تعليق حول مفهوم النجم الثاقب

يفهم البعض من آيات سورة الطارق أنها تشير الى النجوم النيوترونية أو ما يعرف في علم الفلك باسم النوابض Pulsars وهي النجوم الميتة التي كانت كتلتها اكبر من 1.4 وأقل من 3.2 من كتلة الشمس. وهو فهم معقول ولكني أريد أن أطرح فهما آخر وهو أن الآيات المذكورة قد تكون تشير لا الى النجوم النيوترونية ولكن الى الثقوب السوداء وهي النجوم الميتة التي كانت كتلتها اكبر من 3.2 من كتلة الشمس والتي انكمشت على نفسها بسبب الجاذبية الشديدة والتي قد تم اكتشافها لأول مرة في عام 1971 ميلادية.

دعونا نحلق الآن في أجواء الآيات الكريمة لمعرفة أي الاحتمالين أقرب لجو الآيات الكريمة. يقول الله عز وجل:

(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ) (الطارق: 1-3).

الدلالة الأولي
هي لفظ (الطارق) وهو اسم فاعل من فعل (طرق) وهو فعل ثلاثي مجرد من معانيه (سلك) أي اتخذ طريقا أو مسارا أو فلكا يسبح فيه، ونحن نسمي المسارات طرقا فهذا اللفظ يوحي أولا بالحركة شأنه شأن كل الأجرام السماوية ويوحي ثانيا بحركة في مسارات محددة وليست عشوائية ويوحي كذلك بالخفاء والمباغتة. ان المشترك اللفظي لفعل (طرق) بين الدق والسير هو الذي يجعل النتائج تختلف فمن فسر (الطارق) بأنه النابض ما أخطأ ومن فسره بأنه السالك ما أخطأ كذلك.

الدلالة الثانية
هي لفظ (الثاقب) وهو اسم فاعل من فعل (ثقب) وهو فعل ثلاثي مجرد معناه أحدث ثقبا أو فجوة. الثقب الأسود في الحقيقة ليس ثقبا وانما هو نجم انهارت مادته في داخله بسبب الجذب الشديد في اتجاه مركزه. فمثلا لو تخيلنا الشمس تتحول الى ثقب أسود فان نصف قطرها الحالي وهو 700000 كم لابد أن ينكمش الى 3 كم فقط.

الثقب الأسود ان لم يكن ثقبا الا أنه يحدث ثقب كوني اذ أنه وبسبب جاذبيته الشديدة يجذب الأجسام المحيطة به وكذلك الطاقة والموجات فهو اذا ثاقب كما ذكر القرآن بدقة تامة.
أخلص اذا الى أن الألفاظ القرآنية الثلاثة (الطارق) و (النجم) و (الثاقب) تنطبق الى حد كبير ـ دونما جزم ـ على ما أطلق عليه الثقوب السوداء أكثر من انطابقها على ما أطلق عليه النوابض.
اضافة الى الآيات السابقة هناك آيات تشير بوضوح شديد للثقوب السوداء فيما أرى. يقول الله عز وجل:

(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ) (التكوير: 15-16)

أنظروا معي ـ اخوتي الأكارم ـ الى دلالات الألفاظ في الآية الكريمة:

اللفظ الأول
هو (الْخُنَّسِ) وهو جمع خناس والخناس هو الشئ الخفي أو المختفي مثل الوسواس الخناس أي الخفي. فلو أسقطنا هذا المعنى على الثقوب السوداء لوجدناه منطبقا عليها فهي ـ أي الثقوب السوداء ـ لما كانت تجذب الضوء وتمتصه فلا تعكسه، و تبتلع أمواج الراديو فلا تردها، فهي تبدوا حقا مختفية غير ظاهرة.

اللفظ الثاني
هو (الجواري) بما يوحيه هذا اللفظ من قوة الحركة كما قال الله عز وجل:

(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس: 38)

وبما يحقق به انسجاما مع لفظ (الطارق) فالأخير يدل على الحركة في فلك محدد والأول يدل على سرعة الايقاع داخل هذا الفلك.

اللفظ الثالث
هو (الْكُنَّسِ) وهو اسم جمع من فعل (كنس) أي أزال أي أن تلك (الجواري) تكنس الأجرام السماوية أي تزيلها كما تزيل المكنسة الغبار، فانظروا معي الى العلاقة الوطيدة بين (الْكُنَّسِ) و (الثاقب): الجواري الكنس تزيل وتبتلع ما يقع في محيطها من مادة وطاقة مخلفة وراءها ثقبا كونيا نظيفا خاليا من الشوائب الكونية.

هي ألفاظ محددة (الطارق)، (النجم)، (الثاقب)، (الخنس)، (الجواري)، (الكنس) تشير ـ بدرجة كبيرة للغاية ـ للثقوب السوداء.

تلكم هي ألفاظ وآيات الكتاب المبين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحسيني

Advertisements
Published in: on أغسطس 21, 2007 at 5:46 م  Comments (1)  

خاطرة حول “الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ”

وردت كلمة (الجوار) – بكسر الراء – في الكتاب في ثلاثة مواضع هي:

(1) (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) (الشورى : 32)

(2) (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) (الرحمن : 24)

(3) (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) (التكوير : 15 – 16)

لفظ (جوار) هو اسم فاعل الجري في حالة الجمع وليس الإفراد، وقد وردت (جرى) في الكتاب في مواضع عديدة منها قوله تعالى:

(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس : 38)

من الآيات المتقدمة نلاحظ ما يلي:

[1] تم من خلال الآيتين (1) و (2) تشبيه الجواري “في البحر” بالأعلام من خلال حرف الكاف وهو من حروف التشبيه. أما الأعلام فهي الجبال الضخمة التي جعلها الله تعالى علامات تظهر من بعيد فتم تشبيه الجوار في البحر بها لضخامتها. أما البحر فظاهر الآية الأولى يدل على أنه البحر المائي وليس بحرا فضائيا مثلا حيث تقول الآية (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ. إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ) (الشورى : 32 – 34) فعبارات مثل (يُسْكِنِ الرِّيحَ) و (فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ) و (عَلَى ظَهْرِهِ) و (يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) – أي يغرق الجوار بما كسب أصحابها ـ تدل على البحر المعروف كالبحر المتوسط أو المحيط أو أي مسطح مائي صالح للإبحار. وعلى هذا يكون المقصود بالجوار: الفلك التي تمخر عباب البحار فيشف الأفق من خلفها عالم يختفي رويدا كأنه بخار. يعزز هذا المعنى ـ أن الجوار هنا إشارة للفلك ـ قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ …) (البقرة : 164) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (يونس : 22).

[2] الآية الرابعة تم من خلالها استخدام فعل “تجري” والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره “هي” يعود على “الشمس”. أي أن لسان القرآن يستخدم فعل “جرى / يجري / جريا / جار وجوار” للإشارة إلى سباحة الأجرام السماوية في بحار الأفلاك والمدارات الكونية.

[3] لعل المعنى السابق هو المقصود في الآية رقم (3) أي جري أجرام السماء في أفلاكها فتكون “الجوار الكنس” هي الأجرام التي تجري لتكنس الأجرام الأخرى. أقرب ما نعرفه من أجرام من ذلك النوع وفق سقفنا العلمي المعاصر هي الثقوب السوداء.

الخلاصة
كلمة “جوار” مشتقة من فعل “جرى / يجري” والذي يدل على “الحركة” في سرعة وانسياب سواء تم في الأرض أو في السماء كجري السفينة مخترقة صفحة ماء البحر وكجري الشمس في مدارها السماوي الكوني.

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 5:38 م  Comments (1)  

نبوة مريم إبنة عمران

 

سؤال

هل تعتبر السيدة مريم إبنة عمران نبية أم مجرد والدة نبي هو عيسى ابنها عليه السلام؟

الجواب

ظاهر القرآن أنها نَبِيَّةٌ فقد ألحقها بقافلة الأنبياء وقد أُوحِيَ إليها كما أُوحِيَ إلى النبيين وقد رأت من مخلوقات الله تعالى ما لا يراه سوى النبيين.

يقول الحق سبحانه وتعالى:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ. وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ. وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ. قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ. وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ. وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ. وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 48 – 91)

ويقول الحق سبحانه وتعالى:

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ. ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران : 42 – 45)

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) (مريم : 16 – 19)


مداخلة: الوحي لم يختص بالانبياء فقط اوحى الله الى ام موسى ان ترضعه وانه – سبحانه – راده اليها واوحى عز وجل الى النحل…

كلام صحيح. يقول الله تعالى:

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص : 7)

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (النحل : 68)

مداخلة: وهنا مبحث عن اخر عن ماهية الوحي وكيفيته واعتقد ان الوحي مرتبط – حكما – في مخيلتنا بالوحي الالهي لانبياءه في حين ان مفهوم الوحي اوسع واشمل من معشر الانبياء

أصل الوحي هو “الإعلام في خفاء”. يقول الشاعر:

نَظَرَتْ اليَّ نظرة فتحيَّرَت ***** دقائقُ فكري في بديع صفاتها

فأوْحَى اليها الطرفُ أني أحبها ***** فأثَّرَ ذاك الوحيُ في وجناتها

وهذا المفهوم هو نفسه مفهوم الوحي لأم موسى مثلا أي تم إعلامها في خفاء ـ إلهام ـ بأن تفعل ما دلت عليه الآية السابقة. وكذلك الأمر بالنسبة للنحل.

مداخلة: اما عن رؤيتها ما لم يبصره غير الانبياء فقد راى السامري ايضا ما لم يبصره الناس

فيما يتعلق بالسامري يقول الحق سبحانه وتعالى:

(قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ. قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) (طه : 95 – 96)

ليس فيما ذكره السامري ما يدل على أنه “رأى” ملائكة. وهل ينزل الله الملائكة على الضُلاَّل؟ إن فعل “بصر” في القرآن يفيد عكس المعنى الذي يفيده فعل “عمي”، فإذا كان الأخير يفيد “الستر” فإن الآخر يفيد “الجلو” وكلاهما قد يرتبط بالعين أو بالعقل فهذا أعمى البصر والآخر أعمى البصيرة وكذلك فإن العالم مبصر بينما الجاهل غير مبصر، ولذلك يقول الله تعالى:

(قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) (الأنعام : 104)

فالإبصار والعمى هنا لا يرتبطان بالحواس الفيزيائية ولكنهما يرتبطان بالإدراك والقبول العقليين. ولذا فعندما يقول السامري أنه “بصر” بما لم “يبصروا” به نفهم أن ذلك الرجل كان من علماء الفيزياء في ذلك الوقت وأنه علم ما لم يعلمه الآخرون فقبض قبضة من أثر “الرسول” أي موسى عليه السلام ثم صنع عجلا جسدا له خوار أي له صوت فيزيائي ناتج ربما عن الصدى. بمعنى أنه أخذ حفنة ذهبية من الآثار الذهبية التي حملوها من زينة القوم فصنع منها ذلك العجل الذهبي ذا الصدى الصوتي Echo وهكذا سولت له نفسه الآثمة. كان عالما ولا شك في الكونيات وهو ما لم يتأتى لغيره. أما مريم عليها السلام فلم تبصر الملائكة فقط وإنما رأتهم أيضا رؤية مادية بعد أن تمثلوا في صورة بشرية قابلة للإدراك الحسي.

عودة لنبوة مريم عليها السلام

هناك دليلان على كون مريم عليها السلام نبية من أنبياء الله وهما:

الدليل الأول
إلحاقها بأنبياء من أنبياء الله وهم مُوسَى وَهَارُونَ وإِبْرَاهِيمَ و إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ولُوطً ونُوح وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَو الْكِفْلِ وذو النُّونِ وَزَكَرِيَّا ويَحْيَى وعيسى بقوله تعالى “وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا…”. فلو لم تكن من الأنبياء لما ألحقها الله تعالى بهم. وقد جاء ذكرها متقدما على ذكر ابنها عليه السلام لأن نبوتها ـ تاريخيا ـ كانت متقدمة على نبوته.

الدليل الثاني
إرسال الله تعالى لرسول من عنده “الروح الأمين” وهو رسول الله تعالى لجميع النبيين وهو ما لم يتحقق لأم موسى مثلا. يقول الله تعالى:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) (مريم : 16 – 19)

وجدير بالذكر هنا أن نفرق بين “الوحي” و إرسال رسول “الروح”. يبين الله تعالى طرق كلامه للبشر بقوله جل وعلا:

(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى : 51)

ومن الملاحظ هنا ذكر “الوحي” منفصلا عن “ارسال رسول” . كلام الله تعالى لمريم عليها السلام لم يكن مجرد “وحي” كما حدث مثلا مع أم موسى عليهما السلام أو النحل بل كان عن طريق إرسال رسول وهو “الروح” وهو ما لا يحدث إلا مع أنبياء الله دون سواهم من الصالحين.


سؤال

أيهما أفضل وفق الأدلة الشرعية: مريم إبنة عمران أم فاطمة إبنة محمد مع أخذ رواية ( يا فاطمة: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة )
(البخاري / مسلم) في الإعتبار.

الجواب

ثبت لدينا بالدليل الشرعي أن مريم عليها السلام كانت نبية ولم تكن مجرد أم نبي هو عيسى عليه السلام أما فاطمة عليها السلام فثبت أنها كانت إبنة نبي هو محمد عليه الصلاة والسلام ولكنها لم تكن نبية. هذا وقد جعل الله تعالى مريم ـ وابنها ـ آية للعالمين بينما لم يجعل فاطمة عليها السلام آية للعالمين . يقول الله تعالى:

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 91)

وبناء على ذلك تثبت أفضلية السيدة مريم على السيدة فاطمة عليهما السلام لأن أنبياء الله هم أفضل ممن سواهم من الصالحين. أما رواية ( يا فاطمة: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ) (البخاري / مسلم) فهي مقيدة بقيدين الأول من القرآن والثاني من الحديث.

أولا: القرآن
يقول الله تعالى في الكتاب الحكيم:

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) (آل عمران : 42)

ولفظ العالمين هنا لفظ مطلق ولا توجد قرينة لتقييده بعصر معين كعصرها عليها السلام ومن ثم فهو ينسحب على “جميع” العصور من لدن حواء وحتى قيام الساعة.

ثانيا: الحديث
ورد تقييد الحديث السابق أعلاه من خلال أحاديث أخرى ـ إضافة للتقييد الرئيسي وهو التقييد القرآني ـ من خلال الروايات الآتية:

(أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم … أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران) ( صحيح / الترمذي)

(سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون) (صحيح / ابن عبد البر)

(سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية) (حسن / ابن حجر العسقلاني)


مداخلة: اما عن نبوة السيدة مريم فقد لاحظت ان الله تعالى ما ذكر نبي من انبيائه الا الحقه به كما في : واذكر في الكتاب عبدنا ايوب ….. بينما لم يلحق السيدة مريم بهذا اللقب بل ذكرها مجردة في: واذكر في الكتاب مريم فماذا ترى في ذلك ?!

