكر المسلمين في المنصورة لحثهم على استفراغ الوسع في حرب الصليبيين. وها هو الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي يشرف على تجهيز الجيش الذي خرج لملاقاة التتار في عين جالوت. وها هو الشيخ الأمير عبد القادر الجائري يحارب جند الفرنسيين الغزاة لأكثر من عقد ونصف من الزمان وها هم غيرهم كانوا حقا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار. وحينما أتكلم عن السلفية فإنني أقصد أتباع الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي الذي صنف كتاب السياسة الشرعية وخرج بنفسه لملاقاة التتار مع جند المسلمين فلا أقصده هو بل أقصد الأتباع والأذيال الذين خالفوا نهج الأبطال فأمسوا من الأرذال. هذه الفئات نجدها لا تهتم بالحياة السياسية أصلا ولربما كانت ترى في السياسة رجسا من عمل الشيطان وليس عبادة يتقرب بها إلى الرحمن. إذا تخطينا صوفية الزوايا وسلفية التكايا وجئنا إلى الأشاعرة نجدهم يجيزون العمل السياسي خلف البر والفاجر فلا يفرقون بين الغث والسمين ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل أن منهم من كان عميلا للسلطان الجائر مثل أبي حامد الغزالي الطوسي المتصوف الأشعري الشافعي صاحب كتاب “إحياء علوم الدين” والذي كانت صلته بسلاطين السلاجقة أشهر من أن تذكر. فإذا تركنا هؤلاء وجئنا لأسلاف المعتزلة وجدنا فيهم كما في غيرهم أهل الإباء والشمم ووجدنا أيضا أهل البلاء واللمم فها هو الجاحظ يدافع عن سلاطين بني أمية في كتاب “العثمانية” وها هو العلاف وابن أخته النظام يؤمان أبواب السلاطين وهكذا نجد رموز الرذيلة السياسية كما نجد رموز الفضيلة السياسية فها هو بشر بن المعتمر المعتزلي رحمه الله يفضل أن يزج به في غياهب السجن على أن يوالي السلطان الجائر. إن أهل الفضل السياسي من كافة الإتجاهات الإسلامية مما تقدمت أسماؤهم وغيرهم ما انسحب أحد منهم من الحياة السياسية أبدا ولكنهم أخذوا مواقعهم في صفوف المعارضة المدنية وفضلوا هذا الموقع على موقع موالاة السلطان الجائر.

رابعا: ما هو الحل؟
ثلاثة مبادئ ترفضها المعتزلة المعاصرة: مبدأ العنف السياسي ومبدأ المشاركة السياسية ومبدأ الغيبوبة السياسية أما المبدأ الوحيد المقبول هو مبدأ المعارضة السياسية المدنية السلمية من خلال متابعة النشاط السياسي بالكامل دونما مشاركة هذا من ناحية وممارسة العمل العام الغير سياسي إداريا كان أم خدميا أم قضائيا من ناحية أخرى وتشجيع العمل الجمعوي ضمن المؤسسات المدنية الأهلية من ناحية ثالثة والتفرغ للبناء الفكري والتربية والتقرب من الله من ناحية رابعة. فالمعتزلة المعاصرة لا تمثل جماعة ولكنها تيار كائن في الأمة وهو تيار فكري في المقام الأول لدية الرؤية السياسية ـ على المستوى الفكري كذلك ـ المبينة أعلاه وهدفه إعادة بناء وعي الأمة من جديد على نهج مبدأي العدل والتوحيد العقليين.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 3:57 م  اكتب تعليقُا  