ليس دائما فالله تعالى قال كذلك:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا) (مريم : 54)

فذكر اسم اسماعيل مباشرة دون كلمة “عبدنا” علما بأنه لم يكن نبيا فقط كأيوب عليه السلام وإنما كان رسولا نبيا صلى الله عليه وسلم. أما مع مريم عليها السلام فيكفيها شرفا وسم الله تعالى لها بقوله:

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 91)

ملحوظة أخيرة وهي تتعلق بالتعبير الذي ذكرته ـ سهوا بلا شك ـ وهو (اذكر “في الكتاب” عبدنا ايوب) حيث لم يرد في القرآن بهذه الصورة وإنما ورد بصورة (اذكر عبدنا ايوب) بدون شبه الجملة “في الكتاب”. يقول الله تعالى:

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص : 41)

مداخلة: اعتبارك احصان السيدة مريم لفرجها شرف استحقت عليه الاصطفاء على نساء العالمين. هل السيدة مريم وحدها من تفعل ذلك ؟ اليست اغلبية نساء الارض كذلك الا قلة منحرفة عن الفطرة ؟

نعم كلامك صحيح ولا شك ولكن المقصود هنا ليس مجرد إحصان الفرج فملايين النساء المحترمات الطاهرات يحصن فروجهن بلا شك ولكن المقصود هو “ما وراء” العبارة من “اتهام” لمريم بالإنحراف ولنقرأ معا مثلا قول الله تعالى:

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم : 27 – 28)

وهكذا يكون التعبير القرآني (والتي أحصنت فرجها) ردا على هؤلاء الذين عرضوا ببغائها. الأمر الثاني هو عدم إنفصال (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) عن قوله تعالى (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا) وقوله تعالى (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) فهذه مقاطع ثلاثة غير منفصلة: إذا تحقق المقطع الأول عند ملايين النساء فإن المقاطع الثلاثة جميعها لم تتحقق إلا عند تلك النبية العظيمة صلوات الله وسلامه عليها. وهذا ما قصدته بالشرف الذي لا يدانيه شرف و لذلك ذكرت الآية هنا كاملة وليس مجرد مقطع منها كما أفعل أحيانا مع الترميز لإتصال السياق بالنقاط الثلاث المتتالية.

مداخلة: لا اعتقد ان ذكر الاحصان هنا فقط للرد على المدعين بهتانا وزورا

إذا أخذنا بعد السبي البابلي في الإعتبار وبافتراض صحته تاريخيا ولا سيما طقس العشتاريات فلربما حينئذ يكون ما تفضلت به من تعليق أعلاه صحيحا.

مداخلة: وبعد العودة العبرية الى اورشليم وبناء الهيكل الثاني اصبح نذر مافي بطون اليهوديات عادة

السؤال هنا هو: ماذا كان موقف أنبياء بني اسرائيل مثل زكرياء عليه السلام من تلك العادة المبتدعة؟ ألم يكن لهم تأثير في تغييرها؟ أسارع قبلك بالإجابة بنعم ولكن كلنا يعلم كيف تعامل بنو إسرائيل مع أنبيائهم!!!

مداخلة: أرجو أن يوضع تعريف النبوة قد لا يُشكل المعنى على القارئ، فهناك فرق بين النبوة والرسالة، وقد نفى سبحانه الرسالة عن مريم في ثلاث مواضع…

إضافة لملاحظة حضرتك ورد إلي كذلك نقد موضوعي بناء يلتقي في مجمله مع ما تفضلت به. بداية أتوجه لكما بعميق الشكر على تلك الملاحظات التي سوف آخذها في الإعتبار عند تحرير موضوع متكامل عن السيدة مريم عليها السلام إذ ما قمت بطرحه في هذا الشريط يمثل إجابة على قدر سؤال ورد إلي ولا يمثل موضوعا متكاملا عن شخصية البتول عليها السلام. ملاحظاتكما بالإضافة للمعلومات الهامة التي قدمها الأخ العزيز عن عشتار ستكون من علامات طريقي عند تقديم الموضوع متكاملا وعسى أن يكون ذلك قريبا إن شاء الله. حتى ذلك الوقت أود إضافة رد على قضية النبوة والرسالة فأقول أن ظاهر الآيات يوحي بأنها عليها السلام لم تكن من الرسل وإنما كانت من الأنبياء. عند تحريري للموضوع سأعمق هذه النقطة بمشيئة الله.


مما لا شك فيه وجود إختلاف ذي دلالات معنوية بين “النبي” و “الرسول” وإذا اعتمدنا القول السائد ـ جدلا ـ بأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فإن مريم عليها السلام من الأنبياء وليست من المرسلين. تلقيت رسالة بها كتاب كريم فيه ملاحظات هامة جدا منها ضرورة الإنتباه للفارق بين لفظ “انبياء” أو “الأنبياء” ـ ورد في القرآن في خمسة مواضع ـ ولفظ “النبيون” أو “النبيين” ـ وردا في القرآن في ستة عشر موضعا ـ حيث ورد إلحاق مريم عليها السلام ـ ضمنا ـ بالأنبياء في سورة تحمل إسم “الأنبياء” وليس “النبيون” فلماذا؟ لعل ذلك يؤيد ما أراه في نبوة مريم عليها السلام: لو كان اسم السورة هو “النبيون” فلربما ظن البعض أن ذلك اللفظ يشمل الذكور فقط ولا تدخله الإناث لكن لفظ “الأنبياء” وهو ليس جمعا سالما لا للمذكر ولا للمؤنث بل هو جمع تكسير قد يشمل المذكر والمؤنث أي أن مريم عليها السلام لم تكن من النبيين ولكنها كانت من الأنبياء.

مداخلة: أطلب اثبات اكثر وقطعى على نبوة السيدة مريم

هل كان مثلا “أيوب” عليه السلام نبيا؟ كيف نعرف ذلك؟ هل ورد ذلك صراحة؟ لقد ورد اسم “أيوب” عليه السلام في أربعة مواضع غير مقترن في أي منها بلفظ “نبي” فكيف نصفه بأنه نبي؟ الجواب: من خلال السياق ومن خلال دلالات الألفاظ. يقول الله تعالى:

(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (النساء : 163)

حيث ورد إسم “أيوب” في سياق يحتوي على أسماء بعض من ثبتت نبوتهم تصريحا في آيات أخرى. إضافة إلى دلالة كلمة “أوحينا” وإن كانت عامة للأنبياء وغيرهم كوحي الله تعالى لأم موسى عليه السلام. بالمثل فإن

(1) مجيئ إسم مريم عليها السلام في سياق يحتوي على أسماء الأنبياء

(2) إضافة لإرسال الروح إليها

(3) وكلام الملائكة معها

(4) وجعلها آية للعالمين وابنها

يدل كل هذا على نبوتها عليها السلام. إذا لم يجد المرء توصيفا صريحا بخصوص معين فعليه استنتاج ذلك التوصيف من خلال التدبر الترتيلي لآيات القرآن وتجميع الدلائل الشاهدة على صحة ذلك التوصيف.

تحياتي والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 19, 2007 at 4:18 م  Comments (1)  

أبو لهب

سورة المسد من السور التي يتشدق بها أهل الجبر للدلالة على ما أسموه بالتقدير الأزلي لأفعال العباد فيزعمون أن الله ـ تعالى عن افترائهم ـ قدر الكفر منذ الأزل على أبي لهب، وأن أبا لهب لم يكن يقدر على الإيمان، وأن الله أعلمه بكفره قبل موته وكأنه يصرفه عن الإيمان. ويهرب الجبريون من التساؤل المشروع: إذا كان الله قد قدر أزلا كفر أبي لهب فلماذا طالبه بالإيمان؟ وكيف يأتي أبو لهب بفعل الله ـ في زعمهم ـ صرفه عنه، وهذا يذكرنا بقول القائل:

ألقاه في اليم مكتوف اليدين وقـ *** ـال إياك إياك أن تبتل بالماء

فهل ما زعمته الجبرية حقا؟ إن تخرصاتهم تلك يأباها العقل السليم وينقضها القرآن الحكيم، وهذا ما سنرى بيانه فيما يلي بإختصار شديد.

من هو أبو لهب؟

يروي أهل الأخبار أن أبا لهب كان من أبناء عبد المطلب ويدعون أن إسمه هو عبد العزى بن عبد المطلب بن عبد مناف وكنيته هي أبو عتبة وسمي أبا لهب لإشراق وجهه.

أما امرأته فهي أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب، عمة معاوية بن أبي سفيان.

أما ولداه فهم عتبة ومعتب.

اشتهر أبو لهب بإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيب دعوته بين قومه وصد الناس عنه، من ذلك ما رواه أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتبع القبائل ووراءه رجل، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول: (يابني فلان إني رسول الله إليكم ءامركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا)، وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه وهو أبو لهب: (يابني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وخلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه).

ملاحظات:

(1) عداء أبي لهب وكيده للإسلام ورسوله والمؤمنين به حقيقة سجلها القرآن الكريم من خلال سورة المسد وما اشتملت عليه من وعيده وذويه بالعذاب. ثم جاءت السيرة بتفاصيل ذلك العداء ومن ذلك رواية أحمد التي سبقت وغيرها من الروايات.

(2) هناك شك لدى بعض المحققين في صحة نسب أبي لهب حيث أن جد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الحنيفيين وهذا يتضح بجلاء من خلال أشعاره التي يناجي فيها الله تعالى مثل:

لاهم إن العبد يمنع رحله فإمنع رحالك

لا يغلبن صليبهم ومحالهم قدواً محالك

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك

وكان أعمام النبي من أوائل من نصروا الإسلام مثل الحمزة والعباس وأبي طالب، وهذا يدل على تغلغل المعتقد الديني في نفوسهم وهو مما تعلموه من أبيهم عبد المطلب. ومن ثم فإن إحتمال كون أبي لهب من تلك السلالة لهو إحتمال ضعيف، وسيثبت البحث التاريخي الجاد فساد تلك النسبة يوما ما.

(3) زوجة أبي لهب من بني أميه وهذه النسبة لها دلالة كبرى:

– عداء بني أمية التاريخي لبني هاشم قبل وبعد الإسلام:

عبد شمس قد أضرمت لبني هاشم حرباً يشيب فيها الوليد

فابن حرب للمصطفى، وابن هند لعليّ وللحسين يزيد

– يصعب على المرء التصديق بأن يتزوج هاشمي بامرأة من بني أمية في تلك الأجواء الملتهبة ولم يكن سهلا الخروج على تقاليد القبيلة في ذلك العصر القبلي.

– إنتماء أم جميل لبني أمية يحمل دلالة على أن أبا لهب لم يكن هاشميا وإنما كان أمويا وأن الذي ألحقه ـ زورا ـ ببني هاشم هم ساسة بني أميه كنوع من تبرئة ساحتهم من إيواء ذلك العضو بينهم وإلقاء مغبته وصنيعته على بني هاشم تشويها لصورتهم.

الخلاصة:
تدل القراءة التاريخية الأولية على أن أبا لهب وامرأته أم جميل وولداه عتبة ومعتب كانوا من بني أمية ولم يكونوا من بني هاشم ومن ثم لم يكن أبو لهب عما لرسول الله أبدا، وإنما نسبته سياسة بني أمية زورا وبهتانا لبني هاشم لتشويه صورتهم وتلطيخ سمعتهم.

قراءة في سورة المسد

أولا: ما يرويه الأخباريون بشأن سبب النزول

لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فنزلت { تبت يدا أبي لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب } (البخاري)

ثانيا: ما يرويه القرآن

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) (المسد : 1 – 5)

[1] (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)

مادة (تبب) وردت في القرآن في أربعة مواضع: موضعان في سورة المسد وموضع في سورة غافر هو قوله تعالى:

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ) (غافر : 36 – 37)

وموضع في سورة هود هو قوله تعالى:

(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (هود : 101)

أصل هذه الكلمة هو الإنقطاع أي الهلاك والتدمير وأن يصبح الشيئ أثرا بعد عين، ودلالة هذه الكلمة إذا هي موت وهلاك الأشخاص المعنيين بها.

من هما يدا أبي لهب؟

اليد في لسان القرآن تعني القدرة أو وسيلة القدرة ولذلك قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف : 14)

أي أعناهم وأقدرناهم على عدوهم.

فيدا أبي لهب ليس المقصود بهما إذا ذراعيه وإنما شيئ آخر، والدليل على ذلك هو قوله تعالى (وَتَبَّ) أي وهلك هو، وإلا لكان هناك تكرار بين (يداه) و (هو) والتكرار هنا ليس بليغا، فلزم أن يكون المقصود بـ (يداه) شيئ آخر غيره.

إن عدو الله أبا لهب كان يتستعين بولديه عتبه ومعتب في حربه على الإسلام، فولداه إذا هما يدا أبي لهب، ومن ثم يكون معنى الآية هو:

هلك ولدا أبي لهب وهلك أبو لهب أي ماتوا.

يفهم من هذا أنه في اللحظة التي نزلت فيها السورة الكريمة لم يكن أحد من أسرة أبي لهب أحياء.

[2] (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)

لنلاحظ زمن الأفعال الموجودة بالسورة حتى الآن:

تبت يدا أبي لهب

– وتب

– ما أغنى عنه ماله

– وما كسب

جميعها أفعال ماضية للدلالة على وقوع الحدث وإنقضاؤه فعلا. إن هذه السورة لم تكن ترسم طريقا للفكر الجبري الذي يزعم بأن الله قدر الكفر على آل أبي لهب منذ الأزل وإنما تخبر السورة عن حال بعض الهلكى الذين قدروا على الإيمان مثلما قدروا على الكفر إلا أنهم إختاروا الكفر بإرادتهم الحرة وماتوا على الكفر فحق عليهم الوعيد بالعذاب الأبدي في الآخرة.

[3] (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)

الجزاء من جنس العمل، إختار أبو لهب الكفر وهو يعلم عاقبة الكافرين، فحق عليه الوعيد السابق.

[4] (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)

إن امرأته أروى بنت حرب الأموية كانت من نساء قريش الغير معوزات، فلم تحمل إذا أعواد الخشب على ظهرها، ولكنها كانت كنافخ الكير تشعل نار الحرب والإنتقام، نار الغرور والغطرسة، نار الحقد الأسود والغل الأعمى لتوجه كل ذلك ضد الإسلام ونبيه والمسلمين فحق عليها الوعيد التالي:

[5] (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)

لأن الجزاء من جنس العمل كما ذكرت.

ثالثا: ملاحظات مقارنة بين روايتي الأثر والقرآن

من الواضح أن تلك الرواية الأثرية إمتداد لمسلسل التدليس والبهتان الأموي وذلك لعدة أسباب:

(1) يقول الأثر (صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو …) والسؤال الآن هو: لماذا لم يروي تلك الواقعة التي شهدها الجمع الغفير سوى راوي واحد فقط هو ابن عباس؟

(2) بدأت الدعوة العلنية قبل الهجرة بـ 10 سنوات، وولد ابن عباس قبل الهجرة بـ 3 سنوات أي كان عمره إبان تلك الواقعة هو 7 سنوات وهذا يورث الشك في صحة الرواية.

(3) الرواية الأثرية تخالف ظاهر ألفاظ القرآن، فالقرآن يتحدث عن تباب آل أبي لهب أي موتهم بينما تزعم الرواية حياتهم عند نزول السورة.

(4) حينما جمع رسول الله الناس هل رفض أبو لهب وحده الرسالة أم رفضها معه آخرون؟ إن رفضها معه آخرون فلماذا اختص القرآن أبا لهب وحده بالذكر؟

تفاعلات فكرية ونقاشات

تعليقا على فقرة بسيطة تكلمت عن الجبرية فيها واعتقادهم بأن الله يمكن أن يجبر الناس على الكفر…

كيف يجبرهم على الكفر ثم يحاسبهم ويعذبهم عليه؟ وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يحاسب الله الإنسان الأسود على سواده أو القصير على قصره أو الأعرج على عرجه؟

وإذا كان الله تعالى يقول:

(لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (الفتح : 17)

فهل قال كذلك:

(ليس على الكافر حرج ولا على الفاسق حرج ولا على الظالم حرج)

أم لم يقل؟ ولماذا إذا؟

ولكن فى حالات خاصة جدا كحالة أبى لهب أو حالة فرعون…

هل كان أبو لهب وغيره من الكفار قادرين على الإيمان أم لا؟

– إن كانوا قادرين على فقد بطل قول الجبرية

– وإن كانوا عاجزين عن الإيمان فكيف يعذبهم؟

واليك بعض الآيات التى أستدل عليها لتساند هذا الرأى …

هل هذه الآيات من المحكم أم من المتشابه ـ مصدر الشبهات ـ الواجب رده إلى أصله؟

ومع ذلك خذ تأويلها:

{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }الأعراف100

يصيبهم ويطبع على قلوبهم بماذا؟ بذنوبهم أم بحسناتهم؟

الإجابة: (بِذُنُوبِهِمْ)

{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ }التوبة77

أعقبهم نفاقا بماذا؟

الإجابة: (بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ )

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ }يونس88

دعاء موسى (رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ …) هل هو خبر عن الله أم حكاية عن موسى؟ ثم لماذا دعا عليهم؟ لكفرهم أم لإيمانهم؟

اقرأ قول الله تعالى:

(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص : 4)

لتتبين لماذا دعا عليهم.

{أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }النحل108

على من يعود قوله تعالى (أولئك)؟ اقرأ ما سبقها من آيات لتتبين:

(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ. مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل : 104 – 107)

هل قال (لا يهدي القوم المؤمنين) أم قال (لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)؟

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57

جعل الأكنة على قلوب من؟

الإجابة: (مَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }الصف5

انتبه للجملة الشرطية (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) فممن جاء فعل الشرط وممن جاء الجواب؟

وقوله تعالى (اللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) صحيح أم يجب أن يكون هكذا (الله لا يهدي القوم المؤمنين)؟

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ }المنافقون3

طبع على قلوبهم سببا أم نتيجة؟

الإجابة: (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)

فأين الجبر المزعوم في الآيات الكريمة السابقة أو في غيرها؟

أنا لم أقصد ان الله أجبرهم على الكفر من البداية ولكن قلت أنه فى حالات خاصة جدا مثل فرعون وأمثاله من الطغاة الذين عتو فى الأرض وأكثروا فيها الفساد وظلم الآخرين يطمس الله على قلوبهم فى النهاية وجأتك بالآيات التى تبين ذلك وتستدل منها تلقائى ماقصدته أنه بسبب عملهم يمكن أن يطبع الله على قلوبهم فعلا….

طبع الله على قلوب الذين يعملون السيئات معناه منع لطفه وتوفيقه ومعونتهم عنهم ولكنه لا يمنعهم من الإيمان فقد يذنب المرء ويتمادى في غيه وضلاله فيمنعه الله لطفه ولكن ما ان يتوب المرء توبة نصوحا فإن الله يمده بالعون واللطف مرة أخرى.

إذا كان الطبع على قلوبهم معناه عدم الإيمان فلا معنى إذا لقوله تعالى:

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء : 155)

فما لزوم الإستثناء هنا؟

لن يكون عدلا أن يتجبر انسان ويقتل ماشاء له أن يقتل من البشر وكأنهم اغنام ثم يتوب فتقبل توبته وكأنه لم يرتكب شئ

هذا الكلام يخالف العقل ويخالف القرآن ويخالف الرسول:

– فأما عن مخالفته للعقل لأن العقل يحكم بحسن الطاعة وقبح المعصية والتوبة طاعة فتحسن فكيف لا يقبل الله الشيئ الحسن؟

– وأما عن مخالفته للقرآن فإن الله تعالى يقول:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر : 53)

ويقول:

(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى : 25)

– وأما عن مخالفته للرسول فقد روي عن رسول الله أنه قال:

(إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر) (حسن / الألباني)

لو أن لو أن الله لايهدى القوم الكافرين ماوجدنا مؤمن لأنه فى الأصل كل مؤمن كان كافر

في الأصل هو أن الله هدانا الطريقين أي بين لنا الطريقين ثم أمرنا بطريق منهما وهو الإيمان ونهانا ـ تحذيرا وتخييرا ـ عن الآخر وهو الكفر لذلك يقول تعالى:

(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد : 10)

ويقول:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس : 7 – 8]

هذه الواقعة ممكنة الحدوث لأن حماية الأهل و العشيرة من عادات و عرف قريش, فلا يستغرب أن يحمي أبو لهب محمد (ص) و هو على ليس على دينه…

هذا الكلام على الرأي الذي يقول بأن أبا لهب كان عما لرسول الله أما الذي أميل إليه فهو أموية أبي لهب زوج أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب بن أمية.

في اللسان العربي يمكن أن يكون الفعل بلفظ الماضي و هو حاضر أو مستقبل. الأمثلة في القران عديدة منها: ” أتى أمر الله”, “كنت خير أمة أخرجت للناس”…

هذا رأي وله اعتباره ولكني مع رأي آخر يرى أن الماضي ماضي والحاضر حاضر وهكذا أما الأمثلة فيمكن تأويلها: أمر الله لا يدل ضرورة على القيامة، وهو إن دل عليها فلا يلزم منه أن تأتي بنفسها بل يكفي ذكرها وخبرها مثل “هل أتاك حديث الغاشية” أي خبرها. وأما أن المسلمين خير أمة أخرجت للناس فالإسلام لا يقتصر على أمة محمد بل إمتداد لأمة الإسلام في كل زمان ماض مضى. وأما ما يجري على الألسن من ألفاظ عامية متداولة فلا يصح الإحتجاج به بحال.

علاوة على ذلك فإن السياق الماضي في الآية التي تلتها كما تفضلت بالإشارة يدل على الزمن الماضي يقينا ومن ثم يقوي هذا السياق الرأي الذي يرى أن فعل (ت ب ب) هو فعل ماض حدث وانتهى.


عود على بدء للتدبر في قول الله تعالى
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) (المسد : 1 – 5)

أولا: مقدمة منهجية
أنطلق في تدبري هذا من قول الله تعالى، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(وَلَقَدْيَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر : 17)

وقوله تعالى:

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد : 24)

وأستعين في ذلك التدبر بأدوات البحث المنهجي التي قدمتها في بحث سابق حول منهج فهم لسان القرآن، ومن ثم لا أستعين بأي مرويات سواء وردت في كتب الحديث أو كتب التاريخ اللهم إلا استئناسا، ولا أستعين كذلك بأي مرويات عن أي شيخ من أئمة هذا التيار أو ذاك، فلا أستعين سوى بالنص القرآني، ذلك النص الذي وصفه البارئ جل وعلا بأنه عربي مبين.

ثانيا: في ظلال الآيات
المنطلق الأساسي الذي أنطلق منه في هذا التدبر ليس هو البحث في كون المقصود بقوله تعالى (يداه) هو أبو لهب نفسه أم ابناه، فهذه قضية فرعية، ولكن المنطلق الرئيسي هو التساؤلات التالية:
– اذا كان موت أبي لهب على الكفر معلوم أزلا فكيف يجهد الله رسوله الكريم في الدعوة لشخص محتم كفره؟
– ولماذا لم يرحمه الله من الخلود في النار بأن لا يخلقه من الأساس؟
– وهل هناك حقا علم أزلي؟
– ولماذا لم يذكر القرآن عن ذلك العلم الأزلي شيئا؟
وغير ذلك من التساؤلات العقلية التي تدفعنا للتدبر في الآيات الكريمات للوصول إلى إجابات نطمئن إليها، فكانت من نتيجة ذلك التدبر دلالتان: دلالة المعنى ودلالة الزمن.

ثالثا: دلالة المعنى
أي المعنى الجيني لقوله تعالى (ت / ب / ب) سواء أتب هو أم تبت يداه. هذا المعنى الجيني الذي نبحث وجدناه في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى:

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ) (غافر : 36 – 37)

فعلمنا أن المقصود هو الضياع أو الذهاب أو الهلاك وكلها تعود لأصل جيني واحد هو الإنقطاع أي أن المفهوم من هذه المادة (ت / ب / ب) هو انقطاع الشيئ بالهلاك.

رابعا: دلالة الزمن
كل فعل في لسان القرآن له زمن محدد، والفعل الدال على زمن ما لا يدل أبدا على زمن آخر إلا بوجود قرينة قاطعة كوصف أحداث القيامة بالزمن الماضي فنعلم أن المقصود حقا هو المستقبل لا الماضي لوجود قرينة قاطعة هي عدم قيام الساعة بعد. في حالة عدم وجود قرينة في السياق فإن الفعل يدل على زمنه الأصلي. لنستصحب هذا الأمر ثم لنقرأ الآيات بلاحظ الزمن الخاص بأفعالها:

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) (المسد : 1 – 5)

هذه السورة الكريمة تحتوي إجمالا على خمسة أفعال، أربعة منها تدل على الزمن الماضي هي (تبت) / (تب) / (أغنى) / (كسب)، وواحد فقط يدل على الزمن الآتي لإلتصاقه بالسين الدالة على الإستقبال هو (سيصلى). إذن الزمن الغالب على هذه السورة الكريمة هو الزمن الماضي، والسياق القرآني يخلو من أي قرينة تصرف الزمن الماضي إلى المستقبل، فينتج عن ذلك العلم بوقوع تباب أبي لهب أي هلاكه من ثم انقطاعه في زمن سابق على نزول السورة الكريمة.

الخلاصة
من كان أبو لهب؟ عم الرسول أم لا؟ هاشمي أم لا؟ قرشي أم لا؟ فكلها أمور لا تهمنا أساسا، ولكن المهم هو أننا إزاء شخصية ما هلكت على الكفر فنزل البلاغ المبين بخلودها في النار ليكون ذلك البلاغ عبرة وعظة للغير. فلا علاقة إذن بين هذه الآية الكريمة ـ بطرحها القرآني ـ وبين الفهم السقيم للمجبرة، ذلك الفهم الناشئ عن هجر البلاغ المبين إلى أساطير سطرها الأولون وجعلوها دينا بعد أن صبوا على الكتاب الحكيم ركام الإهمال والهجر والنسيان.

أكتفي بهذا القدر والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:56 ص  3 تعليقات  

مفهوم “اسمه أحمد” في القرآن

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد اسمه (محمد) في الكتاب المبين في أربعة مواضع هي:

[1] (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران : 144)

[2] (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب : 40)

[3] (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد : 2)

[4] (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح : 29)

وقد ورد باسم (أحمد) في موضع خامس وهو:

[5] (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

فهل كان لرسول الله حقا أكثر من اسم؟ لقد روى البخاري وغيره الحديث التالي ـ واللفظ للبخاري ـ للاستدلال على أن رسول الله كان له أكثر من اسم.

أخرج البخاري في صحيحه من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لي خمسة أسماء :

[1] أنا محمد ،

[2] وأحمد ،

[3] وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر،

[4] وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي،

[5] وأنا العاقب.

والذي يعنينا في هذا البحث هو اسم (أحمد) والسؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا لم يقل المسيح عليه السلام (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه محمد)؟ أوليس اسم (محمد) أكثر شيوعا بكثير من اسم (أحمد)؟ اذا فلماذا سماه أحمد ولم يسمه محمد؟ الاجابة على هذا السؤال سوف تستند الآن على مستند التشريح الاشتقاقي اللغوي أو ما أسميه بالجينات اللغوية. لنقرأ معا قول الله تعالى:

(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) (مريم : 7)

وقول الله تعالى:

(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم : 65)

ان مفتاح فهم السؤال محل البحث يكمن في الفهم الأمثل للفظ (سميا) فماذا يعني هذا اللفظ؟

السين والميم والألف تحمل صبغة معنوية محددة ألا وهي: الصفه أي الشبه والمثل، ولذلك يبشر الله زكريا عليه السلام بأن يحيى عليه السلام

(لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)

أي شبيها ولا مثيلا، فهو جد متفرد في صفاته.

والله يخبرنا عن نفسه

(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا

أي شبيها أو نظيرا أو مثيلا أو مشاركا له في صفاته وهكذا اجتماع السين والميم والالف ـ والتي تقلب ياء ـ لا تعني شيئا غير الصفة والنعت ولذا فاننا نقول: فلان حسن السمت أي ذا خلقة حسنه ومنه قوله تعالى المتقدم:

(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) أي وصفهم.

عود على بدء:

لقد بشر المسيح عليه السلام اذا بصفة النبي الخاتم ولم يذكر اسم العلم الدال عليه ولذلك قال:

(اسْمُهُ أَحْمَدُ)

أي صفته ونعته وخلقه أنه أحمد فماذا تعني كلمة أحمد؟

أحمد هو أفعل التفضيل من الفعل الثلاثي المجرد (حمد)، نقول: حمد يحمد حمدا فهو حامد. لفظ (حامد) على وزن (فاعل) هو صفة اسم فاعلها يسمى (الحامد) واسم مفعولها يسمى (محمود) ومصدر الفعل الثلاثي هو (حمد) بسكون الميم. فاذا كان (حامد) صفة فان (أحمد) هو أفعل التفضيل ومعناه أكثر حمدا.

وكما ذكر محمد صلى الله عليه بنعته أحمد، ذكر أتباعه كذلك بنعوتهم، ولذلك قال الله تعالى:

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح : 29)

ما أخلص اليه اذا هو أن كلمة (أحمد) ليست اسم علم لخاتم الأنبياء، وانما هي صفته ومثله ونعته وسمته، اما اسم العلم الخاص به فهو اسم واحد فقط وهو (محمد) صلى الله عليه وسلم

ومنتهى القول فيه أنه بشر ***** وأنه خير خلق الله كلهم

مداخلات ونقاشات

[1]

عبارة (اسمه أحمد) ـ عندي ـ أي (صفته أحمد) وعند الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله (اسمه أحمد) فالاتفاق بيننا في كون كلمة (أحمد) ليست اسم علم ولكن (أفعل التفضيل) والخلاف فقط في كلمه (اسمه)، فبينما يجعل الشيخ ابن عاشور متعلق التفضيل في الاسم أجعله أنا في الوصف، ويبدو لي أن هذا أبلغ أن تكون الصفة هي متعلق التفضيل وليس مجرد الاسم.