الإحتكار حرام شرعا

يتم طرح موضوع الإحتكار عادة من زاوية اقتصادية و تجارية بيد أنه يمكن تعميم الطرح ليشمل جوانب أخرى كالسياسة بما يشتمل عليه ذلك التعميم من استصحاب للحكم الشرعي “حرمة الإحتكار” في الجوانب السياسية كحرمة توريث الحكم ـ سواء في الدول الملكية أو الجمهورية ـ وحرمة إستئثار حاكم ما بالحكم دونما إشراك للآخرين عن طريق تدويل السلطة وهكذا. من الملاحظ عدم ورود مادة “حكر” في الكتاب المبين ولكن ورد معناها فعلا من خلال ذكر مقابلها اللغوي، كما في قوله تعالى:

(مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر : 7)

كلمة (دولة) تدل على التداول وا لمداولة وكل ما يقابل معنى الإحتكار. ورد النهي القرآني عن الإحتكار من خلال قوله تعالى (… كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) فبين الحكمة من توسيع شريحة التوزيع وهي التداول والإنتشار للقضاء على الحبس والإحتكار بين شريحة بعينها. وجود هذه الآية يغنينا عن تتبع آراء الناس فيما يتعلق بحكم الإحتكار فقد حسم الكتاب القضية بالنهي عن الإحتكار الشخصي أو الفئوي فمن يحتكر يصبح آثم، فإن شمل الإحتكار العصب الإقتصادي والسياسي والإجتماعي وغير ذلك فصاحبه ـ المحتكر ـ آثم ومرتكب لكبيرة إن مات دون توبة فهو خالد في النار. هذا ما نقرره في فقهنا للسياسة الشرعية. حينما يسمع العوام كلمة “كبيرة” لا تنصرف أذهانهم إلا إلى الجرائم الجنسية كالزنا واللواط والسحاق والإغتصاب وغير ذلك وهذا للأسف قصور في الفهم. إضافة للجرائم التقليدية جنسية كانت أم لا يشمل مفهوم “ارتكاب الكبائر” جرائم أخرى لعلها تكون أشد خطرا لإضرارها التام ببيضة المجتمع، فهناك فارق كبير بين أن يسقط شاب وفتاة في جريمة الزنا مثلا وبين جور الحكام ونهب ثروات البلاد والعباد، الجريمة الأولى شديدة بينما الجريمة الثانية قاصمة ومزلزلة. المعتزلة في اطار حديثهم عن مرتكبي الكبائر لايركزون على كبائر ما بين الفخدين فحسب بل يهتمون أكثر بالكبائر السياسية والإقتصادية والمالية والجرائم الإجتماعية. في هذا الإطار العميق يأتي بحثك القيم.

يعالج الكتاب قضية الإحتكار من منظور إضافي لما تقدم وهو منظور النهي عن “الإكتناز” وتوعد المكتنزين بأقصى أنواع الوعيد كما في قوله تعالى:

(… وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة : 34 – 35)

تحريم الإحتكار ـ بشتى صوره ـ حقيقة قرآنية يستشفها المتدبر لآي الذكر الحكيم من خلال الأمر بالتوزيع والتداول من ناحية وتوعد قاس لمرتكبي كبيرة الإكتناز من ناحية أخرى.

أنواع الأسواق الإحتكارية

الإحتكار في علم الإقتصاد قد يتكون في جانب “العرض” وهذا هو الغالب إلا أنه قد يتكون في جانب “الطلب” كذلك. إن تكون الإقتصاد في جانب العرض وكان هناك “عارض” واحد فقط يسمى الإحتكار هنا الإحتكار الأحادي Monopol ولو كان هناك “عارضان” يسمى حينئذ الإحتكار الثنائي Duopol أما لو كان هناك “عارضون” ولكنهم قلة يسمى إحتكار القلة Oligopol . في حالة كثرة العارضين نفارق عندئذ الأسواق الإحتكارية ونكون بصدد أسواق المنافسة وهي نوعان: المنافسة التامة والمنافسة الناقصة. إذا انتقلنا بعد ذلك إلى جانب الطلب نجد أن تلك التقسيمات تصاحبنا كذلك إلا أن “الطالب” الواحد يسمى هنا Monopson كما نجد مثال ذلك بوضوح في سوق العمل.