[2]

ما معنى قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها)؟ وهل حقا الاسم يسبق الصفة؟ هل علمهم الله أسماء أشياء لا وجود لها أم علمهم أسماء أشياء موجودة بذواتها وصفاتها؟ ثم ما معنى كلمة (الأسماء) في الآية الشريفة؟ أرجو من الاخوة التدبر في الأمر جيدا. تأملوا معي قولهم (الكتاب جميل) وأخبروني عن كلمة (جميل) هل هي صفة؟ كلمة (جميل) هنا هي (خبر) والخبر هو اسم مرفوع مسند الى المبتدأ (الكتاب). ثم تأملوا قولهم (قرأت كتابا نافعا) وأخبروني عن كلمة (نافعا) هل هي صفة؟ كلمة (نافعا) هنا هي بالفعل (صفة) لـ (كتابا) ولكن ما هي الصفة؟ هل هي اسم أم فعل أم حرف؟ الاسم هو اللفظ الدال على معنى قائم الزمن ليس جزءا منه، وبذلك تخرج الـ (صفة) عن كونها فعل وحرف. فالصفات في نهاية الأمر (أسماء) وتعليم الأسماء فيه دلالتان: الأولى أن مسميات هذه الأسماء موجودة ـ عينا أو معنى ـ بذواتها وصفاتها، الثانية أن الأسماء تحوي (الصفات) في طياتها أو أن الأسماء جزء من الصفات.

بعد هذه المقدمة السريعة دعونا نعود للموضوع المطروح.

[3]

اسمه أحمد

الاسم، السمة، الوسم كلمات لها نفس الجذر ألا وهو (ا، س، م) وتقلب الألف واو ابدالا واعلالا. اذا المعنى (الجيني) واحد ولو اختلفت (مباني) الكلمات، وهذا المعنى هو: وسم الشيئ أي نعته بسمته. و الـ (اسم) ليس في حقيقة الأمر سوى (وسم) للشيئ ـ حيا كان أو ميتا ـ فلا يخرج عن جملة النعوت. اذا استصحبنا هذا المعنى نجد أن التركيب (اسمه أحمد) ليس في حقيقة الأمر الا أنه (وسمه أحمد) بمعنى (سمته أحمد) أي (صفته أحمد). الرسول الكريم عيسى بن مريم يبشر اذا برسول خاتم باعتبار (الوسم) لا (الرسم) أي باعتار الصفة الأصيلة فيه كونه (أحمد) الناس وليس باعتبار اللفظ الذي يميزه عن غيره (اسم العلم). نبينا ماكان اسمه العلمي أحمد وانما محمد ـ على الله عليه وسلم ـ أما وسمه وسمته ونعته ووصفه فهو (أحمد). بنفس المنطق نفهم قوله تعالى (ان هي الا أسماء) اذ المقصود ليس هو (اسم العلم) وانما (الصفات) التي خلعوها على (آلهتم) من أنها تقرب الى الله زلفى أو تستحق العبادة وما شاكل ذلك.

هل محمد خاتم الانبياء ورسول الله أحمد المخلوقات لله؟

اللفظ المشتق من الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حمد) – مضارعه (يحمد) – الدال على التفضيل هو (حامد) مع ملاحظة أنها نفسها صيغة اسم الفاعل. أما اللفظ الدال على أفعل التفضيل comparative فهو (أحمد). واللفظ الدال على الأفضلية superlative هو (الأحمد). نقول مثلا: عمرو حامد لربه ولكن زيدا أحمد لربه من عمرو أما فلان فهو الأحمد لربه. الملاحظ أن القرآن وصف النبي الخاتم محمد صلى الله عليه ـ في هذا الموضع ـ بأفعل التفضيل (أحمد) وليس بالأفضلية (الأحمد) ومن ثم يبقى السؤال أعلاه مطروحا: هل كان كذلك هو الأحمد من بين كافة مخلوقات الله؟

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:45 ص  Comments (1)  

المُجَلَّى في الكشف عمَّنْ عبس وتولَّى

 

تدبر في قول الله تعالى
(عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.
وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) (عبس : 1 – 10)

أولا: أقوال المفسرين حول مناسبة النزول

زعم المفسرون ـ وادعى الشوكاني إجماعهم ـ أن المُخَاطَبَ في تلك الآيات هو نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ـ إضافة لمزاعمهم حول محاولته الإنتحار لما فتر عنه الوحي وسحره وشهوته التي جعلته يقطع مجلس العلم ليقضي وطره مع امرأته ثم يغتسل ثم يخرج لمواصلة مجلس العلم ـ وليس إنسانا غيره. فيما يلي أقدم لكم غيضا من فيض افتراءات المفسرين على الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول الطبري في تفسيره
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { عَبَسَ وَتَوَّلى أنْ جاءَهُ الأعْمَى } قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عُتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيراً، ويَعرِض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى، يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرىء النبيّ صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، عَلِّمني مما علَّمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعَبَس في وجهه وتوّلى، وكرِه كلامه، وأقبل على الآخرين فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَق برأسه، ثم أنزل الله: { عَبَسَ وَتَولَّى أنْ جاءَهُ الأعْمَى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذّكْرَى } ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلَّمه، وقال له: ” ما حاجَتُك، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ ” وإذا ذهب من عنده قال له: ” » هَلْ لَكَ حاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟« ” وذلك لما أنزل الله:
{ أمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فأنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ ألاَّ يَزَّكَّى }

يقول ابن كثير في تفسيره
ذكر غير واحد من المفسرين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه، إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لوكف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعاً ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم، وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى: { عَبَسَ وَتَوَلَّى … }

يقول الشوكاني في تفسيره
وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية: أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أمّ مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله.

يقول الزمخشري في تفسيره
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أمّ مكتوم – وأمّ مكتوم أمّ أبيه، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك ابن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي -وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام. والعباس ابن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم – فقال: يا رسول اللَّه، أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين؛ وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء

ثانيا: تدبر استبياني للآيات

إذا أعرضنا عن الإدعاءات السابقة وحاولنا تجلية الموقف من خلال تشريح كلمات القرآن نفسه لرسم “صورة” لشخصية المعني بتلك الآيات لوجدنا نتيجة أخرى مخالفة تماما للصورة التي نشرها المفسرون. إن المنهج الحقيقي يكمن في ضرورة استجلاء القرآن بالقرآن. للنتقل إذا للآيات الكريمات لتدبرها ولتعقلها كما أمر رب العزة سبحانه.

[1] (عَبَسَ وَتَوَلَّى)
أول ما نلاحظه هنا هو بدء السورة الكريمة بذكر “العبوس” و “التولي” الذين يعبران عن نوع من أنواع الفظاظة وهي الفظاظة الصامتة وغلظة في القلب فهل كان رسول الله فظا؟ لندع الإجابة للقرآن الكريم ذاته:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ…) (آل عمران : 159)

تتحدث الآية بوضوح عن رحمة للرسول من الله تعالى ولين ووداعة في نبي الهدى ونفي للغلظة والفظاظة. الأمر الثاني الذي نلاحظه هو أن الآية بدأت بضمير “الغائب” وليس بضمير “المخاطب” مما يدل بوضوح أن رسول الله ليس هو المخاطب بالآيات. حينما يخاطب الله تعالى رسوله الكريم فإنه يقول مثلا:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ…) (المائدة : 41)

وحينما يريد أن “يعاتبه” على سلوك ما صدر عنه فإنه يقول مثلا:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ…) (التحريم : 1)

فإسلوب النداء بـ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) أو ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) فيه خطاب مباشر لمحمد صلوات الله عليه. أما في آيات “عبس” فالرسول غير مخاطب ولا ذكر له والكلام يدور عن شخص غائب سيلتفت له السياق لاحقا.

[2] (أَن جَاءهُ الْأَعْمَى)
هل لفظ “الأعمى” هنا يدل على فقدان البصر؟ وهل تذكير فاقد البصر بعاهته وجرح إحساسه بصورة علنية عمل حسن؟ وهل إذا خاطب إنسان شخصا مكفوف البصر قائلا: يا أعمى عمل مستحسن؟ لست مكفوف البصر حتى أنقل لكم شعور المكفوف وإعتصار قلبه ألما حينما يناديه أحد بعاهته وارجعوا إلى فاقدي البصر لسؤالهم في هذا. إن لفظ “العمى” يدل في القرآن على “الخفاء” و “الستر” ومن ثم يتسع المفهوم ليشمل كل ما سُتر عن شيئ ففاقد البصر مستور عنه إبصار الأشياء فهو لذلك أعمى وفاقد البصيرة مستور عنه إدراك المعاني كمعنى الهدى فهو كذلك أعمى ولذلك يقول الله تعالى:

(وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) (النمل : 81)

فليس المقصود بـ “العمي” هنا فاقدي البصر لأن فقدان البصر لا يحول بين المرء والإيمان ولكن المقصود هم فاقدو البصيرة الذين تحول ضلالاتهم بينهم وبين الهدى. إذا إستصحبنا ذلك المعنى وعدنا للآية محل البحث لوجدنا أن كلمة “الأعمى” تعبر عن درجة أعلى في العمى أي هناك “عُمْياناً” يتكلم معهم المخاطب بالآيات فانشغل بهم عن “الأعمى” أي الأبعد عن الإيمان ومن ثم الأحوج للدعوة. إن الآية الشريفة ترتب للداعي إلى الله سلم “أولوياته” بأن يبدأ مع الأكثر حاجة والأَمَسِّ للدعوة. إن الأعمى هنا ليس شخصا فاقدا لنور البصر ولكنه كان فاقدا لنور البصيرة فأبصر فسعى لضياء الهداية سعيا حثيثا وهو متلهف للإيمان.

[4 – 3] (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى)
الإنسان يجب عليه أن يأخذ بالأسباب ويسعى للدعوة مع كل البشر. الآيات بدأت هنا في الإلتفات إلى ذلك “الغائب” الذي عبس [ هو ] وتولى [ هو ] وجاءه [ هو ] الأعمى. بدأ السياق يلتفت إليه، إلى ذلك العابس المنشغل عن الأهم باللوم مرتبا فقه الأولويات وموجها النظر إلى إستبيان “الدوافع” المحتمله: (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) أو (يَذَّكَّرُ) …

[7 – 5] (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى)
توحي الآية بأن ذلك المخاطب على علم تام بإستغناء وإعراض ذلك الفرد الذي كان مشغولا به متصديا له. يستمر السياق في ترتيب فقه الولويات: هناك “أعمى” على علم بالإسلام ولكنه معتقد أنه مستغن عنه وهناك “الأعمى” – superlative – المتولد عماه من الجهل بالإسلام والمتوق لمعرفة المزيد عنه فكان حريا بالداعية الحصيف الإهتمام بهذا عن ذاك وليس العكس.

[10 – 8] (وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى)
هل من الممكن أن يتلهى الرسول المكلف برسالة عن تلك الرسالة؟ بالطبع لا لأن الرسول حريص على أداء الرسالة وعلى إيمان الناس ولذلك يقول الله تعالى:

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة : 128)

فالحرص على الشيئ يقابل التلهي عنه. الله تعالى وصف رسوله الكريم بأن “حريص” بينما وصف المخاطب بالآيات بأنه “يتلهى” عن الدعوة ومن ثم تقدم لنا تلك المقابلة دليلا إضافيا على براءة الرسول ـ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ـ مما نسبوه إليه.

ثالثا: من هو الذي عبس وتولى؟

القراءة التدبرية الإستبيانية لألفاظ الآيات محل البحث والملامح القرآنية لشخصية النبي تدل على أن “المخاطب” هنا ليس رسول الله، فالمخاطب هنا “عبس” و “تولى” و “تلهى” عن الدعوة للأكثر حاجة للدعوة و “تصدى” للمستغني. أما ملامح شخصية الرسول فقد أوضحها القرآن كذلك فهو “لين” و “رقيق” و “حريص” و “رؤوف” و “رحيم”. ولذلك إنتبه فضلاء المفسرين لهذا الفارق الإمام أبي الفضل الطبرسي والإمام الشريف المرتضى من قبله وغيرهما. يقول الطبرسي في تفسيره نقلا عن الشريف المرتضى: (ليس في ظاهر الآية دلالة على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هو خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه وفيها ما يدل على أن المعني بها غيره لأن العبوس ليس من صفات النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعداء المباينين فضلاً عن المؤمنين المسترشدين ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة ويؤيد هذا القول قوله سبحانه في وصفه صلى الله عليه وسلم
{ وإنك لعلى خلق عظيم }
[القلم: 4] وقوله
{ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }
[آل عمران: 159] فالظاهر أن قوله { عبس وتولى } المراد به غيره).

تحليل السياق القرآني و ربط الآيات ببعضها و فهم فضلاء الأمة لحقيقة الرسالة والدعوة تدل على أن المعنى هو شخص آخر متصدي للدعوة وفي هذا السياق يروي الطبرسي الرواية التالية عن الإمام جعفر الصادق رحمه الله: (وقد روي عن الصادق أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه).

سواء صحت الرواية أم لا ـ وإن كنت لا أميل لصحتها ـ فهي قريبة من الحقيقة: هناك رجال تعلموا على يد سول الله صلى الله عليه سواء في دار الأرقم بن أبي الأرقم أو في غيرها، وكان رسول الله يرسلهم لبث الدعوة سرا أو علنا بين الناس. وكان هناك أناس يتعلمون بالمثل على أيديهم فلعل واحدا من هؤلاء أو أولئك كان منشغلا في دعوة أحد “العمي” من المعروفين بإعراضهم فصادف أن جاءه “الأعمى” من ذاك فعرض عنه ذلك الداعية وعبس في وجهه. من هو ذلك الداعية بالتحديد؟ من هو ذلك العمي؟ من هو ذلك الأعمى؟ أسئلة ربما لا تهمنا ولكن يهمنا بالتأكيد هو أنه لا علاقة لهذه الآيات برسول الله من قريب ولا من بعيد فلا إسم الرسول “محمد” مذكور في السياق ولا لقبه “رسول / نبي” مذكور ولا “صفاته” التي نعرفها من صفات “الخلق العظيم” مذكورة. أما ما قاله المفسرون في هذا الصدد من أقوال فهي تخالف القرآن وتضاد سنة رسول الرحمن ومن ثم فهي مرفوضة.
أكتفي بهذا القدر والسلام


رابعا: محاورات

ضمائر المخاطب فى السورة فهى للنبى عليه السلام وليس هناك تعارض ولاتناقض فى دلالات السورة فالعبوس والتولى هو لصاحب الاستغناء وهو ماكان النبى يتصدى له بالدعوة وحريص عليه ان يؤمن فخفف الله عنه بقوله (وما عليك الا يزكى) واما التلهى فكان من النبى عليه السلام بدلالة الانشغال بالدعوة وحرصه بالبلاغ فجاءت الايات توعية وتوجيه وتخفيف على الرسول وان ماعليه سوى الذكرى.

تعليقك الكريم فتح شهيتي للنقاش الموضوعي والذي أستهله بسؤال إلى حضرتك آمل الإجابة عليه وهو:

كم عدد الأفراد هنا؟ ثلاثة هم “النبي” و “المدعو” و “الأعمى”؟ أم أن “المدعي” و “الأعمى” شخص واحد ومن ثم يكون عدد الأفراد هو اثنين؟

بالنسبة الى عدد الافراد فهم ثلاثة

إذا عندنا ثلاثة أفراد. إذن نحن متفقان في هذه النقطة والمتعلقة بالعدد فلننتقل لذلك إلى النقطة التي تليها وهي “متعلقات الضمائر” الآتية: عَبَسَ / تَوَلَّى / جَاءهُ / يُدْرِيكَ / لَعَلَّهُ. سؤالي التالي مكون من خمسة أسئلة فرعية الإجابة عن كل سؤال منهم تكون بكلمة واحدة من الكلمات الآتية (النبي / المدعو / الأعمى) فهل تسمح بتوزيع تلك الكلمات على الضمائر الآتية:

(1) ضمير الفاعل المستتر في كلمة “عبس”

(2) ضمير الفاعل المستتر في كلمة “تولى”

(3) ضمير المفعول المتصل أي الهاء في كلمه “جاءه”

(4) ضمير المفعول المتصل أي كاف الخطاب في كلمة “يدريك”

(5) ضمير اسم لعل المتصل / الهاء في كلمة “لعله”.

أكتفي بهذه الضمائر الخمسة وفي إنتظار إجابتكم الكريمة لننتقل بعدها للخطوة الثالثة والأخيرة.

اعتقادنا في النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو معصوم عصمة مطلقة عن كل الذنوب؟

الرسول ليس معصوما عصمة تكوينية والعصمة في رأيي أنها “موهبة” خاصة تمكن الرسول من أداء رسالته وهو قادر على ترك البلاغ ولذلك يقول الحق سبحانه
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر : 65).
السؤال هنا ليس هل الرسول معصوم أم لا إذ الرسول ـ عندي ـ غير معصوم لا تكوينيا ولا تكليفيا و لكن السؤال هنا هو: أين ذكر الرسول في تلك الآيات من الأساس؟

إن كان لا فلا مشكلة مع التفسير المتداول، فهو خطأ بسيط وقع منه عليه السلام يُثبت فيه بشريته ولا يخرجه عن دائرة الخلق الحسن، ولا يقذف به إلى دائرة الكبائر.

مبدأيا أتفق معك وبهذا فهمنا قول الله تعالى
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التحريم : 1)
إنطلاقا من مبدأ “عدم” العصمة التكوينية. لكن فيما يتعلق بالآيات محل البحث لم أجد خطابا صريحا موجها للنبي الأكرم. لو وجدته لقبلته ولكن كيف يمكنني قبول شيئ إستنادا على نص غير قرآني يأتي من هنا أو هناك؟

الملاحظة الثانية تتعلق في الرأي بالـ”تشنيع” بوصف ابن مكتوم بالأعمى، بينما يمكن أن نرى هذا الوصف ذا أبعاد أخرى حيث أنه لما كان صاحب ضَرارة فهو أجدر بالعناية به، لأن مثله يكون سريعاً إلى انكسار خاطره.

تتبعت مفردة “ع / م / ي” خلال القرآن فوجدتها وردت في 32 موضع جميعها يعود لأصل واحد هو “الخفاء”: إن إختفى المحسوس المادي عن الإدراك بالبصر سمي صاحبه “أعمى” وإن إختفى المحسوس المعنوي ـ كالإيمان مثلا ـ عن الإدراك بالبصيره سمي صاحبه كذلك أعمى ومن هذا النوع قوله تعالى
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى…) (فصلت : 17).
وحيث أن الإحتمالي مطروحان يحتاج الفصل بينها لمرجح عقلي أو لفظي، هذا المرجح ـ في تصوري ـ يرجح كفة عمى البصيرة على عمى البصر لأن المقام مقام هداية ودعوة فيكون التعبير عن فقدان الهدى بالعمى المعنوى أليق.

ثم إن الصيغة جاءت معرفة لتدل على تعيين شخص دون غيره، وإلا فكيف يمكن أن يعيِنه الله دون غيره؟

هذا بإعتبار أن كلمة “أعمى” إسما فيكون التعريف باللام للتخصيص أي لتحديد شخص مخصوص بعينه. كلمة “أعمى” عندي ليست إسما ولكنها “نعت” لذلك الشخص وكما نقول مثلا “بعيد” و “أبعد” و “الأبعد” نقول كذلك “عمِيّ” و “أعمى” و “الأعمى”. الأعمى هنا ليس معناها الأكثر ضلالا ولكن معناها الأكثر حاجة للتعلم لأنه الأكثر جهلا بالدين. إن أستاذا ألمانيا للإستشراق لهو أعلم من المسلم العادي بالعلوم الإسلامية. نظرا لكفر الأول نسميه “أعمى” بينما المسلم العادي هو “الأعمى” لأنه لا معرفة له بعلوم الدين ومن ثم فهو أحوج بتوجيه الإهتمام وتعليمه من ذلك الأستاذ العالم ولكنه أعمى البصيرة.

الملاحظة الثالثة وهي إمكانية وصف الضرير بالأعمى وفي نص القرآن أيضًا: (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج …) (النور: 61) فلماذا نستبعد أن يكون الأعمى هو الضرير؟

من الناحية اللسانية يصح وصف “الضرير” بأنه “أعمى” لأن المحسوسات المادية مستورة عن الإدراك بالبصر لعلة في جهاز الإبصار لديه ولكن إن قامت قرينة عقلية على غير ذلك صح حينئذ وصف المبصر الفاقد للبصيرة بالأعمى كقوله تعالى
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج : 46).

الذى عبس هو المدعو وهو ايضا الذى تولى

أتفق مع حضرتك تماما في هذا

والضمير المفعول فى جاءه هو محمد عليه السلام ومايدريك هو محمد عليه السلام

هذا ما أختلف مع حضرتك فيه. ما طرحته في رؤيتي يقوم على غياب شخص الرسول تماما عن السياق، لا لعصمة له عن وقوع خطأ بشري منه، ولكن لعدم إشارة القرآن له لا اسما ولا وسما ولا سمتا. ما أراه هو أن المخاطب بالآيات هو أحد “دعاة” الإسلام أي أحد “حواريي” نبي الهدى ممن لم يستكمل “موهبة” تجنب الأخطاء بعد. بعض الإمامية يقول أن المقصود هو عثمان بن عفان وهذا الكلام لا دليل عليه كذلك و هو ينطلق من خلفية مذهبية وليست موضوعية. الله تعالى رحمة بذلك المسلم المخطأ عمى اسمه ـ أي أخفاه ـ حتى لا يفضحه على الملأ. ما أميل إليه هو عدم انطباق “التصدي” و “التلهي” و “عدم الدراية” عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

… اما التصدى بالدعوة فمن اولى بها من رسول الله عليه السلام

كان العتاب بسبب التصدي لدعوة “من استغنى” وكان الأولى نشر الدعوة في “من يخشى” ولذلك جاء التصدي بدعوة المستغني في غير موضعه لوجود الأولى ومن ثم فلا يمكن وقوع نبي الهدى في مثل هذا الخطأ.

لأن القرءان يتنزل على محمد عليه السلام ويخاطب به محمد عليه السلام فلا بد ان يكون ضمير المخاطب (انت) هنا يقصد به محمد النبى

في هذه الحالة يكون أمامنا إشكال وتناقض: نصف المدعو بأنه عبس وتولى ثم ينتقل السياق للوم النبي في الوقت الذي لم يعبس فيه ولم يتولى. إذا كان قوله تعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) خطابا للنبي فلابد أن يكون هو كذلك العابس والمتولي. كيف يكون عمرو مثلا هو العابس والمتولي أي المتصرف بغير لياقة وفي نفس الوقت يعاتب الله تعالى النبي ولم يصدر منه عبوس ولا تولي.

الرسول المأمور بالبلاغ والتصدى للناس لدعوتهم الى دين الله .

هذا صحيح ولكن ألم يكن للرسول تلاميذ يرسلهم للبلاغ كذلك أم لا؟ إنني أرى وجود فردين اثنين هنا وليس ثلاثة وهما: أحد المسلمين من تلاميذ النبي الأكرم و الأعمى. الآيات ـ كما أرها ـ تخبر بالآتي: أحد تلامذة الرسول كان يأخذ على عاتقه دعوة أحد أو بعض غير المسلمين من أهل الغنى “من استغنى” والثروة ربما أملا في تمويل الدعوة وفي نفس الوقت كان يؤم بابه أحد الفقراء الجهلاء من صادقي القلوب وكان ذلك الداعية يقبل على الأول ويضجر من الآخر فنزل القرآن ليوجهه وليبين له خطأه. أما رسول الله فهو المتلقي للوحي ولكنه غير المخاطب هنا لسبب عقلي وهو موهبة الرسول التكليفية ولسبب نقلي هو عدم الإشارة إليه في الآيات لا من قريب ولا من بعيد.

القرآن واضح في خطابه

حينما يكون هناك “لوم” أو “توجيه” للنبي الأكرم فإن القرآن يصرح بذلك مباشرة من خلال ضمير المخاطب المقترن بصفة رسول أو نبي أو ما يدل على شخص المخاطب مثل:

(1) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التحريم : 1)

(2) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة : 67)

(3) (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا. مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا) (الأحزاب : 37 – 38)

أما حينما يكون هناك لوم أو وعيد لأحد الأحياء من غير النبي يعمي القرآن اسمه ولا يذكر صفته:

(1) (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا. كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا) (مريم : 77 – 80)

(2) (وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الحجر : 6 – 7)

(3) (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ…) (المجادلة : 3)

وهكذا يخفي الكتاب إسم المعني بالأمر ـ مسلما كان أم كافرا ـ في حالات التوجيه أو النصح أو اللوم أو الوعيد. أما التوجيهات للنبي الأكرم فيصرح القرآن بصفته فيها. فهل صرح الكتاب بصفة النبي الأكرم في الآيات محل البحث؟


وسانطلق في معارضتي مستندا الى دليلين اولهما عقلي وهو ان المخاطب دائما – كفرد – في السياق القراني هو الرسول ولم يخاطب احدا غيره كمفرد وان توجه الخطاب الى جموع المؤمنين كما في : يا ايها الذين امنوا…..

من الناحية العقلية الرسول هو المتلقي للبلاغ ولكن هل هو المعني به دائما في خطاباته؟ إذا كانت ثمة قرينة عقلية أو نقلية تصرف تنزيل واقعة ما على الرسول فلماذا الإصرار معها على أنه المعني هنا؟ هل الرسول الكريم هو المتلقي لقوله تعالى

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة : 40)

أم لا؟ ستجيب بنعم بالتأكيد وهذا صحيح. لكن هل هو “المَعْنِيُّ” به؟ بالطبع لا. لماذا؟ لوجود قرينة لفظية هي “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ”. الخطاب عنا يتوجه ويعني بني إسرائيل. وكذلك الآية محل الذكر هناك قرينة تصرف الخطاب عن توجهها للنبي الأكرم وهي قوله تعالى

(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم : 4)

والذي يتنافى مع “العبوس” و “التولى” عن المستضعفين لعلة مادية أو معنوية كعمى في البصر أو نقص في العلم.

اما الدليل الثاني فنقلي
لاحظ ان الله تعالى عندما اشتد ايذاء احد ائمة الكفر توجه الى الرسول مخاطبا – لاحظ ان الخطاب موجه الى الرسول –
في : ذرني ومن خلقت وحيدا ……من هذا المنطلق فانا افهم الخطاب القراني في : عبس وتولى …..

لم يقل الله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) (المدثر : 11) إلا بعد أن قال في مطلع السورة (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر : 1 – 2) فهل عيَّنَ مطلع سورة “عبس” صفة النبي الأكرم كما عيَّنَه مطلع سورة المدثر حتى يصح القياس؟

اريد ان اطرح هنا سؤالا لغويا لماذا بدات الايات بصيغة المجهول في :عبس وتولى ….ثم تحول الى صيغة المخاطب في: ومايدريك …. ?? ولم تات مثلا : وما يدريه??!!

هناك أسلوب في القرآن يعرف بإسلوب الإلتفات مثل قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ…) (الطلاق : 1)

فالآية الشريفة بدأت بخطاب للنبي الأكرم من خلال قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ” ثم التفت السياق بعدها مباشرة لحكمة بلاغية وموضوعية لخطاب المؤمنين من خلال قوله تعالى “إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ…” وهو إلتفات من الخاص إلى العام. من أجل الوقوف على حكمة الإلتفات البلاغية والموضوعية أنصح بالكتاب التالي: حسن طبل (1998): أسلوب الإلتفات في البلاغة القرآنية. دار الفكر العربي. القاهرة.

فيما يتعلق بالإجابة المباشره على سؤالك الكريم أقول أن هذا الإلتفات ربما يؤكد وجهة نظري: يبدأ الخطاب بصيفة الغائب ـ وليس المجهول ـ فيقول عبس (هو) وتولى (هو) فمن يكون (هو)؟ الفاعل هنا غائب لحكمة الدعوى وكما يقال “نصيحة السر نصيحة ونصيحة العلن فضيحة” فرفقا بذلك العابس ورحمة به وتأليفا لقلبه لا يذكر الله اسمه ولا يخاطبه مباشرة. ولذلك كان رسول الله في خطبه يكني فيقول مثلا “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا” فلا يعين أسمائهم وذلك من سمو الأخلاق ورفعتها. بعد أن وصلت الرسالة المتوارية بضمير الغائب إلى احبها كانت “صدمة” الخطاب قد تم التمهيد لها فالتفت الأسلوب هنا إليه بضمير المخاطب مع الإستمرار في تعمية الإسم لأن الغرض هو التأديب وليس الفضح. الإلتفات هنا يحسن إن كان بين طرفيه علاقة ما كالخاص والعام أو العكس أو غير ذلك من صور العلاقة. أما الإلتفات من حالة “الكافر” إلى حالة “المؤمن” ـ على الفرض الذي يقول بأن العابس كان كافرا ـ فهو إلتفات مضطرب. ولذلك يصح هنا إلتفات بين متماثلين هما مؤمن ومؤمن سواء كان المعني هنا هو أحد تلاميذ النبي الأكرم أو النبي الأكرم ذاته وهو ما استبعده تماما.

لى تعليق بسيط وخاصة فى ضمير الرفع المنفصل المخاطب وهو انت فى الاية (فأنت عنه تلهى) يأتى لما هو معلوم سابقا للمتلقى والسامع وايضا مثيله وهو ضمير النصب المتصل كاف المخاطب فى الاية (وما يدريك لعله يزكى) وهو ياتى لما هو معلوم سابقاللمتلقى والسامع واذا كان على قول سيادتكم انه خاص بالرجل الذى يدعو الناس الى الاسلام وليس النبى عليه السلام فقد جاء سابقا فى عبس وتولى ضمير غائب غير معلوم لأحد سواء متلقى وهو النبى عليه السلام او مستمع وهو بقية الناس الى يوم القيامة فكيف نوفق بين رؤيتك وتلك المفاهيم السابقة حول ضمائر المخاطب

حينما بدئ الوحي بقوله تعالى (عبس و تولى …) كان في “تغييب” الفاعل لفتا لإنتباه الجميع لأن كل فرد سيسأل نفسه: من المقصود يا ترى وبذلك يتحقق الغرض البلاغي وهو “إثارة” إهتمام جميع السامعين. على العكس من ذلك هب أن الآية بدأت هكذا “عبست وتوليت …” فلن يكون فيها ذلك الإهتمام لأن الناس حينئذ يفكرون أن الخطاب ربما يخص النبي الأكرم. بعد أن أدى ضمير المفرد الغائب دوره انتقل السياق للشخص المعني مباشرة لتوجيه اللوم إليه بإستخدام ضمير المفرد المخاطب. سيعلم هو نفسه أنه المعني بالأمر وسيعلم غيره أن “هوية” الشخص المعني هنا غير مهمة وإنما المهم هو “الإعتبار” الذي تم التوجيه إليه بذلك المطلع العام للسورة.