علاج الإحتكار

التشريع
الجشع الفردي والنهم الإنساني لا حدود له ولذلك تسن القوانين لتهذيب تلك الأنماط السلوكية الطفيلية لتحقيق مصلحة المجتمع ككل. أضرب مثالا لكيفية معالجة الإقتصاد الألماني لظاهرة الإحتكار: هناك هيئة حكومية مناط بها “رقابة” التوجهات الإحتكارية في الإقتصاد. حين حدوث “إتحاد” أو “إندماج” بين عملاقين أو أكثر بما يؤدي لبلوغ رأسمال المنتج الجديد لسقف معين يتم توجيه تهمة الشروع في الإحتكار للعملاقين المتحدين وإحالتهما للجهاز القضائي للبت بشأنهما، فإن ثبتت هنا “تهمة” الإحتكار يتم حينئذ فسخ الإندماج بقوة القانون. هب أن شركة “Mercedes-Benz ” وشركة “VW” شرعتا في تكوين إندماج عملاق بينهما، القانون يتدخل هنا لوقف ذلك الإندماج حفاظا على مبدأ “التنافس” الحر لأن الإندماج السابق لو سمح به مثلا فسيؤدي لأضرار بالغة بالمنتجين الآخرين في سوق صناعة السيارات مثل “Opel” أو “Audi” أو غيرهما من الشركات الأصغر.

السياسة المالية
أي فرض ضرائب “كمية” أو “قيمية” على المحتكر لمنعه من الإحتكار. بعد القيام بدراسة أثر الضريبة المفروضة رياضيا سواء على جانب العرض أو على جانب الطلب وجد أنها تؤدي لنتيجة واحدة وهي: المنتج يحصل على مبلغ أقل والمستهلك يدفع مبلغ أكبر.

طريقة “الحاكم بأمر الله”
في أحد الأزمنة الماضية وتحديدا في أثناء حكم القائد الفاطمي الحاكم بأمر الله إتفق “شهبندر” التجار وكبار التجار في سوق الغلال على تخزين الغلال وعدم طرحها للبيع مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الغلال. لما وصل الحاكم بأمر الله نبأ التجار وما أحدثوه أرسل لهم التحذير التالي قبل يوم الجمعة بعدة أيام: سيزور الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله سوق الغلال بعد صلاة الجمعة مباشرة. أيما تاجر يكون متجره مغلقا أو خاويا من الغلال والتي ستباع بسعر حدده لهم فسيتم ضرب عنق ذلك التاجر أمام متجره على الفور. جاء يوم الجمعة وذهب الحاكم إلى السوق بعد الصلاة واصطحب معه سيافين فماذا وجد؟ وجد الرواج والإزدهار في سوق الغلال: المتاجر امتلئت بالغلال وبسعر أقل من السعر الرسمي والمخازن فارغة تماما من الغلال التي كانت بها إبان الأزمة. (المصدر: كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور” بتصرف).

موقف “العدل والتوحيد” من قضية “الإحتكار”

الإحتكار ـ لاسيما إحتكار ما من شأنه الإضرار بحياة الإنسان لو منع عنه كالغذاء والدواء والتعليم وغير ذلك ـ محرم شرعا لتحريم القرآن الكريم له ـ إلا في النموذج الإقتصادي الذي توجد فيه الدولة كمنتج وموزع وحيد فهذا أمر آخر ـ وأن المحتكر ـ فردا كان أو فردان أو مجموعة أفراد ـ لأقوات وغذاء ودواء وصحة المواطن الجسدية والنفسية والعقلية يرتكب إثما. ويجب إصدار التشريعات القانونية والإقتصادية والتنفيذية التي تجرم المحتكر وتوقعه تحت طائلة القانون.

أكتفي بهذا القدر والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 3:53 م  اكتب تعليقُا