حجب اسم من عبس وتولى لكونه احد الصحابة فلا اراه تكريما لاحظ ان القرآن حجب اسم العتل الزنيم

كلامك صحيح وأنا لم أقل تكريما وإنما قلت رحمة ورأفة أي أن الله لا يفضح عبده المؤمن لإيمانه و عبده الكافر لتأليف قلبه وإنما يفضح فقط من مات على الكفر كأبي لهب وامرأة نوح وامرأة لوط وآزر وفرعون وهمان وقارون وأمثالهم.

ارجو منك ان تزودني بحالة اخرى توجه فيها الخطاب القرآني مباشرة لشخص اخر غير النبي ( اتكلم هنا عن الخطاب بالمفرد ، فنعم قد توجه الخطاب الجمعي للذين آمنوا ولبني اسرائيل وغيرهم )

أعتقد أنه لا يوجد مما سئلت عنه سوى قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (الإنفطار : 6)

(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق : 6)

وإن كان الخطاب هنا للمفرد ولكن المقصود “جنس” الإنسان أي الجنس البشري وليس إنسانا بعينه. هب أنه لا يوجد سواها فنحن أمام إحتمالين: الخطاب يقصد الرسول / النبي أو الخطاب يقصد شخصا آخرا. حين تتبع الخطاب الموجه في القرآن للرسول / النبي نجده يخاطبه بأحد صفاته إلا في موضعنا هذا مما يرجح الإحتمال الآخر وإن لم يتكرر مثله إنطلاقا من قاعدة ” إستصحاب السوابق” أي أننا لو استصحبنا طرق مخاطبة النبي الأخرى لوجدناها لا تخلو من وصف له. مخالفة تلك القاعدة هنا يضعف من إحتمالية مقصودية الرسول بهذا الخطاب ويقوي الإحتمال الآخر.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:38 ص  Comments (1)  

الصافنات الجياد

 

تدبر في قول الله تعالى
(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (ص : 30 – 34)

– من المقصود بقوله تعالى (عرض عليه)؟ على من تعود الهاء: على داوود أم على سليمان؟

– ما معنى (الصافنات الجياد)؟ هل هي الخيل؟ أم النساء؟ أم شيئ آخر؟

– على من تعود الهاء في قوله (ردوها)؟ على الشمس أم على الخيل أم على شيئ آخر؟

– ما معنى قوله تعالى (فطفق مسحا بالسوق والأعناق)؟ هل هو القتل أم الربت أم النكاح أم شيئ آخر؟

– ما معنى قوله تعالى (فتنا سليمان)؟

– ما هو (الجسد) الذي ألقي على كرسي سليمان؟ أهو طفل رضيع أم شيئ آخر؟ وما هو؟

أسئلة كثيرة تنساب من خلال تدبرنا في ذلك المقطع من تلك السورة الشريفة.

[1] من المقصود بقوله تعالى (عرض عليه)؟ على من تعود الهاء: على داوود أم على سليمان؟

ظاهر السياق يدل على أن المقصود هو (داوود) عليه السلام، فهو بطل الأحداث في هذا الجزء، وهو من بدئ بذكره وذلك بقول الله تعالى (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ…)، كما أن لفظ (أواب) ارتبط بداوود عليه السلام في سياق آخر في نفس السورة هو قوله تعالى:

(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص : 17)

وهذا يرجح أن تلك الفقرة بألفاظها (نعم العبد) و (إنه) وغير ذلك تشير إلى داوود عليه السلام. أما سليمان عليه السلام فسيلتفت إليه السياق الكريم مع قوله تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ…) أما قبل ذلك فالإشارة فقط لداوود وليس لسليمان.

[2] ما معنى (الصافنات الجياد)؟ هل هي الخيل؟ أم النساء؟ أم شيئ آخر؟

يشير السياق إلى داوود فهو إذا المعروض عليه فمن العارض؟ هل هو الله أم الملائكة أم البشر أم غير ذلك؟ يعلمنا الله تعالى هنا أن الفاعل غير مهم في الأحداث ولذا جاء الفعل مبنيا لما لم يسمى فاعله ولكننا من خلال استكمال السياق قد نلاحظ من هو الفاعل وإن كانت معرفته غير هامة بالنسبة للعبرة من القصة المذكورة. أما زمن العرض فهو “العشي” أي وقت الغروب وهو مذكور في السورة كذلك في موضع آخر هو قوله تعالى:

(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ) (ص : 18)

بما يدل على الزمن المقابل للإشراق، فالإشراق هو صعود الشمس شرقا والعشي هو هبوطها غربا. أما كلمة الصافنات ـ وحروفها الأصلية هي ص / ف / ن ـ فلم ترد في القرآن كله إلا في هذا الموضيع دليل على تفردها وعدم شيوعها. أقرب لفظ لها في القرآن هو كلمة الصافات ـ وحروفها الأصلية هي – ص / ف / ف – بوجود مشترك حرفي بينهما هو (ص / ف) كما في قوله تعالى:

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) (الصافات : 1)

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الفتح: 4)

بما يدل على الرص والترتيب والتساوي والإنضباط الذي قد يشير إلى وجود استعراض عسكري متناسق. أما كلمة الجياد فوردت ومشتقاتها في القرآن في موضعين آخرين إضافة للموضع محل البحث وهما:

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود : 44)

(فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) (المسد : 5)

وهي كلمة توحي بالجودة والإجادة وما يجود به الإنسان. ولما كان أجود ما يجود به الإنسان هو أن يجود برقبة أطلق هذا اللفظ على العنق من الجماد والأحياء، فالجودي هو المكان المرتفع من الجبل أي عنق الجبل وجيد إمرأة أبي لهب هو عنقها، وهكذا تدل هذه الكلمة على معاني الجودة والتقديم بما يوحي بإستعراض عسكري على مستوى رفيع يشمل أجود الجنود ومقدميهم ولعلهم كانوا يضعون أنواطا في أعناقهم تمييزا لهم عن غيرهم. ما نفهمه إذا هو أن القادة العسكريين المساعدين لداوود عليه السلام قاموا بتنظيم عرض عسكري Parade رفيع المستوى إستعراضا لقوة الدولة وهيبتها وقد بدأ ذلك الإستعراض قبل الغروب وانتهى بعيد غروب الشمس.

التفسير التاريخي
يغلب على المفسرين التاريخيين ترجيح سليمان بدلا من داوود كبطل للأحداث المذكورة. ويغلب عليهم تفسير الصافنات الجياد بأنها خيل الجهاد التي تقف على تلاثة كوقفة العرنجل رافعة سنبكها الرابع. ويقول بعضهم بأن المقصود ليس الخيل وانما نساء سليمان الجميلات والتي سيدخل بهن لينجبن له مجاهدين وغير ذلك من الأقوال التي يأباها الفهم القويم ويمججها الذوق السليم ويعارضها الكتاب الحكيم.

[3] ما المقصود بقوله تعالى (حتى توارت بالحجاب)؟

من التي توارت بالحجاب؟ هل هي الشمس؟ كيف تكون الشمس هي المقصودة ولا ذكر لها في السياق أصلا؟ أم هي الخيل؟ وأين ذكرت الخيل في السياق؟ إن الفاعل المتقدم والذي توارى بالحجاب هو الصافنات الجياد فيكون المعنى هو أن الوقت المخصص للإستعراض العسكري لجند الجهاد في سبيل الله ـ جند الخير ـ قد تقاطع بوقت دخول الصلاة والتي تمت الإشارة إليها بقوله تعالى (عن ذكر ربي) فيكون الحجاب هنا هو حجاب الظلام أو حجاب البعد فكأن هناك منصة يجلس داوود عليها السلام مستعرضا العسكر وكلما مر فوج توارى وجاء فوج من وراءه وهكذا بما يدل على كثرة العدد وهيبة الدولة وحسن التظيم وجودة العرض وكل هذا الخير يحبه داوود ولا شك إلا أنه يحب ذكر الله أكثر فأوقف الإستعراض ريثما يؤدي الصلاة.

[4] ما معنى قوله تعالى (فطفق مسحا بالسوق والأعناق)؟ هل هو القتل أم الربت أم النكاح أم شيئ آخر؟

والآن … إنتهى داوود عليه السلام من أداء الصلاة ـ ذكر الله ـ وأخذ في إستكمال مشاهدة الإستعراض العسكري فطلب من المعاونين ذلك بقوله (ردوها علي) أي الصافنات الجياد انتقالا لمرحلة أخرى هي:

(فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ).

وردت مادة طفق في موضعين آخرين في الكتاب إضافة للموضع محل البحث وهما:

(فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ…) (الأعراف : 22)

(فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طه : 121)

للدلالة على الشروع في فعل ما بسرعة. أما مادة مسح فوردت في خمسة عشر موضعا في الكتاب منها قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6)

وهو غير الغسل، فالغسل هو إراقة الماء بينما المسح هو سح الشيء ـ ماءا كان أم صعيدا أم غير ذلك ـ بلين ورفق. أما مادة سوق فقدت وردت في سبعة عشر موضعا في الكتاب منها قوله تعالى:

(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) ( الزمر : 73)

بما يشير إلى (القيادة) ولذا أطلق على قصبتي القدمين لفظ “ساقين” لأنهما يسوقان الإنسان أي يقودانه، وكذلك لفظ “سوق” وهو محل التجارة لأن حاجة الإنسان تسوقه إليه أي تقوده إليه. أما مادة عنق فقد وردت في الكتاب في تسعة مواضع منها قول الله تعالى:

(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء : 29)

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال : 12)

بما يدل على صدر الإنسان وهو محل المعانقة. فتعبير (فوق الأعناق) يدل على أن العنق هو الصدر ولذا لا يضرب هو وإنما يضرب ما فوقه أي الرقاب.

المعنى العام
بعد أن إنتهى داوود عليه السلام من الصلاة واصل الإستعراض العسكري وبعد الإنتهاء بدأ في توزيع الأنواط على السوق أي القادة الذين قادوا استعراض الصافنات الجياد رابتا على صدورهم وواضعا النياشين والأوسمة عليها مكافأة لهم على ذلك العرض المتقن الذي يدخل الرهبة في قلوب أعداء الله.

التفسير التاريخي
زعم البعض أن سليمان ـ هم لا يذكرون داوودا في السياق إطلاقا ـ تأخر عن الصلاة بسبب استعراض الخيل فصاح (ردوها على) أي الشمس في زعم البعض أو الخيل في زعم البعض الآخر. بعد ذلك أخذ يقتل في الخيل البريئة ويسفك دمها عقوبة للبريء على إهماله هو وقال آخرون بأنه لم يقتلها وانما ربت عليها وهو عكس القول الأول ودليل على التخبط في فقه السياق.

بعد الإنتهاء من ذكر استعراض داوود عليه السلام للجيش ثم توزيعه الأوسمة وتعليق النياشين على صدور القادة العسكريين بعد صلاة المغرب التفت السياق إلى قصة جديدة بطلها شخصية أخرى هو سليمان عليه السلام. ما هي قصته؟ وما هو ذلك الجسد الذي ألقي على كرسيه؟ وهل الأمر له علاقة بتلك الفتاة السمراء التي عشقت سليمان كما صور نشيد الإنشاد؟ أم أن الأمر له علاقة بالنساء الفاتنات اللائي يطوف بهن سليمان كما زعم الزاعمون؟ أم أن ذلك كله من الإسرائيليات بينما الحقيقة مختلفة تماما بل مفاجئة وغير متوقعة؟


محاورات ونقاشات

أخطأ كثير من مفسرون قدماء في حق سليمان عليه السلام ومن ثم في حق سائر الأنبياء وذلك حينما رادفوا بين (الصافنات الجياد) والخيل وادعوا أن سليمان عليه السلام انشغل بها عن الصلاة حتى خرج وقتها. وادعوا أنه أراد أن يعاقب تلك الخيل على ذنب لم ترتكبه فأخذ يضرب أعناقها وسيقانها ويثخن الجراح فيها ويحز رؤسها فيالها من ليلة دامية تلك التي وصفوها. وزعموا أنه طاف بنسائه وأراد الولد ليجاهد في سبيل الله ولم يقل “إن شاء الله” فعوقب بمولد صبي معاق وغير ذلك من الترهات التي يتنزه أنبياء الله عنها. هذا هو السياق الذي يجب أن يفهم تدبري أعلاه في إطاره. تنزيه الأنبياء عن تلك الشنائع يستوجب قراءة السياق بدقة شديدة فإذا بنا أمام معطيات قرآنية تخالف معطيات سطرها أولون نقلا عن بني إسرائيل الذين لم تفتر لهم همة في القدح في الأنبياء وإصدار المعصية منهم. والآن اسمحوا لي ببعض التعليقات على الإقتباسات المكتوبة باللون الأزرق:

جاء في سورة ص: « ووهبنا لداود سليمان، نعم العبدُ إنه أوّاب، إذ عُرض عليه بالعَشي الصافناتُ الجياد…» . تصف الآية الكريمة الخيل بأنّها صافنات، وبأنها جياد.

من أين له بأن “الصافنات” هي “الخيل” ولم تذكر في القرآن كله سوى مرة واحدة؟ أما لفظ “الخيل” أو تصريفاته فذكر في القرآن في أكثر من موضع مثل قوله تعالى:

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل : 8)

فلو أن الخيل هي المقصودة لذكرت بلفظها القرآني المعتاد.

واللافت أنّ الصفة الثانية هي نقيض للصفة الأولى؛ فمعلوم أنّ الخيل عند راحتها تكون قائمة لا تتحرك، بل تنام وقوفا، وصمتها فيه هدوء ووقار، فأنت تعجب من هذا الحيوان الذي يمضي حياته واقفا، وتعجب كيف ينام واقفا، وتعجب كيف لا يرهقه الوقوف! ويزول العجب عندما نعلم أنّ القانون في خلق الخيل، يختلف عنه في خلق الإنسان، وخلق الكثير من الحيوانات التي تنام مستلقية، فراحة الحصان في وقوفه. والهدوء العميق لهذا الكائن، وصمتُهُ ووقاره، كل ذلك هي المقدّمات الضرورية التي تُفجّر حيويّته ونشاطه. نعم إنّه الجواد الذي يجودُ بالحركة، ويفيضُ بالنشاط. ويندر أن نجد في الحيوانات حيواناً يماثله في هذه المتناقضات؛ فهو الساكنُ المتحرك، والصامتُ المتفجّر. .

كلام جميل حول “الخيل” ولكن ما علاقته بـ “الصافنات”؟ يبدو أن الكاتب أراد أن يعطينا درسا في وصف الخيل فنسي أن يقوم بتفسير الآيات الشريفة.

آية في سورة « ص » جاءت عقب الآيات سالفة الذكر، لا تزال لغزاً على الرُّغم من أقوال المفسرين الكثيرة فيها: « ولقد فتنا سليمانَ وألقينا على كُرسيّه جسداً ثمّ أناب» . وليس هذا مقام الإفاضة في تفسيرها، وأكثر ما جاء فيها من تفسير لا يستند إلى دليل معتبر. وقد يكون الأقرب إلى الصواب أن نقول: بأنّ الجسد الذي حلّ في كرسي المُلْك هو سليمان، عليه السلام. وقُلنا « حلّ » لأننا وجدناها أليق بمقام سليمان، عليه السلام. ومن لطائف القرآن الكريم أن يقول سبحانه وتعالى: « وألقينا على كرسيّه» ، ولم يقل: « وألقيناه على كرسيّه» . هذا إذا كان المقصود سليمان، عليه السلام؛ لأنّ كلمة «ألقيناه» تفيد الإلقاء مع النبذ على خلاف ألقينا. والذي يبدو لنا راجحاً هو احتمال أن يكون سليمان، عليه السلام، قد أصيب بمرض أقعده عن الحركة، أو تحول إلى جسد ساكنٍ لا حراك فيه، واستمر على هذه الحال مدّة من الزمن، ثم شفاهُ الله وعافاهُ مما حلّ به، عليه السلام. وقد يعزز هذا القول أنّ الآيات التي تلي هذه القصّة جاءت على ذكر أيوب، عليه السّلام، وما حلّ به من بلاء: « واذكر عبدنا أيّوب إذ نادى ربّهُ أنّي مَسَّنِيَ الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب » . ويعززهُ أيضاً قوله تعالى: « ثمّ أناب » ، لأنّ من معانيه أنّهُ رجع إلى حالة الصّحّة والمعافاة. واستخدام ثُمّ التي هي للتراخي يؤكّدُ ذلك؛ لأنّ سرعة الإنابة، التي فيها معنى التّوبة، هي من مستلزمات صفة الأوّاب التي وصف بها سليمان، عليه السلام. وهذا يعني أنّ الإنابة هنا لا علاقة لها بالرجوع إلى الله، بل الرجوع إلى الصّحة والمعافاة بعد وقتٍ فيه طول…

كلام جميل أيضا ولكن أين ذكر “داوود” هنا؟ وأين “الصافنات الجياد”؟

فإذا كانت حالة الصفون في الخيل هي المقدّمة الضروريّة لحالة الجَود، فإنّ حالة سليمان، عليه السلام، في سكونه على كرسيّهِ كانت المقدّمة لإطلاق طاقاته الفاعلة، الموهوبة له من الله تعالى، لإحداث نقلة عظيمة في حياة البشر، وتكون على يديه، عليه السلام، تكريماً له.

كلام جيد يذكرنا بتفسير القرآن بالإشارة ولكن للأسف لا علاقة له بلسان القرآن فالخيل ليست الصافنات وليست الجياد الخيل سماها الكتاب خيلا، والصافنات ذكرت في الكتاب مرة واحدة وأقرب الألفاظ القرآنية لها هو لفظ الصافات أما الجياد فلفظ يدل على الجود والجودة أي لفظ كيفي.


لي تعليق حول (صف) و(صفن)، هل التقارب اللفظي يعني بالضرورة تقارب المعاني؟ إذ أن كلمة (صفن) لها معاني أخرى

مادة (ص / ف / ن) لم ترد في القرآن إلا في الموضع محل البحث فقط، ولذلك فإننا نلجأ لأقرب المواد لها لاستجلاء كنه المعنى والإعتماد في هذا يكون على القرآن وحده دون معاجم اللغة والتي لا يمكن الوثوق بها بصورة مطلقة كالقرآن. إن أقرب الكلمات للصافنات هي (الصافات) و (الصافون) وهما يحملان نفس المعنى الجيني ألا وهو الصف والترتيب. الإنفراد التركيبي لكلمة (الصافنات) يدل على الإنفراد التركيبي لعملية الصف، فهو إذا صف غير تقليدي بل صف متفرد كما ونوعا إلا أنه في نهاية المطاف صف وترتيب.

كما أن الكثير من التشابه اللفظي يحمل معاني مختلفة بل ومتناقضه، فمثلاً (باع) عكس (ابتاع)، و(شرى) عكس (اشترى)، وكلمة مولى تحمل معنيين متناقضين من السيد والعبد. فما مدى تطبيق هذه القاعدة؟

معاني مختلفة فرعا ولكنها متحدة أصلا فمثلا:

– (باع / ابتاع) حروفهما الأصلية هي (ب / ي / ع) الدالة على التجارة ولها طرفان: الآخذ والعاطي.

– (اكتال / كال) حروفهما الأصلية هي (ك / ي / ل) الدالة على مقياس وله طرفان كذلك الآخذ والعاطي.

– وكذلك الحال بالنسبة لـ (اشترى / شرى)

– أما كلمة (مولى) فتدل على الولاء فسواء قلنا الله هو مولانا أو نحن أولياء الله أو فلان مولى لنا فلن نفهم إلا معنى جيني وحيد هو وجود علاقة حميمة أو خضوع وهكذا.

الكلمة التي قالها اللغويون قديما وهي أن زيادة المبنى زيادة في المعنى صحيحة ولكن فقط ضمن إطار الفرع أما الأصل فيختلف عن الأصول الأخرى بإختلاف مكوناته الجينية أي الحروف المتركب منها.


هل (صافنات) اسم أم صفة؟

يقول الله تعالى (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ). إذا كان فعل “عُرِضَ” فعل ماضي مبني لمن لم يسم فاعله يكون لفظ “الصَّافِنَاتُ” نائبا عن الفاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره أي أنه إسم كأن نقول مثلا “عرض عليه الصفوف”.

هل حذف الموصوف موجود في القرآن أم لا؟

كلمة “الصافنات” إسم وليس صفة ومن ثم فلا مجال لحذف الموصوف لعدم وجوده أصلا. الصافنات إسم و الجياد صفة فكأننا نقول “عرض عليه القيادات المجيدة”.

إن كان موجودًا فما المانع أن يكون الموصوف هي الخيل؟ خصوصًا أن (صافنات) جمع مؤنث سالم؟

كلمة “الصافنات” ليست جمعا حقيقيا للمؤنث السالم وإنما تلحق إعرابيا بجمع المؤنث السالم. حينما نقول مثلا “جنات” فهي جمع مؤنث سالم لأن مفردها “جنة” وهي مؤنثة كذلك. بالمثل حيات وصحراوات ومدرسات وأجنبيات كلمات تعبر عن جمع مؤنث سالم حقيقي. على العكس من ذلك نجد أن من جمع الجمع ما يلحق بالمؤنث السالم في اعرابه مثل كلمة “رجالات” وهي جمع لكلمة “رجال” وهي جمع تكسير للمذكر ومفردها كلمة “رجل” وهي مذكر كذلك. وبالمثل قد تكون كلمة “صافنات” والتي وردت في القرآن في موضع واحد فقط جمع لكلمة “صفان” مثلا والتي تعتبر مثنى كلمة “صف” أي أن ذلك الإستعراض ربما كان يمثل جمعا للصفوف المثاني. ولذلك وصف الصافنات بالجياد وليس بالجيادات في حين أن الصفة تتبع الموصوف في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتعريف والتنكير والتأنيث والتذكير أي أن كلمة الصافنات تلحق بالمؤنث السالم فقط إعرابيا ولكنها ليست مؤنثا حقيقيا.

هل كون الكلمة واردة مرة واحدة فقط في القرآن أمر غريب يدعونا إلى البحث عن أقرب الألفاظ إليه؟ أم نترك الأمر لللغة (مع ملاحظتي أنك تهمش دور المعاجم والسليقة اللغوية عندنا).

المنهج الذي استفدته من علماء التوحيد والعدل ولا سيما الإمام الهادي إلى الحق المبين وجده الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام إضافة لفقهاء اللغة الكبار لاسيما إبن فارس هو العودة دائما للمشترك الجذري أي الكلمات المتشابه تعود لأصل لساني واحد وقد قمت بتطبيق هذا المنهج على ألفاظ القرآن وقارنته بالمنهج الآخر الذي يعتمد على المعاجم وجدت أن المنهج الأول متسق أكثر مع روح القرآن ولا يعني ذلك أنه المنهج الأفضل بل هو أفضل المناهج ـ في تصوري ـ حتى الآن ولا يمنع هذا من دوام البحث عن منهجيات جديدة لفهم دلالات ألفاظ القرآن.

هل وجود لفظ قريب يعني تقارب المعنى دائمًا؟ هل (رفع) مثل (دفع) مثل (نفع)؟

ولكن هذه كلمات وردت مادتها في القرآن بصورة كبيرة فحديثنا ينصب على الكلمات “اليتيمة” أي التي لم ترد مادتها إلا مرة أو مرتين ككلمة “الصافنات” التي وردت مرة واحدة فقط وأقرب الألفاظ القرآنية لها هي “الصافات” أو كلمة “سجين” التي وردت مرتين وأقرب الألفاظ القرآنية لها هي “سجن” فيجب هنا البحث عن العلاقة الرابطة بين المعنيين.

ولا ننسى وجود المشترك اللفظي الذي يعكر هذه المنهجية من الأساس، فمثلاً كلمة (خير) الواردة في الآية لو أرجعناها إلى المعنى القرآني لتحولت إلى المال كقوله تعالى (إن ترك خيرًا) البقرة 180.

المشترك اللفظي هو مجرد مرحلة “وسيطة” لا يجب أن نطيل الوقوف عندها بل يجب أن ننتقل لمرحلة أعمق وهي المشترك الجذري. بهذه الآلية أقول أن لفظ “الخير” يدل على ما ينتفع الإنسان به من صحة ومال وعلم وهكذا فإن تم “تخصيص” الكلمة في موضع فإن ذلك لا يمنع من فهم المدلول الموضوعي العام للكلمة والتي يدخل التخصيص في معناها أيضا.

هل عدم ذكر الشمس ينفي أن تكون هي المقصودة في (توارت بالحجاب)؟ خصوصًا أن هناك قرينة وهي لفظ العشي؟ إن العرب تحذف الكلمة أحيانًا إن فُهم المعنى، فنحن نقول (أصبحت اليوم باردة) و (بالأمس كانت حارة) دون أن نذكر كلمة الدنيا أو الطقس..

ما نقوله ليس حجة على لسان القرآن وإنما لسان القرآن ينبغي أن يكون الحجة على ما نقول.

وهذه الظاهرة موجودة في القرآن فقد قال تعالى (والنهار إذا جلاها) مع أنه لم يذكر لفظ الأرض، ومع ذلك فالمعنى مستقيم يصل المستمع.

وهنا تأتي أهمية السياق والذي يقول (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا .وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا…) (الشمس : 1 – 4) والذي صرح بداية بذكر الشمس فهل صرح السياق محل البحث بذكرها أم بذكر الصافنات الجياد؟

ما تفسير قول داوود (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي)؟ وما علاقتها بما بعدها مباشرة (حتى توارت بالحجاب)؟

المقصود هو أحببت حب الخير وهو إستعراض جيوش الجهاد “الصافنات” وظللت أشاهدها حتى انتهت وتوارت عن ناظري حتى أنني نسيت بذلك أداء حق الله على بالعبادة.
لاحظ أنه لم يقل “أحببت الخير” ولكن قال “أحببت حب الخير” فما هو الفارق؟ إنه أراد أن يقول “أحببت الخير حبا” فتكون كلمة “حبا” مفعولا مطلقا أي أنه يقول “أحببت الخير حبا عن ذكر ربي” فما هو “الخير” هنا؟ أوليس إستعراص صفوف جيش الدولة الذي يحميها من أعدائها ويكون عونا لها ونجدة لأصدقائها وحلفائها خيرا؟ ما معنى “عن” ذكر ربي؟ حرف “عن” من معانيه “الصدور” و “الخروج” كأن نقول “رميت السهم عن القوس” بما يدل على الإبتعاد والإنتشار. داوود عليه السلام يقول أن حبه للخير جاء بفضل الله فهو متولد “من” كثرة ذكر الله. ذكر الله كان بمثابة إشعاع صدر عنه حب داوود الخير حبا جما.

تحياتي القلبية والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:20 ص  3 تعليقات  

تدوين القرآن … المغالطات والحقائق

[1] القرآن الكريم

كلام الله تعالى الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد بن عبد الله رسول رب العالمين ليكون من المنذرين بلسان عربي (واضح) مبين (بليغ) يختلف اسمه حسب الصورة التي يأخذها أو الأثر المراد احداثه، على النحو التالي مثالا لا حصرا:

– الكتاب لأنه كلمات مكتوبة

– القرآن لأنه كلمات مقرؤة

– المصحف لأنه كلمات محفوظة في صحف

– الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل

– التبيان لأنه يبين كل شيئ

– الذكر لأن فيه ذكرنا.

وهكذا نجد أن هذه الأسماء وان دلت جميعها على (كلام الله المنزل على محمد بن عبد الله) الا أنها ليست مترادفة بل بينها فروق دقيقة في المعاني بحيث يختص كل اسم منها بمعنى محدد ومختلف عن المعنى الذي يشير اليه اسم آخر وهكذا. وتسهيلا على القارئ أود الاشارة الى أنني سوف استخدم لفظ (القرآن) في السطور التالية دون الألفاظ الأخرى باعتباره أكثرها شيوعا وجريانا على الألسنة.

[2] مغالطات تاريخية حول تدوين القرآن

ذكر المؤرخون وكتاب علوم القرآن قصصا وروايات مغلوطة حول جمع القرآن. وزعموا أن جمع القرآن مر بثلاث مراحل:

(1) الجمع الأول للقرآن كان أثناء حياة الرسول صلى الله عليه. وقد تم تدوين القرآن على الأكتاف واللخاف والعسيب. وكان متفرقا في مواضع عدة بسبب طبيعة أدوات الكتابة ووسائل التدوين البدائية التي ذكروها. وعلى زعمهم هذا نتصور أن وسائل التدوين تلك كانت تحتاج الى حاوية كبيرة Container كي تحفظ بداخلها من الضياع ولكن لم يذكر المؤرخون أي شيئ عن وجود تلك الحاوية.

(2) الجمع الثاني للقرآن كان في عهد خلافة أبي بكر بناءا على توصية من عمر بن الخطاب أثر مقتل القراء في موقعة اليمامة. وفي هذا الجمع تم نقل (الكتاب) من الأكتاف واللخاف والعسيب الى صحف منتظمه اطلق عليها لفظ (المحف). وزعموا أن هذا المصحف ظل عند أبي بكر ثم انتقل بعد وفاته الى الخليفة الثاني عمر ثم انتقل بعد وفاته الى ابنته حفصة بنت عمر زوج رسول الله (وفي رواية طليقته) وكأن المصحف أضحى عهدة يتوارثها المولود عن والده. والعجيب في الآمر هو أنهم برروا استخدام وسائل تدوين بدائية على عهد الرسول بحجة أنه لم توجد أوراق في ذلك الوقت ولكنهم أباحوا لأنفسهم القول بأن تلك الأوراق وجدت ـ ربما فجأة ـ بعد وفاة الرسول بعدة أشهر فتم تدوين القرآن فيها.

(3) الجمع الثالث للقرآن كان في عهد خلافة عثمان بن عفان بناءا على توصية من بعض الصحابة أثر فتوح البلدان وعجمة اللسان وتخليط الأذهان فتمت الاستعانة بالمصحف ـ وقد أبت حفصة في بادئ الأمر تسليم المصحف للخليفة الا بعد أن وعد برده اليها ـ وتم استنساخة في مدونة رسمية عرفت باسم (مصحف عثمان) ثم تم استنساخ نسخ عديدة منه وارسالها للأمصار واحراق كل النسخ الأخرى ـ ماعدا نسخة حفصة ـ وأضحت النسخ العثمانية هي المعتمدة. وقد قيل أن (المصحف العثماني الامام) محفوظ بأحد متاحف بلاد الترك (تركيا).

هذه هي القصة التي زعمها المؤرخون والكتاب وأصبحت الألسنة تتداولها في كل مكان، وأترك للقارئ الكريم الحكم عليها، بعد الاطلاع على الرؤية القرآنية لجمع القرآن.

[3] البيان القرآني حول جمع القرآن

(1) نزل (الروح الأمين) جبريل عليه السلام بالقرآن الكريم على قلب محمد عليه السلام:

(وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء : 192 – 195)

(2) القرآن الكريم يشير الى أنه كان مجموعا في صحف مطهرة متلوه:

(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (البينة : 1 – 3)

رسول من الله (الروح الأمين) يتلوا صحفا (جمع صحيفة) مطهرة (اسم مفعول بمعنى طاهرة) فيها كتب (مواضيع جامعة لقضايا متعددة) قيمة. لفظ (صحف) يدل بوضوح على وجود أوراق مكتوب فيها القرآن الكريم. ولفظ (مطهرة) توحي بأنها ليست صحف أرضية وكنها صحف نزلت من الملأ الأعلى، وهي بهذا المعنى تمثل (الكتاب المكنون) الذي قال الله تعالى عنه:

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة : 77 – 80)

المطهرون هم السفرة (سفراء الوحي)، الكرام البررة:

(كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَن شَاء ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس : 11 – 16)

(3) الروح الأمين كان يتلوا تلك الصحف المطهرة على محمد صلى الله عليه فيرددها فتجمع في صدره الشريف فورا:

(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة : 16 – 19)

هذه الآية تدل بوضوح أن الجمع (الوحيد) للقرآن تم في حياة رسول الله، وفي قلبه، وأن فاعل الجمع هو الله تعالى. و بعد هذا الجمع في الصدر، وقبل وفاته صلى الله عليه، قام رسول الله بكتابة المحفوظ في صدره على ورق ليسهل على الناس حفظه، وقد خطه بيمينه:

(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ. وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) (العنكبوت : 47 – 49)

[4] تعلم الرسول الكريم للكتابة

أقدم في البداية ملحوظتين:

(1) لا يضير الاسلام أبدا أن يكون رسوله كاتبا وقارئا فالأعجاز القرآني نابع من داخله بما يشهد بأنه من الله وليس من البشر.

(2) اللسان القرآني واضح في اختيار الألفاظ: (يقرأ) غير (يتلوا) غير (يقول) غير (يتكلم) غير (ينطق) غير (يردد) وهكذا. فحين يتنزل أمر الهي يقول (اقرأ) نكون بصدد الحديث عن كلام (يقرأ) وليس (يتلى). ويصعب أن يتصور الانسان دينا يأمر بالقرءة والكتابة والحساب ثم لا يمتثل رسوله لهذه الأوامر.

اذا فرغنا من هذا فلنقراء قول الله تعالى:

(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ. وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) (العنكبوت : 47 – 49)

وبالتحديد الآية التالية::

(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)

هل هذه الآية تقول أن الرسول ظل طيلة حياته أميا؟ لا، أبدا، وكنها تخبر عن حقيقة كونه أميا قبل نزول القرآن فقط. فتقول: لو لم تكن أميا لشك في القرآن المبطلون. أما وقد نزل القرآن حال أميتك فهذا أدعى لهم للايمان، ولكن حسبك من الأمية ما قد مضى، وآن وقت تعلم القراءة والكتابة. الآية اذا تصف (حال) مضى وانتهى ولا تتحدث اطلاقا عن (استصحاب) ذلك الحال. ولاحظوا دلالات الألفاظ من فوق الخط الأحمر للدلالة على واقع حدث في زمن قبل نزول القرآن. هذا وقد وردت بعض الأخبار الدالة على قدرة الرسول على الكتابة مثل أخبار صلح الحديبية حين مسح النبي تركيب (محمد رسول الله) وكتب بدلا من ذلك (محمد بن عبد الله).

[5] الخلاصة

[1] روايات جمع القرآن مليئة بالمغاطات والعلل العقلية والتاريخية ومن ثم لا يمكن التعويل عليها أبدا. الرواية الوحيدة التي توجب اليقين هي الرواية القرآنية.

[2] القرآن الكريم يبين أنه من عند الله، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد ليكون من المنذرين. وأنه نزل مكتوبا في صحف مطهرة بيد الروح الأمين يتوها على مسمع رسول رب العالمين ليبلغها للناس أجمعين.

[3] هذه التلاوة يسمعها الرسول فيرددها فيجمعها الله في صدره فيتلوها على مسامع الناس.

[4] الرسول الذي كان أميا تعلم القراءة والكتابة لما جاءه الأمر (اقرأ) ثم دون القرآن بيمينه الشريف في صحف حفظت في عصره وعصور تلته وقد وصلتنا نسخة منها من النسخ التي أرسلها رسول الله في الأمصار ولعل الزمن يكشف عن مخطوطتها في يوم ما ان شاء الله.

أكتفي بهذا القدر والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:41 م  Comments (1)  

غلبت الروم

تدبر في قول الله تعالى
(الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ
يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم : 1 – 7)

[1] (غُلِبَتِ الرُّومُ…)
المعنى المقصود هو قهرت الروم أي هزمت وخسرت. غلب فعل ماضي لم يسم فاعله، والتاء للتأنيث، و الروم نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. ما هو جنس كلمة “الروم”؟ وجود التاء الدالة على التأنيث يدل على أنها إما مفرد مؤنث أو جمع مؤنث. كيف؟ لنأخذ كلمتي (الذكر / الذكور) وكلمتي (الأنثى / الإناث) وندخل عليهم فعلا لم يسم فاعله مثل (شوهد) فنكون إزاء التراكيب الآتية: (1) شوهد الذكر. (2) شوهد (الذكور). (3) شوهدت الأنثى. (4) شوهدت الإناث. أي أن تاء التأنيث لا تتصل بالفعل إلا إذا كان الفاعل أو نائبه يدل على التأنيث وعلى هذا تكون كلمة “الروم” مثل كلمة “العرب” دالة على مؤنث مفرد ـ وهو الأقوى ـ أو مؤنث جمع. ولهذا التحليل اللساني أهميته التي ستتضح بجلاء بعد قليل.

[2] (وَهُم…)
على من يعود هذا الضمير؟ من المعلوم أن هذا الضمير يستخدم مع جمع المذكر الغائب فعلى من يعود؟ إننا اتفقنا على أن كلمة “الروم” تدل على المؤنث المفرد ومن ثم فلا يعود الضمير “هم” على “الروم” ولكن يعود على شيئ آخر سنعرفه بعد قليل.

[3] (مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ…)
نفهم من هذا المقطع أن هؤلاء الغائبين المشار إليهم بالضمير “هم” قد مروا بمرحلة قهر وهزيمة ولذا يقول المولى سبحانه أنهم كما قهروا ـ بكسر الهاء ـ فإنهم سيقهرون خلال سنوات قليلة.

[4] (وَيَوْمَئِذٍ…)
أي يوم الإنتصار الذي سيتغلبون فيه على أعدائهم والذي سيأتي بعد سنوات معدودة.

[5] (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ…)
هنا يبدأ الغموض أن ينجلي وينكشف الستار عن العائد عليه الضمير “هم”: إنهم المؤمنون أي أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

[6] (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ …)

أي أن هذا النصر الموعود هو نصر الله أي نصر مضاف الى الله، ليس لأنه فعل لله، بل هو فعل للمؤمنين، ولكنه أضيف لله لما سيحدثه الله من ألطاف وتوفيقات إن أحسن المؤمنون اغتنامها، فسوف ينتصرون، كما أنه أضيف لله لأنه وعد من الله، ولذلك قال بعد ذلك:

[7] (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ…)
أي أن هذا النصر المضاف إلى الله ما هو إلا وعد من الله أي أن الله تعالى يعد المؤمنين بالألطاف والتوفيقات والمعونة التي من شأنها أن تيسر للمؤمنين فعل النصر.

المعنى الإجمالي

[1] (غُلِبَتِ الرُّومُ…)
بدأت السورة الكريمة ببيان حال الإمبراطورية العظمى ـ آنذاك ـ والتي لا تغيب عنها الشمس وهي الإمبراطورية الرومانية (الروم). لم يكن أحد يتصور أن تلك القوة العظمى تهزم أبدا ولذا تم تصدير السورة بتلك الحقيقة التاريخية وهي هزيمة الروم لتبث الطمأنينة في قلوب المؤمنين والأمل بأنهم سينتصرون وسيهزمون أعدائهم من القبائل العربية كما هزمت الروم التي لم يكن أحد من الناس يتخيل هزيمتهم ومن ثم فإن لسان حال الآية يقول: كما هزمت الروم اليوم فستهزم العرب غدا وما ذلك بعزيز أيها المؤمنون.

[2] (وَهُم…)
هذا الضمير يعود على المؤمنين ويسمى هذا الأسلوب بأسلوب الإلتفات من المفرد المؤنث (الروم) إلى الجمع المذكر (المؤمنون).

[3] (مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ)
أي أن المؤمنين من بعد قهرهم سيقهرون ومن بعد استضعافهم سيستقوون بقوة الله تعالى وسوف يتحقق هذا الإنتصار في المستقبل القريب.

[4] (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ)
كأن هذا الإنتصار هو من أمر الله فلا تستبعدوا وقوعه أيها المؤمنون، فإن الله سيجري على أيديكم ألطافه الخفية فتنتصرون.

[5] (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
وحينما يتحقق هذا الأمر المرعي بلطف الله وتوفيقه سيفرح المؤمنون بنصر الله الذي وعدهم من قبل.

[5] (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
إذا هناك موعدة وعدها الله المؤمنين أن يستفرغوا الوسع والطاقة ولا يقصرون في شيئ فيكافئهم الله بالمدد من عنده.

نصر الله الموعود

هذه الآيات نزلت في عهد الإستضعاف وهو العهد المكي لتحمل بشارة بنصر الله، عن طريق اللطف والعون الإلهي المستحقين للمؤمنين، وقد حدث ذلك النصر فعلا في بدر، وعلى هذا فالآيات الكريمات تتحدث عن موقعة ستحدث بين المؤمنين والكفار وستكون الغلبة فيها للمؤمنين وهو ما قد حدث فعلا:

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (آل عمران : 123 125)

تمثل اللطف الإلهي في ذلك المدد الإلهي بالملائكة، ليس للقتال، ولكن لتثبيت المؤمنين وتعزيزهم. ولأن ذلك النصر سبق لله أن بشر به ـ في آيات سورة الروم ـ قال بعد ذكر المدد بالملائكة في بدر:

(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران : 126)

أي ما جعل الله ذلك الوعد بالنصر أيام استضعافكم سوى بشر لكم وطمأنة لقلوبكم، وهكذا تسير آيات سورة الروم في انسجام تام مع آيات النصر ببدر.

سورة الروم والمجبرة

سورة الروم من السور التي يحلو لمعاشر المجبرة التغني بها فرحين طربين عازفين على وتري العلم الأزلي والقضاء الحتمي. أما العلم الأزلي فلا إشارة إلية في السورة أصلا، فالسورة الكريمة تتحدث عن حدثين أحدهما مضى وانقضى وهو هزيمة الروم والثاني مستقبلي مرتبط بسنة الله تعالى في المؤمنين:

(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج : 38 – 39)

(… وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج : 40)

فالله تعالى عليم لا يجهل، يعلم حال المؤمنين أمخلصين هم أم لا، وقادر لا يعجز، فيمدهم بلطفه وتوفيقه وعونه وقدرته إن كانوا مخلصين.

مناسبة النزول

قال الطبري في تفسيره: حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن سعيد، أو سعيد الثعلبـي الذي يقال له أبو سعد من أهل طَرَسُوس، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفـيان بن سعيد الثوري، عن حبـيب بن أبـي عَمرة، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كان الـمسلـمون يُحبون أن تغلب الرومُ أهل الكتاب، وكان الـمشركون يحبون أن يغلب أهل فـارس، لأنهم أهل الأوثان، قال: فذكروا ذلك لأبـي بكر، فذكره أبو بكر للنبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ” أما إنهُمْ سَيُهْزَمُونَ ” ، قال: فذكر ذلك أبو بكر للـمشركين، قال: فقالوا: أفنـجعل بـيننا وبـينكم أجلاً، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا قال: فجعلوا بـينهم وبـينه أجلاً خمس سنـين، قال: فمضت فلـم يُغلَبوا قال: فذكر ذلك أبو بكر للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: ” أفَلا جَعَلْتَهُ دُونَ العَشْرِ “، قال سعيد: والبِضْع ما دون العشر، قال: فَغَلَبَ الروم، ثم غلبت قال: فذلك قوله: { الـم غُلِبَت الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِـي بِضْعِ سِنِـينَ } قال: البضع: ما دون العشر { لِلّه الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ } قال سفـيان: فبلغنـي أنهم غلبوا يوم بدر.

نظرة في رواية مناسبة النزول

يمكن تقسيم رواية مناسبة النزول إلى مقطعين: الأول هو المقطع المتفق مع ظاهر اللفظ القرآني من الحقائق التاريخية الثابتة كهزيمة الروم و إنتصار بدر، وهذا المقطع يمكن قبوله بالتأكيد للإستئناس به فقط. الثاني هو المقطع المخالف لظاهر اللفظ القرآني كصرف الضمير (هم) للإشارة للروم مع مخالفة ذلك للسان العربي، أو الجمل التي تتحدث عن مؤازرة المؤمنين للروم مع علمهم بأنهم لا تقل وثنيتهم عن وثنية الفرس بل أشد بتصديقهم نسبة الولد إلى الله وهكذا، وهذا المقطع لا يمكن قبوله بحال لمخالفته العقل وظاهر الكتاب واللسان العربي المبين.

تحياتي وسلامي

الحسيني

Published in: on ديسمبر 28, 2006 at 10:25 ص  اكتب تعليقُا